بقلم / نجيب الكمالي – رئيس التحرير
من عدن، حيث لا تزال جروح الحرب مفتوحة على أسئلة كثيرة، قرأت مقال المهندس غسان جابر بعنوان "غزة تعاد هندستها وفلسطين ما زالت تنتظر أن تقرر". توقفت عنده طويلًا، ليس بسبب الحديث عن الحرب وحدها، وإنما بسبب السؤال الذي وضعه أمام القارئ: من سيقرر شكل غزة بعد الحرب؟
هذا السؤال أخذني مباشرة إلى عدن. نحن نعرف أن صمت المدافع لا يعني أن كل شيء عاد إلى مكانه. بعد الحرب تبدأ حسابات أخرى، حول المؤسسات والمدينة والموارد ومن يملك القدرة على تحديد الاتجاه.
مر أكثر من عشر سنوات على انتهاء الحرب في عدن، وسنوات مرت ونحن نسمع ضجيج البيانات والوعود، ولا نرى طحينًا على الأرض. مشاريع تُعلن، وأرقام تتداول، والناس تنتظر أن ترى شيئًا يصل إلى أحيائها وبيوتها وخدماتها.
لهذا فهمت لماذا توقف غسان جابر عند عبارة "اليوم التالي بدأ بالفعل".
في غزة، المستقبل لا ينتظر نهاية القصف. هناك ترتيبات أمنية، وأفكار للإدارة، وأموال يجري الحديث عنها، وجهات تريد أن يكون لها دور في المرحلة المقبلة. وكل طرف ينظر إلى المسألة من زاويته، بينما الفلسطينيون أمام امتحان صعب: كيف يحافظون على حضورهم في صناعة مستقبلهم؟
هنا يصبح البناء مسألة أكبر من الخرسانة والحديد.
المال مهم، والخبرة مطلوبة، والمساعدة الدولية لا غنى عنها. لكن الجهة التي تمول ستسأل عن كيفية الإنفاق، ومن يشرف على المشاريع ستكون له مساحة من التأثير، ومن يحدد الأولويات سيكون مشاركًا في رسم ملامح المرحلة القادمة.
وهذه النقطة أعادتني مرة أخرى إلى عدن. فسنوات الانتظار علمتنا أن تأخر الحل لا يعني بقاء الأمور كما هي. الفراغ لا يبقى فارغًا، وغالبًا ما يأتي من يملؤه بطريقته.
لذلك أجد فكرة غسان جابر عن الفرق بين المساعدة والوصاية مهمة جدًا. يمكن للعالم أن يساعد الفلسطينيين، بل يجب أن يساعدهم، لكن المساعدة شيء وأن يصبح القرار بيد الآخرين شيء آخر.
المشكلة لا تقف عند الخارج.
الانقسام الفلسطيني الداخلي حاضر بقوة. غزة والضفة عاشتا سنوات طويلة في مسارين سياسيين مختلفين، ومع الوقت يصبح الخلاف أثقل من مجرد اختلاف في المواقف. نحن في اليمن نعرف هذا جيدًا؛ فالانقسام عندما يطول ينتقل من السياسة إلى المؤسسة والخدمة والراتب وحياة المواطن.
ومن هنا تأتي صعوبة المرحلة الفلسطينية المقبلة. المطلوب ليس فقط إدارة ما خلفته الحرب، وإنما استعادة إطار سياسي يستطيع أن يجمع الفلسطينيين حول مستقبلهم.
قد تعود المدارس، وتفتح المستشفيات، وتُبنى البيوت، وتتحرك عجلة الحياة من جديد. لكن يبقى السؤال الذي لا يمكن تجاهله:
أي غزة ستخرج من هذه الحرب؟
وأي مكان سيكون لها داخل فلسطين؟
هذا ما جعل مقال غسان جابر بالنسبة لي أكثر من قراءة سياسية. لقد فتح نافذة على مرحلة قد تكون أخطر من اللحظة التي نعيشها الآن، لأن من يدخلها بلا رؤية قد يجد نفسه أمام ترتيبات لم يشارك في صياغتها.
ومن عدن أقولها ببساطة: نحن نعرف ثمن التأخر.
ولهذا كل التقدير للمهندس غسان جابر على هذا الطرح، لأنه لم يتوقف عند ما هدمته الحرب، بل سأل عما سيأتي بعدها.
فالفلسطينيون يحتاجون إلى كل يد تساعدهم، لكنهم قبل ذلك يحتاجون إلى أن تبقى يدهم على مستقبلهم.
غزة بين الركام ومستقبل القرار
2026-08-23
90 مشاهدة
مقالات وآراء