صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
مفهوم الصلابة في حركة فتح: القدرة على البقاء متماسكًا أثناء التغير

مفهوم الصلابة في حركة فتح: القدرة على البقاء متماسكًا أثناء التغير

بقلم: محمد قاروط أبو رحمة – عضو مجلس إدارة أكاديمية فتح الفكرية.

الملخص: يتناول هذا المقال مفهوم "الصلابة" في تجربة حركة "فتح" بوصفه أحد العناصر التفسيرية الأساسية لاستمرار الحركة رغم ما واجهته من انشقاقات وأزمات وتحولات سياسية وتنظيمية كبرى. وينطلق من فكرة أن الصلابة الحقيقية لا تعني الجمود أو مقاومة التغيير، بل القدرة على الحفاظ على الرؤية والاتجاه والهدف الوطني أثناء التغيرات العميقة. كما يطرح مفهوم "الصلابة المرنة" باعتباره قدرة الحركة على استيعاب الأزمات وإعادة بناء ذاتها دون فقدان هويتها أو دورها داخل المشروع الوطني الفلسطيني.
ويستعرض المقال محطات الانشقاق والتحولات التي عاشتها الحركة، بوصفها اختبارات تاريخية لقدرتها على التماسك وإعادة التكوين، ويربط بين مفهوم الصلابة ومفهوم "الصمود النشط" باعتباره انتقالًا من مجرد البقاء إلى الاستمرار في الفعل والتأثير. ويخلص إلى أن مستقبل حركة "فتح" يرتبط بقدرتها على تحقيق التوازن بين الثبات على الهوية الوطنية والتجدد في البنية والسياسات وأدوات العمل، بما يسمح لها بالبقاء كحركة تاريخية حية قادرة على التكيف وصناعة المستقبل.
المقدمة
ليست الصلابة في الحركات الوطنية أن تبقى ثابتة بلا تغيير، ولا أن تتحول إلى بنية مغلقة تخاف الحركة والتحول، بل أن تمتلك القدرة على الحفاظ على تماسكها وهويتها ودورها التاريخي وهي تعبر التحولات الكبرى والأزمات العميقة. فالجمود ليس صلابة، والانغلاق ليس قوة، كما أن التغيير غير المنضبط قد يتحول إلى تفكك يفقد الحركة معناها ووظيفتها.
ومن هنا، يمكن فهم إحدى الخصوصيات التاريخية لحركة "فتح"؛ فهي لم تستمر لعقود طويلة لأنها لم تتغير، بل لأنها امتلكت قدرًا من "الصلابة والمرنة" التي سمحت لها بالبقاء داخل الحركة التاريخية الفلسطينية رغم تبدل الظروف، وتغير البيئات السياسية، وتعاقب الهزائم والانتفاضات، والانقسامات، والتحولات الإقليمية، والدولية.

فالصلابة الحقيقية لا تعني غياب الأزمات، بل القدرة على عبورها دون الانهيار الكامل. ولهذا، فإن بقاء "فتح" حتى اليوم، رغم كل ما تعرضت له من نقد وضغوط وانقسامات وتحولات، لا يمكن تفسيره فقط بالبنية التنظيمية أو التاريخ الرمزي، بل بوجود عناصر عميقة داخل الحركة جعلتها قادرة على إعادة إنتاج نفسها، ولو بدرجات متفاوتة، داخل كل مرحلة جديدة.
ولعلّ واحدة من أهم الدلالات العملية على مفهوم "الصلابة المرنة" في تجربة حركة "فتح"، أنها لم تكن حركة خالية من الأزمات أو الانشقاقات أو التحولات العنيفة، بل عاشت عبر تاريخها محطات انقسام كبرى كادت في بعض اللحظات أن تهدد تماسكها ووجودها التنظيمي والسياسي.

فقد شهدت الحركة انشقاقات حادة، كنت شاهدًا على بعض مراحلها ومقاومًا لآثارها، بدءًا من انشقاق عام 1983 الذي أعقب معركة بيروت، وما عُرف لاحقًا باسم "فتح الانتفاضة"، ثم الحركة التصحيحية عام 1986 بقيادة عطا الله أبو الزعيم في الأردن، وصولًا إلى انشقاقات واستقالات ومغادرات متعددة في مراحل لاحقة، من بينها مجموعة محمد دحلان وغيرها من الأزمات التنظيمية والسياسية المتراكمة.

ومع ذلك، فإن الحركة، رغم كل هذه الهزات، استطاعت أن تعبر أزمات سياسية وتنظيمية كبرى دون أن تفقد مركزها داخل المشروع الوطني الفلسطيني. ولم يكن ذلك بسبب غياب الخلافات، ولا بسبب القوة التنظيمية الصلبة فقط، بل بسبب وجود "صلابة استراتيجية" قائمة على وضوح الرؤية والاتجاه والهدف.
فكل تلك التحولات، رغم قسوتها، بقيت تدور داخل حقيقة مركزية واحدة: أن الحركة وُجدت من أجل فلسطين، لا من أجل ذاتها.
ولهذا، كان يتشكل بعد كل انشقاق، أو انقسام، أو حالة غضب تنظيمي أدت إلى استقالات أو مغادرات، جهد داخلي واسع تقوده كوادر الحركة وقياداتها وقواعدها لإعادة احتواء الأزمة، والعمل على إعادة الجميع إلى صفوف الحركة، انطلاقًا من أولوية فلسطين على الخلافات الشخصية والتنظيمية، وعلى قاعدة أن بقاء الحركة موحدة أكثر أهمية من انتصار الأفراد داخلها.

وقد شكّل هذا السلوك، عبر عقود طويلة، أحد تعبيرات "الصلابة المرنة" داخل التجربة الفتحاوية؛ أي القدرة على استيعاب الصدمات، ومنع التناقضات من التحول إلى قطيعة نهائية، وإعادة ترميم الجسد التنظيمي كلما تعرض للاهتزاز.

مع التأكيد على أن هذا المنطق الوطني والأخلاقي لا يمكن أن يشمل من تلطخت أيديهم بدماء الناس، أو من بقيت بحقهم ملفات مفتوحة أمام القضاء، لأن الحفاظ على وحدة الحركة لا يعني تجاوز العدالة أو التفريط بحقوق الناس أو المساس بالقيم الوطنية والأخلاقية التي قامت عليها الحركة نفسها.

ومن هنا تحديدًا، يمكن فهم مفهوم "الصلابة المرنة" داخل التجربة الفتحاوية؛ إذ إن الصلابة الحقيقية لم تكن في تجميد الحركة أو منع التغيير، بل في قدرتها على استيعاب الأزمات والانشقاقات وإعادة بناء وضعها الداخلي بما يسمح لها بالاستمرار نحو أهدافها الوطنية بثبات.

فالصلابة القاسية يجب أن تبقى في: الرؤية، والاتجاه، والهدف الوطني.
أما المرونة، فيجب أن تكون في: السياسات، وأدوات العمل، والبناء التنظيمي، وآليات الإدارة، وطرق التكيف مع التحولات المحلية والإقليمية والدولية.
فالحركات التي تُغيّر أهدافها مع كل أزمة تفقد معناها، والحركات التي ترفض تطوير أدواتها وبنيتها الداخلية تتحول إلى كيانات جامدة غير قادرة على البقاء.
أما الحركات التاريخية الحية، فهي التي تمتلك القدرة على الجمع بين: ثبات البوصلة، ومرونة الحركة.
لقد مرت الحركة بتحولات هائلة: من الثورة إلى السلطة، ومن العمل الفدائي إلى الاشتباك السياسي، ومن المنفى إلى الداخل، ومن التنظيم العقائدي الصلب إلى البنية الوطنية الواسعة متعددة الاتجاهات.
وفي كل هذه التحولات، لم يكن التحدي الحقيقي هو التغيير نفسه، بل القدرة على الحفاظ على "الخيط الناظم" الذي يمنع التحول من أن يتحول إلى فقدان للهوية أو انهيار للمشروع الوطني.
فالكيانات الضعيفة قد تنهار عند أول تحول كبير، والكيانات الجامدة قد تتكسر لأنها ترفض التكيف، أما الكيانات التاريخية الحية فهي التي تمتلك قدرة مزدوجة: الاحتفاظ بجوهرها، والتحرك داخل الواقع في الوقت نفسه.
ومن هنا، فإن أزمة "فتح" في كثير من مراحلها لم تكن ناتجة فقط عن وجود التغيير، بل عن اختلال التوازن بين: الحفاظ على الثوابت، والقدرة على التجدد.
فحين يضعف التجدد تتحول الصلابة إلى جمود، وحين يضعف الثبات تتحول الحركة إلى حالة سيولة تفقد معناها التاريخي.
ولهذا، فإن أي مشروع إصلاحي داخل الحركة لا ينبغي أن يُبنى على فكرة "هدم القديم" أو "إلغاء التاريخ" أو الاستقالة من التنظيم، بل على إعادة بناء العلاقة بين: الهوية والتجديد، المؤسسية والحيوية، التاريخ والمستقبل، والتنظيم والمجتمع.
فالصلابة في الحركات التحررية لا تُقاس فقط بقدرتها على المقاومة العسكرية أو السياسية، بل أيضًا بقدرتها على حماية تماسكها الداخلي أثناء العواصف الكبرى، وعلى منع التناقضات من التحول إلى انقسامات قاتلة.

وفي التجربة الفلسطينية، تزداد هذه المسألة تعقيدًا؛ لأن "فتح" لا تعمل داخل دولة مستقرة، بل داخل واقع استعماري مفتوح، يتداخل فيه: الاحتلال، والانقسام، والضغط الدولي، والتحولات الاجتماعية، والأزمات الاقتصادية، ومحاولات تفكيك الهوية الوطنية نفسها.
وهذا يعني أن الحفاظ على التماسك ليس مسألة تنظيمية فقط، بل فعل صمود وطني مستمر.
ومن هنا يرتبط مفهوم "الصلابة" بمفهوم "الصمود النشط". فالصلابة ليست مجرد قدرة على البقاء، بل قدرة على الاستمرار في الفعل والتأثير وإعادة التموضع دون فقدان الاتجاه الوطني العام.

إن الحركة التي تفقد قدرتها على الفعل تتحول إلى ذاكرة، والحركة التي تفقد قدرتها على التماسك تتحول إلى شظايا، أما الحركة التي تجمع بين التماسك والحركة الواعية، فهي القادرة على البقاء داخل التاريخ لا خارجه.
الخاتمة
إن الصلابة الحقيقية ليست مقاومة التغيير، بل القدرة على البقاء متماسكًا أثناء التغير. ولهذا، فإن مستقبل حركة "فتح" لن يتحدد فقط بنتائج المؤتمرات أو التوازنات التنظيمية، بل بقدرتها على بناء نموذج جديد من الصلابة: صلابة لا تخاف النقد، ولا تعادي التجديد، ولا تنفصل عن المجتمع، ولا تفقد البوصلة الوطنية.
فالحركات الكبرى لا تُقاس بعدد الأزمات التي مرت بها، بل بقدرتها على تحويل الأزمات إلى لحظات مراجعة وإعادة بناء. وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام حركة "فتح":
كيف تبقى وفية لهويتها التاريخية، دون أن تتحول هذه الهوية إلى عبء يمنعها من التجدد، وكيف تتغير دون أن تفقد المعنى الذي وُجدت من أجله.
الخلاصة
إن تجربة حركة "فتح" تكشف أن البقاء التاريخي للحركات الوطنية لا يتحقق بالجمود، ولا بالسيولة الكاملة، بل بالقدرة على الجمع بين ثبات الهدف ومرونة الوسائل. فالرؤية الوطنية الواضحة، والقدرة على استيعاب الأزمات، وإعادة بناء التماسك الداخلي، تشكل جميعها عناصر أساسية في مفهوم "الصلابة المرنة" الذي مكّن الحركة من الاستمرار رغم كل التحولات والانقسامات. ومن هنا، فإن مستقبل الحركة سيبقى مرتبطًا بقدرتها على تجديد ذاتها دون فقدان هويتها، وعلى تحويل النقد إلى مراجعة، والمراجعة إلى فعل، والتاريخ إلى طاقة تدفعها نحو المستقبل لا عبئًا يعطل حركتها.

الأقسام

الرئيسية اقتصاد تقارير وتحليلات تكنولوجيا ثقافة حول خبر عاجل رياضة سياسة صحة صور وفيديو عربي ودولي فنون مقالات وآراء منوعات