بقلم/ عمران الخطيب
لم تنجح الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري الهائل، في تحقيق الأهداف التي أعلنتها من خلال التصعيد ضد إيران، كما لم تؤدِّ التهديدات المتكررة للرئيس دونالد ترامب بشن هجمات جديدة وفرض مزيد من العقوبات إلى تغيير المعادلة السياسية والعسكرية في المنطقة.
بل إن التطورات الميدانية والسياسية أظهرت أن واشنطن اضطرت في نهاية المطاف إلى التعامل مع إيران باعتبارها طرفًا لا يمكن تجاوزه، وصولًا إلى الدخول في مفاوضات مباشرة والموافقة على ترتيبات لوقف إطلاق النار والهدنة.
مضيق هرمز.. معركة النفوذ لا السيطرة العسكرية
يبقى مضيق هرمز إحدى أبرز أوراق القوة في المواجهة الإيرانية–الأمريكية، نظرًا إلى أهميته الاستراتيجية لحركة التجارة والطاقة العالمية.
ورغم الوجود العسكري الأمريكي المكثف في المنطقة، والعمليات التي تنفذها القوات البحرية الأمريكية، فإن واشنطن لم تتمكن من حسم معادلة السيطرة على المضيق أو ضمان حرية الملاحة فيه بصورة كاملة في مواجهة القدرات الإيرانية.
وتملك إيران أوراقًا عسكرية وصاروخية تجعل أي محاولة لفرض السيطرة بالقوة على المضيق مهمة بالغة التعقيد، الأمر الذي يفرض على الولايات المتحدة حسابات دقيقة في أي مواجهة عسكرية واسعة.
وهنا تبرز المفارقة: فالقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في دول الخليج، والتي يفترض أن توفر الردع والحماية، لم تمنع تعرض المنطقة لتداعيات الصراع، بل تحولت، من وجهة النظر الإيرانية، إلى أهداف مرتبطة مباشرة بالوجود العسكري الأمريكي.
وبذلك يطرح الواقع سؤالًا جوهريًا أمام دول الخليج: هل نجح الانتشار العسكري الأمريكي في توفير الأمن والاستقرار، أم أن وجود هذه القواعد أصبح أحد عوامل تصعيد الصراع الإقليمي؟
إسرائيل.. المحرك الأساسي للتصعيد؟
لا يمكن قراءة المواجهة الأمريكية مع إيران بمعزل عن الدور “الإسرائيلي” ومصالح “إسرائيل” الاستراتيجية في المنطقة.
“فإسرائيل” تسعى منذ سنوات إلى تحجيم القدرات الإيرانية وإضعاف نفوذها الإقليمي، فيما تنظر واشنطن إلى أمن “إسرائيل” باعتباره عنصرًا أساسيًا في سياستها الشرق أوسطية.
ومن هذا المنطلق، يرى منتقدو السياسة الأمريكية أن التصعيد ضد إيران لا يرتبط فقط بالمصالح الأمريكية المباشرة، وإنما يتقاطع بصورة كبيرة مع الرؤية “الإسرائيلية” لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.
لكن النتائج التي أفرزتها المواجهة لا تبدو متطابقة بالكامل مع الأهداف التي أعلنتها واشنطن وتل أبيب؛ فإيران ما زالت موجودة، وقدراتها العسكرية والسياسية لم تُحسم، بينما بقيت المنطقة أمام خطر الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة.
غزة ولبنان وسوريا.. الصراع يتجاوز الحدود
ولا يمكن فصل التطورات في إيران عن المشهد الأوسع في المنطقة.
فالحرب “الإسرائيلية” على قطاع غزة، وما رافقها من سقوط أعداد كبيرة من الضحايا والدمار الواسع، إلى جانب استمرار العمليات العسكرية والاعتداءات في الضفة الغربية والقدس، جعل القضية الفلسطينية مرة أخرى في قلب الاهتمام الشعبي الدولي.
وفي لبنان، ورغم التزامات وقف إطلاق النار، ما تزال الاعتداءات “الإسرائيلية” موضع انتقاد واسع، خصوصًا مع استمرار العمليات العسكرية في مناطق جنوب لبنان ومناطق أخرى.
أما في سوريا، فتستمر “إسرائيل” في تنفيذ ضربات داخل الأراضي السورية، في وقت تحاول فيه دمشق تجنب الانجرار إلى مواجهة شاملة.
هذه التطورات تطرح تساؤلًا خطيرًا: إلى أين يمكن أن يصل المشروع الإسرائيلي في المنطقة، إذا استمرت العمليات العسكرية في أكثر من ساحة، من غزة إلى الضفة الغربية ولبنان وسوريا، بالتزامن مع المواجهة مع إيران؟
هل تتغير نظرة العالم إلى “إسرائيل”؟
الأخطر بالنسبة” لإسرائيل” والولايات المتحدة ليس فقط ما يحدث في ساحات القتال، بل التحول الذي تشهده قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي.
فالمشاهد القادمة من قطاع غزة، إلى جانب ما يحدث في الضفة الغربية والقدس، دفعت قطاعات من الشعوب، بما فيها قطاعات داخل الولايات المتحدة والدول الغربية، إلى إعادة النظر في الرواية السياسية والإعلامية التقليدية للصراع الفلسطيني”الإسرائيلي”.
وأصبح ملف حقوق الشعب الفلسطيني حاضرًا بقوة في الجامعات والبرلمانات ووسائل الإعلام والمجتمعات المدنية في دول عديدة، فيما تتزايد المطالبات بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات ومساءلة “إسرائيل” عن مدى التزامها بالقانون الدولي.
وهذا التحول الشعبي قد يكون، على المدى البعيد، أكثر تأثيرًا من أي معركة عسكرية؛ لأن شرعية أي مشروع سياسي لا تُقاس فقط بحجم القوة العسكرية التي يمتلكها، وإنما أيضًا بقدرته على إقناع العالم بعدالة أهدافه.
الشرق الأوسط أمام مرحلة جديدة
إن التطورات الأخيرة تؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الصراع، لم تعد فيها الولايات المتحدة قادرة على فرض إرادتها بسهولة، كما لم تعد “إسرائيل” قادرة على إدارة جميع جبهات المواجهة وفق قواعدها الخاصة.
ومضيق هرمز يمثل نموذجًا واضحًا لهذه المعادلة؛ فامتلاك إيران القدرة على تهديد حرية الملاحة والطاقة العالمية يمنحها ورقة استراتيجية بالغة الأهمية، ويجعل أي حرب شاملة معها ذات تكلفة هائلة على الولايات المتحدة” وإسرائيل” ودول المنطقة والعالم.
وفي المقابل، فإن استمرار الحروب والاعتداءات وتوسيع ساحات المواجهة لن يؤدي إلا إلى زيادة عدم الاستقرار، وتهديد أمن الدول العربية، وإبقاء الشرق الأوسط رهينة لصراعات مفتوحة لا يبدو أن القوة العسكرية وحدها قادرة على حسمها.
لذلك، فإن المطلوب من الدول العربية والإسلامية ليس الاكتفاء بردود الفعل، وإنما بناء رؤية مستقلة لأمن المنطقة، تقوم على حماية سيادة الدول ورفض الاحتلال والعدوان، ودعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والعمل على منع تحويل المنطقة إلى ساحة دائمة للحروب بالوكالة.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن القوة العسكرية تستطيع تدمير المدن والمنشآت، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة الاستقرار أو فرض السلام.
والسؤال الذي سيبقى مطروحًا أمام واشنطن وتل أبيب هو: هل يمكن فرض نظام إقليمي جديد بالقوة، في ظل صعود قوى إقليمية تملك أوراقًا استراتيجية، وفي ظل تحول متزايد في الرأي العام العالمي تجاه القضية الفلسطينية؟
ربما تكون معركة مضيق هرمز واحدة من أبرز المؤشرات على أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة مختلفة؛ مرحلة لم تعد فيها موازين القوة محسومة لطرف واحد، وأن أي محاولة لفرض واقع جديد بالقوة قد تنتج نتائج عكسية على أصحابها.
مضيق هرمز.. ورقة القوة الإيرانية في مواجهة واشنطن و”إسرائيل”
2026-08-28
67 مشاهدة
مقالات وآراء