صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
عندما لا يكفي القياس: خصوصية الحالة الفلسطينية وإنتاج المنهج الخاص

عندما لا يكفي القياس: خصوصية الحالة الفلسطينية وإنتاج المنهج الخاص

المقال الثاني من سلسلة
من عقلية القياس إلى عقلية الإمكان
صُنّاع المناهج... كيف يكتب العظماء التاريخ؟


بقلم/ د. محمد قاروط أبو رحمة – عضو مجلس إدارة اكاديمية فتح الفكرية


يُعد القياس أحد أهم أدوات التفكير الإنساني، فهو يسمح للإنسان بأن يستفيد من خبرات الآخرين، ويقارن بين الوقائع، ويستخلص القواعد العامة التي تساعده على الفهم واتخاذ القرار. وقد قامت العلوم الطبيعية والإنسانية على هذا المبدأ، إذ لا يمكن بناء معرفة تراكمية دون البحث عن أوجه الشبه بين الظواهر، واستخلاص ما يمكن تعميمه منها.

غير أن القياس، مهما بلغت أهميته، ليس قانونًا مطلقًا يصلح لكل زمان ومكان. فهو يفترض وجود حالة مشابهة يمكن القياس عليها، فإذا كانت الحالة الجديدة تختلف في بنيتها وأسبابها وأهدافها، أصبح القياس وحده غير كافٍ، بل قد يقود إلى نتائج مضللة. ومن هنا فإن التفكير العلمي الحقيقي لا يكتفي بتطبيق القياس، بل يبدأ بالسؤال: هل نحن أمام حالة تشبه ما سبق، أم أمام واقع يحتاج إلى منهج جديد؟
لقد شهد التاريخ تجارب تحرر وطني كثيرة، من الجزائر إلى فيتنام، ومن جنوب إفريقيا إلى غيرها من حركات التحرر. وتمثل هذه التجارب ثروة معرفية عظيمة ينبغي دراستها والاستفادة منها؛ لأنها تكشف قوانين عامة في الصمود والتنظيم والمقاومة وبناء الإرادة الوطنية. غير أن الاستفادة من التجربة شيء، واستنساخها شيء آخر.

فالحالة الفلسطينية تحمل خصوصية تاريخية وسياسية تجعلها مختلفة عن كثير من تجارب التحرر الأخرى. فالمشروع الصهيوني لم يكن احتلالًا عسكريًا تقليديًا يسعى إلى السيطرة على الأرض واستغلال مواردها ثم الانسحاب، بل قام منذ نشأته على مشروع استيطاني إحلالي يهدف إلى الاستيلاء على الأرض، وإحلال مجتمع جديد مكان المجتمع الأصلي، وإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا والهوية والتاريخ معًا. وهذه الخصوصية تجعل القياس المباشر على تجارب أخرى غير كافٍ لفهم طبيعة الصراع أو إنتاج أدوات التعامل معه.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي لم يكن في البحث عن نموذج جاهز، بل في إنتاج منهج يستجيب لخصوصية الواقع الفلسطيني. فالمنهج لا يولد من كثرة القراءة وحدها، وإنما من الحوار بين المعرفة والواقع، وبين الخبرة والتجربة، وبين الثابت والمتغير.
ومن هذا المنطلق برزت حركة فتح بوصفها محاولة فلسطينية لإنتاج منهج وطني مستقل، لا يقوم على استنساخ التجارب، وإنما على فهم خصوصية القضية الفلسطينية. فقد صاغت الحركة منذ انطلاقتها عددًا من المبادئ التي أصبحت مرتكزات للعمل الوطني، وفي مقدمتها استقلالية القرار الفلسطيني، والتحرير بوصفه طريقًا للوحدة الوطنية، والإيمان بأن معركة التحرر تحتاج إلى نضال طويل النفس، يتكيف مع الظروف دون أن يتخلى عن الهدف.

ولم يكن هذا المنهج نتاج اجتهاد فرد واحد، بل ثمرة تفكير جمعي، وحوار مستمر، وتجربة ميدانية تراكمت عبر السنوات. ولذلك اعتمدت الحركة على العمل المؤسسي، واتخاذ القرار داخل الأطر القيادية، بما يشبه ما يُعرف اليوم بالعصف الذهني المؤسسي، حيث تتلاقى الخبرات المختلفة لإنتاج رؤية مشتركة أكثر قدرة على مواجهة الواقع.

وهنا تتجلى قيمة المنهج. فالمنهج لا يلغي الاستفادة من خبرات الآخرين، لكنه يمنع الوقوع في أسرها. فهو يدرس التجارب السابقة بعقل منفتح، ثم يعيد إنتاجها بما يتناسب مع الواقع الجديد. ولذلك فإن الأمم التي تكتفي باستيراد الحلول تبقى تابعة، أما الأمم التي تمتلك القدرة على إنتاج مناهجها الخاصة فهي التي تصنع تاريخها بنفسها.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي تزداد أهمية هذا المعنى. فالأنظمة الذكية تتفوق في تحليل الأنماط السابقة، واكتشاف العلاقات داخل البيانات المتوافرة، لكنها تبقى أسيرة ما هو موجود في قاعدة المعرفة التي تدربت عليها. أما عندما يواجه الإنسان واقعًا غير مسبوق، أو تحديًا لم يعرفه التاريخ من قبل، فإن إنتاج المنهج الجديد يظل فعلًا إنسانيًا يقوم على الإبداع، والخيال، والقدرة على اكتشاف الإمكانات التي لا تكشفها المقارنات وحدها.

ومن هنا فإن القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى رفض القياس، كما لا تحتاج إلى تقديسه، بل تحتاج إلى استخدامه بوصفه وسيلة للفهم، لا بديلًا عن التفكير. فالقياس يفتح باب التعلم من الآخرين، أما المنهج الخاص فيفتح باب صناعة المستقبل.

إن التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تدخل المستقبل بتكرار إجابات الماضي، بل بامتلاك الشجاعة لطرح الأسئلة التي لم يطرحها أحد من قبل، ثم إنتاج الإجابات التي تنبع من واقعها وتجربتها ورسالتها.
قانون المقال:

القياس يعلّمنا كيف استفاد الآخرون من تجاربهم، أما المنهج الخاص فيعلّمنا كيف نستفيد نحن من خصوصية تجربتنا. فالأمم لا تصنع تاريخها بتقليد النماذج، بل بإنتاج النموذج الذي يعبّر عنها.


المقال القادم: المقال الثالث بعنوان:
من المعرفة إلى الخيال: كيف يولد الإبداع؟

📂 الأقسام

الرئيسية اقتصاد تقارير وتحليلات تكنولوجيا ثقافة حول خبر عاجل رياضة سياسة صحة صور وفيديو عربي ودولي فنون مقالات وآراء منوعات