بقلم/ نجيب الكمالي
في اليمن، لا يحتاج الناس إلى أحداث كبيرة حتى يعود السؤال الصعب من جديد: من يحكم البلد فعلاً، ومن يملك حق الحكم؟
ومع رحيل الرئيس السابق عبدربه منصور هادي، عاد هذا السؤال بقوة، ليس لأنه كان مصدر السلطة الوحيد، بل لأن الواقع في اليمن أصبح معقداً ومفتوحاً على أكثر من جهة وأكثر من تفسير.
منذ عام 2022، يعيش اليمن تحت نظام اسمه المجلس القيادة الرئاسي، وهو لم يأتِ من دستور واضح أو انتخابات، بل جاء من اتفاق سياسي في وقت كانت فيه الدولة تعاني من حرب وانقسام، لذلك أصبحت فكرة الشرعية اليوم مرتبطة بالواقع أكثر من ارتباطها بالنصوص.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: إذا كان هذا المجلس قد استلم صلاحياته من الرئيس السابق، فهل تنتهي هذه الصلاحيات بوفاته؟
من الناحية القانونية البسيطة يمكن القول: نعم، لأن التفويض عادة ينتهي بغياب من أصدره، لكن من ناحية الواقع: لا، لأن المجلس لم يعد يعتمد على شخص واحد، بل أصبح جزءاً من نظام حكم مستمر له دعم داخلي وخارجي، ويستمر لأنه لا يوجد بديل متفق عليه حتى الآن.
لكن الجديد في المشهد أن المجلس نفسه لم يعد مستقراً كما كان، بل أصبح داخله نقاشات وخلافات حول الصلاحيات وتقسيم النفوذ، وكأن السلطة نفسها تعيد ترتيب نفسها من الداخل.
وفي قلب هذا المشهد يتجه الانتباه إلى موقف المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي ينتظر الجميع كيف سيتعامل مع هذه التطورات، وهل سيكتفي بمتابعة الوضع أم سيحاول التأثير فيه وزيادة وزنه داخل المعادلة السياسية؟ فالمجلس اليوم لم يعد مجرد طرف سياسي، بل قوة موجودة على الأرض في الجنوب ولها تأثير في القرار.
وفي المقابل هناك جماعة الحوثيين التي تسيطر على صنعاء وتدير مؤسسات الدولة هناك بشكل كامل تقريباً، وتتعامل مع الواقع باعتبار أنها سلطة قائمة ومستقرة في مناطقها.
وهكذا يمكن تلخيص الوضع في اليمن اليوم بثلاث قوى رئيسية:
سلطة في صنعاء تديرها جماعة الحوثيين.
سلطة انتقالية في الرياض وعدن يمثلها المجلس القيادة الرئاسي.
قوة جنوبية مؤثرة يمثلها المجلس الانتقالي الجنوبي ولها حضور قوي على الأرض.
أما الدولة ككل فهي غير موحدة اليوم، وكل طرف يدير جزءاً من الأرض والسلطة.
أعتقد أن وفاة هادي لا تنهي المجلس، لكنها تكشف حقيقة أهم: أن اليمن لا يُدار اليوم بدولة واحدة واضحة، بل بإدارة أزمة مستمرة، وكل طرف يحكم جزءاً من الواقع.
ويبقى السؤال: هل يمكن أن تعود دولة واحدة في اليمن، أم أن الواقع أصبح مقسوماً إلى أكثر من سلطة؟
اليمن بين موت الرئيس وبقاء السلطة: من يحكم ومن يملك الشرعية؟
2026-05-29
214 مشاهدة
مقالات وآراء