صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
انتخابات “الكورولتاي” في كازاخستان: إصلاح مؤسسي بعبق تاريخي ورؤية لمستقبل أفضل

انتخابات “الكورولتاي” في كازاخستان: إصلاح مؤسسي بعبق تاريخي ورؤية لمستقبل أفضل

بقلم: عبد القادر خليل – رئيس تحرير شبكة طريق الحرير الإخبارية، رئيس الفرع الجزائري للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحُلَفاء الصين، عضو الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل.




تستعد جمهورية كازاخستان في الثالث والعشرين من أغسطس 2026 لخوض محطة سياسية وتاريخية فارقة في مسارها الوطني؛ تمثلت في إجراء أول انتخابات تشريعية لأعضاء “الكورولتاي” عقب دخول الدستور الجديد حيز التنفيذ. هذه الانتخابات لا تُعد مجرد استحقاق انتخابي روتيني لتوزيع المقاعد البرلمانية، بل تشكل إعلاناً عملياً عن ولادة نموذج جديد في الإدارة العامة والانتقال المؤسسي في قلب آسيا الوسطى.



تكمن قوة هذا التحول في الجمع الذكي بين الأصالة والعصرنة؛ فاسم “الكورولتاي” يحمل في الذاكرة الجمعية لكازاخستان والعالم الشرقي دلالات حضارية عميقة، حيث كانت هذه المجالس تاريخياً التجسيد الأسمى لمفهوم الشورى والحلول الجماعية، التي تُناقَش فيها القرارات المصيرية وتُقر القوانين وتُصان بها وحدة الأمة.



وفي السياق السياسي الحديث الذي أرساه الرئيس قاسم جومارت توكاييف، يتجاوز هذا الاستحضار البعد الرمزي ليتحول إلى إصلاح هيكلي مرن . إن الانتقال من البرلمان ثنائي الغرف (مجلس النواب ومجلس الشيوخ) إلى هيئة تشريعية موحدة (أحادية الغرفة) تضم 145 عضواً تُنتخب بنظام التمثيل النسبي الحزبي، يهدف أساساً إلى كسر البيروقراطية التشريعية، وسرعة الاستجابة لمطالبات الشعب الاقتصادية والاجتماعية، وسلاسة التشريع والتنفيذ على مستوى البرامج والرؤى المستقبلية.







نموذج للتحول المؤسسي محط اهتمام “الجنوب العالمي”



من المؤكد أن تكون الانتخابات التشريعية لـ “الكورولتاي” في كازاخستان محل أنظار واسعة، وأن يحظى هذا التحول المؤسسي باهتمام كبير على مستوى العالم وفي المنطقة العربية والجزائر على وجه الخصوص؛ حيث تتقاطع الكثير من التطلعات بين دول الجنوب العالمي في البحث عن معادلة متوازنة تجمع بين الاستقرار السياسي، والتحديث المؤسسي والديمقراطي، وإشراك المواطن عبر التعددية الحزبية.



وفي هذا السياق، نتطلع إلى تأسيس “لجنة الصداقة والتعاون البرلمانية” بين الكورولتاي والبرلمان الجزائري والبرلمانات العربية، لتكون ركيزة لتعاون مثمر يتجسد في تبادل الخبرات والزيارات الرسمية، واقتراح مشاريع تشريعية وتنموية ذات منفعة مشتركة للطرفين.



إن اعتماد نظام القوائم الحزبية بمشاركة كافة الأحزاب المسجلة رسمياً (عبر أطياف سياسية واجتماعية وبيئية متنوعة) يقدم درساً عملياً في كيفية بناء ثقافة سياسية ناضجة، تحول عملية التصويت من مجرد إجراء شكلي إلى أداة فاعلة للمشاركة الشعبية والرقابة على السلطة التنفيذية.







نحو الاقتصاد الأخضر والذكاء الاصطناعي والأمن الغذائي



لن يقتصر دور “الكورولتاي” الجديد على سن القوانين التقليدية، بل يمتد ليمثل مظلة تشريعية لطموحات كازاخستان في قيادة التحول نحو الاقتصاد الأخضر، والهيدروجين النظيف، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وهي ملفات تقع في قلب اهتمامات الشباب العربي والجزائري اليوم، مما يجعل متابعة هذه التجربة الانتخابية نافذة للاطلاع على كيفية صياغة قوانين تدعم اقتصاد المعرفة والاستدامة البيئية.



بالنسبة للمتابع العربي للشأن الكازاخي، فإن ثبات وموثوقية البيئة التشريعية في أستانا ينعكسان بشكل مباشر على مصالح المنطقة؛ إذ تُعد كازاخستان عماد الأمن الغذائي لعدد من الدول العربية والإسلامية باعتبارها من أكبر مصدري الحبوب والقمح عالي الجودة، فضلاً عن استضافتها لمقر “المنظمة الإسلامية للأمن الغذائي”.



كما تشهد العلاقات الكازاخية-الجزائرية والعربية عامة ديناميكية متصاعدة، تجلت في تعزيز التمثيل الدبلوماسي المتبادل والتشاور السياسي المستمر. إن وجود برلمان كازاخي حديث وفعّال يُسهم في إرساء أطر قانونية مشجعة وجاذبة للاستثمارات المشتركة في مجالات الطاقة المتجددة، والتحول الرقمي، واللوجستيات، وهو ما يفتح آفاقاً أرحب للشراكة “جنوب-جنوب”.



خلاصة القول، إن انتخابات “الكورولتاي” تتجاوز حدود الجغرافيا الكازاخية؛ لتكون رسالة مفادها أن التحديث السياسي الناجح هو الذي ينبع من الجذور الحضارية للأمة ويستجيب لمتطلبات العصر، وهي خطوة تُعزز موقع كازاخستان كشريك موثوق ورائد في محيطها الإقليمي والدولي.

📂 الأقسام

الرئيسية اقتصاد تقارير وتحليلات تكنولوجيا ثقافة حول خبر عاجل رياضة سياسة صحة صور وفيديو عربي ودولي فنون مقالات وآراء منوعات