صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
نظرية الوكيل..  لماذا تتعثر حركات التحرر عندما تنتظر من يحررها؟

نظرية الوكيل.. لماذا تتعثر حركات التحرر عندما تنتظر من يحررها؟

بقلم : المهندس غسان جابر
القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.

بعد أكثر من سبعة عقود من الصراع، وبعد آلاف المؤتمرات والقرارات والقمم والوسطاء والمبعوثين، أعتقد أن الوقت قد حان لنعترف بحقيقة مؤلمة:

لم تكن أكبر أزماتنا نقص الأصدقاء... بل كثرة الوكلاء.

ومن هنا أقترح إضافة مفهوم جديد إلى قاموس الفكر السياسي العربي أسميه "نظرية الوكيل".

ليست نظرية قانونية، ولا أمنية، بل نظرية تفسر كيف تبدأ حركات التحرر بخسارة مشروعها، قبل أن تخسر معركتها.

وتقوم هذه النظرية على قانون بسيط:

كلما ازداد اعتماد حركة التحرر على من يحقق أهدافها نيابة عنها، تراجعت قدرتها على بناء قوتها بنفسها.

هذه ليست قراءة للتاريخ الفلسطيني فقط، بل محاولة لفهم قانون سياسي يتكرر كلما قررت أمة أن تترك مستقبلها في أيدي الآخرين.

لقد أقنعنا أنفسنا، من حيث لا نشعر، بأن هناك دائمًا من سيأتي في اللحظة المناسبة ليغير المعادلة. مرة راهنا على النظام العربي، ومرة على المجتمع الدولي، ومرة على الوسيط الأمريكي، ومرة على القوى الإقليمية، واليوم يراهن البعض على نظام دولي جديد.

لكن السؤال الذي لم نطرحه يومًا هو:

كم سنة أخرى سنقضيها في تغيير الوكيل، بينما يبقى المشروع الوطني بلا تغيير؟

لقد تغير العالم عشرات المرات...

وسقطت إمبراطوريات...

وقامت أخرى...

وتبدلت التحالفات...

لكن القضية الفلسطينية بقيت تبحث عن الوكيل الجديد.

وهنا تكمن المشكلة.

فالوكيل لا يمنحك القوة، بل يمنحك مبررًا لتأجيل بنائها.

وعندما تنتظر أن يصنع الآخر قرارك، تتوقف تدريجيًا عن صناعة قرارك بنفسك.

وعندما تعتقد أن الحل سيأتي من الخارج، يصبح إصلاح الداخل أمرًا قابلًا للتأجيل.

وهكذا، يتحول الانتظار إلى سياسة، والسياسة إلى عادة، والعادة إلى ثقافة وطنية.

إن الفرق بين الحليف والوكيل هو الفرق بين الحياة والموت.

الحليف يقف خلف مشروعك.

أما الوكيل، فيقف مكان مشروعك.

الحليف يزيد قوتك.

أما الوكيل، فيستبدلها.

ولهذا فإن أخطر أنواع الاحتلال ليس احتلال الأرض.

بل احتلال طريقة التفكير.

أن تصل إلى مرحلة تقتنع فيها بأن مستقبلك لا يُصنع في وطنك، بل في عاصمة أخرى، وأن مصيرك يتوقف على نتائج انتخابات هنا، أو قمة هناك، أو بيان يصدر في مكان بعيد.

عندها لا يعود الوكيل مجرد طرف خارجي، بل يتحول إلى جزء من بنية العقل السياسي نفسه.

وهنا أطرح سؤالًا قد يكون قاسيًا، لكنه ضروري:

هل أصبحنا نبني استراتيجياتنا على ما نريد نحن، أم على ما نتوقع أن يفعله الآخرون؟

إذا كانت الإجابة الثانية هي الصحيحة، فهذه ليست أزمة دبلوماسية...

إنها أزمة فكر.

أنا لا أدعو إلى إدارة الظهر للعالم، ولا إلى رفض التحالفات، فكل حركة تحرر تحتاج إلى أصدقاء.

لكن الأصدقاء لا يصنعون مشروعًا وطنيًا.

بل يدعمون مشروعًا موجودًا أصلًا.

أما المشروع الذي يعيش على انتظار الآخرين، فإنه يظل مؤجلًا حتى لو تغيّر العالم كله.

ولذلك، فإنني أعتقد أن أخطر معركة تنتظر الفلسطينيين ليست معركة عسكرية، ولا سياسية، بل معركة فكرية لتحرير العقل الوطني من "نظرية الوكيل".

يوم ندرك أن الخارج يمكن أن يدعمنا، لكنه لا يستطيع أن يبنينا...

ويوم ندرك أن التحالفات تصنع الفرص، لكنها لا تصنع الإرادة...

ويوم ندرك أن العالم يحترم من يمتلك مشروعًا، لا من يبحث عن راعٍ لمشروعه...

عندها فقط نكون قد بدأنا السير في الاتجاه الصحيح.

فالأوطان لا تضيع لأنها بلا أصدقاء، بل لأنها تنسى أن أعظم حليف لها هو مشروعها الوطني. ومن يبحث عن وكيل، قد يجد داعمًا أو وسيطًا أو ممولًا... لكنه لن يجد وطنًا يبنيه له أحد.

📂 الأقسام

الرئيسية اقتصاد تقارير وتحليلات تكنولوجيا ثقافة حول خبر عاجل رياضة سياسة صحة صور وفيديو عربي ودولي فنون مقالات وآراء منوعات