صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
الإنسان كنظام معرفي حي إعادة تعريف الإنسان: ليس متلقي معرفة، بل مُعيد تشكيلها

الإنسان كنظام معرفي حي إعادة تعريف الإنسان: ليس متلقي معرفة، بل مُعيد تشكيلها

بقلم/ د. محمد قاروط أبو رحمة

وصلت هذه السلسلة في بدايتها إلى سؤال يبدو بسيطًا:
متى تتحول المعرفة إلى عبء؟
لكن كل خطوة في هذه الرحلة قادت إلى سؤال أعمق من سابقه.
فلم يكن السؤال الحقيقي عن المعرفة وحدها، بل عن الإنسان نفسه؛ عن الكائن الذي ينتج المعرفة، ويتعلمها، ويستخدمها، ويختبرها، ويعيد بناءها.
ولهذا تنتهي السلسلة من حيث كان ينبغي أن تبدأ: من الإنسان.

الصورة التقليدية للإنسان

في كثير من النماذج التعليمية والمعرفية يُنظر إلى الإنسان بوصفه مستقبلًا للمعرفة.
يتلقى المعلومات. يحفظها. ثم يستدعيها عند الحاجة. وكأن العقل مخزن كبير للمحتوى.
وقد كان لهذا التصور ما يبرره في عصور كانت المعرفة فيها نادرة، وكان الوصول إليها صعبًا ومكلفًا.
لكن هذا التصور أصبح أقل قدرة على تفسير ما يحدث فعلًا داخل الإنسان.
فالمعرفة لا تدخل إلى الإنسان كما تدخل الأشياء إلى المستودعات.
والعقل لا يعمل كمخزن. والتعلم ليس عملية نقل آلية للمعلومات.

الإنسان لا يستقبل المعرفة فقط

خلال هذه السلسلة ظهر أن المعرفة لا تبدأ بالمعلومة. بل تبدأ بالانتباه.
فالإنسان ينتبه أولًا. ثم يفسر. ثم يربط. ثم يفهم. ثم يقرر. ثم يفعل. ثم يختبر نتائج فعله. ثم يتعلم من الخبرة. ثم يعيد بناء معرفته من جديد. ولهذا فإن الإنسان لا يستقبل المعرفة فقط.
بل يعيد تشكيلها باستمرار.

وحتى عندما يقرأ الفكرة نفسها التي قرأها قبل سنوات، فإنه لا يعود إليها بالعقل نفسه، ولا بالخبرة نفسها، ولا بالسياق نفسه.
فالمعرفة التي تدخل الإنسان لا تبقى كما هي. والإنسان الذي يستقبلها لا يبقى كما هو.

الإنسان كائن خلاق

يتميّز الإنسان بكونه كائنًا معرفيًا قادرًا على بناء تمثيلات ذهنية للعالم، وتوليد بدائل متعددة للفعل، ثم اختيار أحدها ضمن سياقات معقدة من الخبرة والمعنى.

وهذه القدرة هي التي تجعل الفعل الإنساني غير آلي، وتمنحه طابع الإرادة بوصفها قدرة نسبية على الاختيار داخل شبكة من القيود والاحتمالات.

ومع دخول القيم في عملية الاختيار، يصبح الفعل الإنساني فعلًا أخلاقيًا بالضرورة، لأن الاختيار لا يتم في فراغ، بل داخل منظومة من المعاني والمسؤوليات والنتائج المتوقعة.

ومن هنا تنشأ العلاقة العضوية بين المعرفة والاختيار والأخلاق.

فالإنسان لا يعرف فقط. بل يعرف لكي يختار. ويختار لكي يفعل. ويفعل لكي يؤثر في الواقع.

ولهذا لا يكون الإنسان مجرد كائن يتلقى المعرفة أو ينتجها، بل كائن خلاق؛ لأن المعرفة لديه ليست انعكاسًا سلبيًا للواقع، بل عملية بناء وتشكيل واختيار داخل عالم من الإمكانات.

فالإنسان لا يكتفي بفهم العالم. بل يشارك في إعادة صياغته.

دورة المعرفة داخل الإنسان

أحد أهم ما توصلت إليه هذه السلسلة هو أن المعرفة ليست شيئًا ثابتًا.
بل دورة حية:

الانتباه → المعرفة → الفهم → القرار → الفعل → الخبرة → إعادة تشكيل المعرفة.

وفي هذه الدورة لا يوجد خط مستقيم يبدأ بالمعرفة وينتهي بها.
بل توجد حركة دائمة. فكل مرحلة تؤثر في الأخرى.
وكل خبرة جديدة تعيد تشكيل الفهم السابق. وكل فهم جديد يغير طريقة النظر إلى الواقع.

ولهذا فإن الإنسان نفسه يصبح نظامًا معرفيًا حيًا يتحرك ويتطور باستمرار.

المعرفة تنمو أثناء استخدامها

من أهم النتائج التي ظهرت خلال هذه الرحلة أن المعرفة لا تنمو فقط أثناء التعلم. بل أثناء الاستخدام.

فالخبرة لا تعود إلى المعرفة بوصفها تكرارًا لها، بل بوصفها قوة إعادة تشكيل لها؛ فهي تصححها، وتوسعها كمًّا ونوعًا، وتعيد بناءها على نحو أكثر ارتباطًا بالواقع وأكثر قدرة على تفسيره والتعامل معه.

ولهذا لا يمكن فهم المعرفة بمعزل عن الممارسة. ولا يمكن فهم الإنسان بمعزل عن تجربته.

فالمعرفة الحية تتغير أثناء استخدامها، والإنسان يتغير أثناء تعلمه.

من التراكم إلى التحول

كانت إحدى الأفكار المركزية في هذه السلسلة أن المعرفة تتحول إلى عبء عندما تُفهم بوصفها تراكمًا فقط.

أما المعرفة الحية فهي التي تعيد تشكيل طريقة التفكير نفسها.

وهذا يقود إلى نتيجة أوسع:

الإنسان لا ينمو بسبب كمية ما يعرفه. بل بسبب مقدار التحول الذي تحدثه المعرفة في طريقة فهمه للعالم وتعامله معه.

فالقيمة ليست فيما يدخل إلى العقل. بل فيما يغيره داخله.

الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

ربما لم يسبق للبشرية أن امتلكت هذا القدر من القدرة على الوصول إلى المعلومات.

وأصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنتاج النصوص، وتلخيص الكتب، وربط المصادر، والإجابة عن الأسئلة بسرعة مذهلة.

لكن هذا التطور أعاد طرح سؤال جديد:

ما الذي يبقى إنسانيًا عندما تصبح المعرفة متاحة للجميع؟

لقد قادتنا هذه السلسلة إلى إجابة واضحة.

يبقى إنسانيًا: الانتباه. القصد. الفهم. القرار. المسؤولية. الخبرة. القدرة على التعلم من نتائج الفعل.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعد في إنتاج المعرفة. لكنه لا يعيشها. ولا يتحمل نتائجها. ولا يعيد تشكيل ذاته من خلالها كما يفعل الإنسان.

الإنسان والمعنى

المعرفة وحدها لا تنتج المعنى.

فالإنسان هو الذي يمنح المعرفة معناها من خلال الغاية التي يوجهها إليها.

ولهذا كانت الأخلاق حاضرة في هذه السلسلة منذ بدايتها. فالأخلاق ليست حكمًا على المعرفة بعد إنتاجها، بل هي البنية التي تسبقها وتحدد غايتها، وطريقة اكتسابها، وتوظيفها، واختبارها.

ومن هنا تصبح قيمة الإنسان ليست فيما يعرف فقط. بل في لماذا يعرف. وكيف يستخدم ما يعرف. ولأي غاية يوظفه.

نحو تعريف جديد للإنسان

إذا أردنا تلخيص ما تعلمناه من هذه الرحلة كلها، فقد يكون من المناسب أن نعيد تعريف الإنسان على النحو الآتي:

الإنسان ليس وعاءً للمعرفة. وليس مخزنًا للمعلومات. وليس آلة لمعالجة البيانات.

بل نظام معرفي حي يتعلم من الواقع، ويعيد بناء فهمه باستمرار، ويحول المعرفة إلى قرارات وأفعال وخبرات، ثم يعود ليعيد تشكيل معرفته من جديد.

إنه كائن يتغير أثناء التعلم، ويتعلم أثناء التغيير.

الخلاصة

بدأت هذه الرحلة بسؤال عن المعرفة.

وانتهت بسؤال عن الإنسان.

وكانت النتيجة أن المعرفة الحية والإنسان الحي يشتركان في الخاصية نفسها:

كلاهما ينمو بالحركة. فالمعرفة التي تتوقف عن الحركة تتحول إلى عبء.

والإنسان الذي يتوقف عن التعلم من خبرته يفقد جزءًا من حيويته.

ولهذا يمكن صياغة القانون الختامي للسلسلة على النحو الآتي:

الإنسان ليس متلقيًا للمعرفة، بل نظام معرفي حي يعيد تشكيلها باستمرار عبر الانتباه والفهم والقرار والفعل والخبرة، ويمنحها معناها من خلال القصد والأخلاق والمسؤولية.

كلمة أخيرة إلى القارئ

إذا كانت هذه السلسلة قد قادتنا إلى نتيجة عملية واحدة، فهي أن المعرفة لم تعد المشكلة الأساسية في عصرنا.

فالمعرفة أصبحت متاحة بقدر وسرعة لم يعرفهما الإنسان من قبل، وأصبح الوصول إلى المعلومات أسهل من أي وقت مضى.

واستنادًا إلى ذلك، يبدو أن أمامنا مهمتين أساسيتين:

الأولى: أن تبقى الأخلاق الضابط الصارم للمعرفة؛ لأنها هي التي تحدد غايتها، وتوجه طريقة اكتسابها، وتضبط كيفية استخدامها واختبارها، وتمنعها من أن تتحول إلى أداة للتبرير أو الهيمنة أو العبث. فكلما ازدادت قوة المعرفة، ازدادت الحاجة إلى أخلاق أقوى توجهها.

والثانية: أن نطور نظامنا التشغيلي المعرفي باستمرار؛ أي قدرتنا على الانتباه، والربط، والفهم، واتخاذ القرار، والتعلم من الخبرة، وإعادة تشكيل المعرفة أثناء استخدامها. فالقيمة لم تعد في امتلاك المعرفة وحدها، بل في القدرة على تنظيمها وتوجيهها وتحويلها إلى فهم وخبرة وفعل مسؤول.

وربما تكون الخلاصة الأهم لهذه الرحلة كلها:

كلما انخفضت كلفة الوصول إلى المعرفة، ازدادت أهمية الأخلاق والخبرة ونظام التفكير الذي يوجهها.

فالمستقبل لن يكون لمن يمتلك معلومات أكثر، بل لمن يستطيع أن يوظف المعرفة بحكمة، ويعيد تشكيلها باستمرار لخدمة الإنسان والحياة.

وإذا كان الإنسان نظامًا معرفيًا حيًا، فإن هذا النظام يحتاج دائمًا إلى الصيانة والتطوير ليبقى قادرًا على أداء وظيفته في خدمة الإنسان والإنسانية.

ولا تتم صيانة هذا النظام بزيادة المعرفة وحدها، بل عبر مراجعة مستمرة لضوابطه الأخلاقية وإعادة ضبطها كلما تطلبت الخبرة ذلك، وعبر تطوير نظامه التشغيلي المعرفي؛ أي قدرته على الانتباه، والفهم، والربط، واتخاذ القرار، والتعلم من التجربة.

فكما تحتاج الأدوات إلى الصيانة كي لا تتآكل، تحتاج المنظومات المعرفية إلى المراجعة كي لا تتحول إلى يقين مغلق، أو عادة فكرية جامدة، أو صنم معرفي منفصل عن الواقع.

ولهذا فإن مهمة الإنسان ليست أن يراكم المعرفة فحسب، بل أن يحافظ على حيوية نظامه المعرفي وقدرته على التعلم والتصحيح والتطوير المستمر.

فالإنسانية لا تتقدم بما تعرفه فقط، بل بقدرتها الدائمة على مراجعة ما تعرفه، وتطوير كيف تعرفه، وتوجيهه أخلاقيًا لخدمة الحياة.

📂 الأقسام

الرئيسية اقتصاد تقارير وتحليلات تكنولوجيا ثقافة حول خبر عاجل رياضة سياسة صحة صور وفيديو عربي ودولي فنون مقالات وآراء منوعات