صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
إلى متى ستظل أمة المليارين عربيًا ومسلمًا فئران تجارب لقوى الاستكبار؟

إلى متى ستظل أمة المليارين عربيًا ومسلمًا فئران تجارب لقوى الاستكبار؟

بقلم: علي حسين البجيري

مرت سنوات طويلة منذ سقوط دولة الخلافة العثمانية، والأمة العربية والإسلامية تعيش أوضاعًا متقلبة وغير مستقرة، في صراعات ومناوشات ومؤامرات ودسائس وفتن وحروب واقتتال لا يكاد ينتهي.

لقد ركزت قوى الاستكبار ومشاريعها على إبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم، فدعمت بعض الدويلات الصغيرة التي أُريد لها أن تؤدي أدوارًا وظيفية محددة لخدمة أهداف هذه القوى، ووفرت لها الأمن والاستقرار وساعدتها على حماية ثرواتها وتعظيمها، حتى أصبحت نماذج للرفاه والرخاء والاستقرار، في الوقت الذي تُرك محيطها يغلي بالصراعات والأزمات.

وفي المقابل، جرى إشعال الفتن في محيط هذه الدويلات، وتأجيج المذهبية والطائفية والعنصرية والقبلية والتشدد الحزبي، وصناعة جماعات متطرفة تحت مسميات مختلفة، ثم تقديمها للعالم باعتبارها صورة للإسلام، بهدف تشويه صورة الدين الإسلامي الحنيف والإساءة إلى رسالته الإنسانية العظيمة، والحقيقة أن الإسلام المحمدي الصحيح بريء من كل ذلك.

فالإسلام لا يدعو إلى الإرهاب، ولا إلى قتل الأبرياء، ولا إلى الإجرام والخراب والدمار، وإنما جاء ليقيم العدل ويحفظ كرامة الإنسان ويصون الدماء والأعراض والأموال، ويدعو للتعايش السلمي بين الأمم ويجعل الرحمة والسلام والتعاون من القيم التي تحفظ حياة الشعوب والمجتمعات.

لقد آنَ للأمة أن تستعيد وعيها، وأن تعرف أين تكمن مصالحها، وأن تبني قرارها المستقل، وأن تتوقف عن استنزاف نفسها في صراعات لا تخدم إلا أعداءها، فقد آن لها أن تدرك حجم المؤامرات، وأن تدرك أن ثرواتها ومقدراتها أصبحت غنيمة للقوى الكبرى، وأن شعوبها ليست أدوات في مشاريع الآخرين، وأن أمنها واستقرارها لا ينبغي أن يكونا مرهونين بإرادة الخارج.

فالأمة التي تملك الثروات الهائلة، والتاريخ العريق، والموقع الاستراتيجي، وملياري إنسان، لا يجوز أن تبقى أسيرةً للفرقة والصراع والوصاية، والسؤال الذي سيظل مطروحًا بقوة: إلى متى ستظل بلدانكم مستباحة ومجرد ساحات للصراع، وأدوات في مشاريع الآخرين، وفئران تجارب لمخططات القوى الكبرى؟

لقد آنَ للأمة أن تنهض من حالة الاستنزاف، وأن تستعيد قرارها وإرادتها وكرامتها وسيادتها، وأن تبني مستقبلها بيدها، لا أن تنتظر أعداءها ليرسموا لها حاضرها ومستقبلها، فالأمم التي لا تصنع قرارها بنفسها، سيصنع الآخرون مستقبلها نيابةً عنها، ولكن مستقبلاً يضمن بقاء هيمنتهم عليها، ويبقيها أسيرة وخاضعةً للأمر الواقع، ومشدودةً لإرادتهم، تنفذ ما يُملى عليها دون نقاش أو اعتراض.

إن أمة الإسلام اليوم تُضرب وتُهان تحت شعارات زائفة ومتعددة، ويُراد لها أن تبقى أسيرةً للخوف والانقسام والضعف، فقد دخلت علينا الصهيونية العالمية وبعض القوى الغربية من أبواب متعددة، دخلت علينا من باب الإرهاب، رغم أن كثيرًا من السياسات الدولية التي ساهمت في صناعة بيئات التطرف والإرهاب لا يمكن فصلها عن تاريخ المنطقة وصراعاتها، ثم جرى إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام والمسلمين، وكأن دينًا بأكمله مسؤول عن جرائم ارتكبتها جماعات صنعها الصهاينة أنفسهم ومعهم بعض دول الغرب، فهذه الجماعات لا تمثل الإسلام ولا المسلمين، بل تمثل حقيقة صانعيها، ثم دخلوا علينا من أبواب أخرى، تحت عناوين حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل والحريات، وهي مبادئ إنسانية عظيمة لا نرفضها في أصلها، لكننا نرفض أن تتحول إلى أدوات سياسية انتقائية تُستخدم حين تخدم مصالح الأقوياء، ويُتجاهل مضمونها حين يتعلق الأمر بضحايا لا يريدون رؤيتهم.

فأين حقوق الإنسان مما يجري في فلسطين؟ أين حقوق الطفل أمام الأطفال الذين يُقتلون ويُيتمون ويُهجّرون؟ وأين حقوق المرأة أمام النساء اللواتي يفقدن أبناءهن وبيوتهن وأمنهن؟ وأين كل تلك الشعارات أمام مشاهد القتل والدمار والمعاناة التي يشهدها العالم؟ في اليمن والسودان وليبيا وفلسطين، وقبلهما في الصومال وأفغانستان.

إن المشكلة ليست في مبادئ حقوق الإنسان، وإنما في ازدواجية المعايير: مكيالٌ يُستخدم مع من يريدون معاقبته، ومكيالٌ آخر يُستخدم مع من يريدون حمايته، يكيلون بمكيالين، يغضون الطرف هنا، ويفتحون أعينهم هناك، ويصمتون أمام جرائم، ثم يرفعون أصواتهم أمام جرائم أخرى، وفقًا للمصلحة والهوى السياسي.

وهذه الازدواجية تتحول إلى وسيلة ضغط وابتزاز وإخضاع، لإبقاء هذه الأمة في حالة ضعف وتشتت، عاجزة عن امتلاك قرارها، ومحتاجة دائمًا إلى رضا الآخرين ورحمتهم، شيء مؤسف، لكن زمن الخضوع لا ينبغي أن يستمر إلى الأبد، لقد آنَ للأمة أن تستفيق من سباتها، وأن تستعيد وعيها وكرامتها وإرادتها وسيادتها، وأن تعرف أن قوتها الحقيقية ليست في ثرواتها وحدها، وإنما في وحدتها ووعي شعوبها وقدرتها على صناعة قرارها بنفسها.

لقد آنَ لها أن تقول: كفى.
كفى أن نكون ساحاتٍ لصراعات الآخرين، كفى أن تكون ثرواتنا ومقدراتنا وقودًا لمشاريعهم، كفى أن يُرسم مستقبلنا في عواصم لا تنتمي إلينا، نحن أمة تملك التاريخ والجغرافيا والثروات والبشر، وما ينقصها ليس الإمكانات، وإنما الإرادة والإدارة والقرار والشجاعة، فإذا امتلكت الأمة قرارها، لن يستطيع أحد أن يجعل منها فئران تجارب، وإذا امتلكت إرادتها فلن يستطيع أحد أن يفرض عليها أمرًا واقعًا إلى الأبد، وإذا استيقظت من غفلتها، فلن يكون مستقبلها ملكًا لأعدائها، بل ستكتبه هي بيدها.

فهل آنَ لأمة المليارين أن تستفيق؟
حسبنا الله ونعم الوكيل

📂 الأقسام

الرئيسية اقتصاد تقارير وتحليلات تكنولوجيا ثقافة حول خبر عاجل رياضة سياسة صحة صور وفيديو عربي ودولي فنون مقالات وآراء منوعات