صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
ما بعد الرثاء؛ أسئلة الوطن الصعبة

ما بعد الرثاء؛ أسئلة الوطن الصعبة

بقلم/ نجيب الكمالي

في الأوطان المتعبة لا تمر وفاة القادة كخبر عابر، بل تتحول إلى لحظة تعود فيها الذاكرة الجماعية لفتح ملفاتها القديمة وأسئلتها المؤجلة.

بعد وفاة الرئيس اليمني الأسبق عبدربه منصور هادي، بدا المشهد اليمني وكأنه يقف مرة أخرى أمام مرآة السنوات الثقيلة، بين من يراه مسؤولاً عن الانهيار ومن يراه ضحية لمرحلة كانت أعقد من قدرة أي فرد على احتوائها.

وفي خضم هذا الجدل، استوقفني مقال الأستاذ حمود الصوفي الذي بدا مختلفاً عن كثير من الكتابات التي ظهرت عقب الوفاة، فلم يكن نصاً غاضباً ولا خطاباً متشنجاً، بل محاولة هادئة للاقتراب من الحقيقة بعيداً عن الأحكام الجاهزة.

ما يميز أسلوب حمود الصوفي أنه لا يكتب بعين الخصومة ولا بعاطفة التقديس، بل يحاول النظر إلى الأحداث من زاوية أوسع وأكثر إنصافاً، ولهذا جاء مقاله أقرب إلى قراءة فكرية في أزمة الدولة اليمنية منه إلى مجرد مقال رثائي عابر.

لقد طرح سؤالاً ما يزال اليمنيون يتجنبون مواجهته حتى اليوم: هل كانت أزمة اليمن أزمة رجل واحد؟ أم أزمة منظومة كاملة؟

سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يفتح أبواباً واسعة من المراجعة المؤلمة.

أتذكر نقاشاً قديماً مع صديق مثقف كان يصف الرئيس هادي بأنه الرجل الضعيف الذي قاد البلاد إلى الهاوية، فسألته بهدوء: من الذي جاء به؟ ومن الذي أحاطه بتوازنات مشروطة؟ ومن الذي دعمه ثم تخلى عنه عندما تبدلت المصالح؟ ومن الذي كان يعطل أي محاولة لبناء دولة مستقرة؟

صمت الرجل! وكأن الأسئلة لم تكن تحتاج جواباً بقدر ما تحتاج إلى شجاعة الاعتراف.

وهنا تتجلى المعضلة الحقيقية، فنحن غالباً نميل إلى تبسيط التاريخ حين يعجز وعينا عن تحمل تعقيداته، فنبحث عن شماعة نعلق عليها كل الأخطاء، ثم نغادر المشهد وكأننا خارج الحكاية.

لكن الحقيقة التي أشار إليها مقال الأستاذ حمود الصوفي بهدوئه اللافت، أن الانهيار لم يكن قراراً فردياً، بل مساراً طويلاً من الصمت والتواطؤ والانقسامات والمصالح التي تقدمت على فكرة الدولة.

كانت هناك قوى لا ترى في الوطن مشروعاً بقدر ما تراه مساحة نفوذ، وأخرى تجيد تغيير مواقفها وفق اتجاه الريح، وقوى اختارت الوقوف في المنطقة الرمادية حين كان الوطن يحتاج إلى الوضوح.

وفي مرحلة لاحقة، ومع تعقيد المشهد السياسي وتداخل القوى، قام الرئيس عبدربه منصور هادي بنقل السلطة إلى مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022، كخطوة لإعادة ترتيب المشهد السياسي وتوحيد الجهود في إطار توافق جديد داخل الشرعية، يهدف إلى إدارة الدولة ومواجهة الانقلاب واستعادة مؤسساتها، وهو ما يعكس حجم التشابك الذي وصلت إليه الأزمة اليمنية أكثر مما يعكس رغبة فردية في الاحتفاظ بالسلطة أو التخلي عنها.

نعم، لم تكن التجربة خالية من الأخطاء، ولم يكن الرئيس الراحل بعيداً عن النقد، لكن اختزال كل ما حدث في شخص واحد ليس إنصافاً للتاريخ، بل تبسيطاً مخلاً بحقيقة ما جرى.

فالمشكلة لم تكن في رجل جلس على كرسي الرئاسة، بقدر ما كانت في بنية سياسية اعتادت إدارة الأزمات بدلاً من حلها، وفي نخب أتقنت توزيع الاتهامات أكثر من إتقانها بناء الدولة.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر عمقاً: هل كنا جميعاً نشارك في صناعة التاريخ أم كنا مجرد معلقين عليه؟

أخشى أن الإجابة ما تزال معلقة بين الاثنين.

فمن السهل أن نرثي الرجال أو نحاكمهم، لكن الأصعب أن نعترف بأن الجميع، بدرجات متفاوتة، كان جزءاً من هذا المشهد؛ بالصمت أو بالمشاركة أو بالانسحاب أو بسوء التقدير.

والخلاصة التي يتركها هذا التأمل أن الأوطان لا تسقط بقرار فرد، ولا تنهض ببطولة فرد، بل تتشكل مصائرها عبر تراكم طويل من الأفعال الصغيرة والخيارات المؤجلة والأخطاء التي لا تجد من يراجعها.

وإذا كان من درس يبقى، فهو أن نتوقف عن البحث عن الشماعات، وأن نمتلك شجاعة مراجعة أنفسنا قبل محاكمة الآخرين.

وهكذا يبقى الوطن أكبر من الجميع، وأعمق من أن يُختزل في رواية واحدة، وأصدق من أن يُدار بمنطق الاتهام وحده.

الأقسام

الرئيسية اقتصاد تقارير وتحليلات تكنولوجيا ثقافة حول خبر عاجل رياضة سياسة صحة صور وفيديو عربي ودولي فنون مقالات وآراء منوعات