بقلم/ محمد قاروط أبو رحمة – عضو مجلس إدارة اكاديمية فتح الفكرية.
يطرح مقال محمد مشارقة قراءة شديدة القسوة للمؤتمر الثامن لـ حركة فتح، تكاد تنتهي إلى استنتاج مسبق مفاده أن الحركة لم تعد قادرة على إنتاج ذاتها أو الحفاظ على دورها التاريخي. ورغم أن المقال يتضمن ملاحظات نقدية تستحق النقاش، خصوصًا فيما يتعلق بالأزمة الاقتصادية، وتراجع الثقة الشعبية، وغياب المراجعة السياسية العميقة، إلا أنه يقع، مرة أخرى، في النزعة التي تختزل تعقيد الحالة الفلسطينية في صورة "حركة انتهت" أو مشروع ينهار ببطء".
وهنا تبدأ المشكلة المنهجية.
أولًا: هل نحن أمام نهاية حركة… أم أمام أزمة مرحلة فلسطينية كاملة؟
يبدو المقال وكأنه يتعامل مع أزمة حركة فتح باعتبارها أزمة داخلية تخص الحركة وحدها، بينما الحقيقة أن ما يعيشه الفلسطينيون اليوم هو أزمة تاريخية شاملة:
احتلال استيطاني إحلالي متوحش،
انهيار النظام العربي،
تحولات دولية عميقة،
انقسام داخلي،
حرب إبادة في غزة،
وسلطة تعمل تحت الاحتلال بلا سيادة حقيقية.
ولهذا، فإن تصوير فتح وكأنها وحدها مسؤولة عن كل هذا الانسداد التاريخي يتجاهل طبيعة البيئة التي تتحرك داخلها الحركة والقضية معًا.
فنحن لسنا أمام دولة مستقلة فشلت إدارتها فقط، ولا أمام حركة تحرر أنجزت أهدافها ثم فقدت مبرر وجودها، بل أمام مشروع وطني ما يزال يقاتل داخل واحدة من أعقد حالات الصراع في التاريخ الحديث.
ثانيًا: استباق النتائج بوصفها "نهاية" ليس تحليلًا، بل حكم مسبق
المقال لا يقرأ المؤتمر بوصفه محطة سياسية وتنظيمية قابلة للنقد والتطوير، بل يكاد يقدمه كدليل نهائي على "نهاية الحركة".
لكن السؤال هنا: إذا كانت فتح قد انتهت فعلًا، فلماذا ما يزال مؤتمرها يشغل هذا الحجم من النقاش والاشتباك والتحليل داخل المجتمع الفلسطيني؟
الحركات التي تنتهي فعليًا لا تُنتج هذا القدر من الجدل، ولا تستدعي كل هذا الاهتمام السياسي والإعلامي والفكري.
بل إن كثافة النقد نفسه تؤكد أن حركة فتح ما تزال تُعامل باعتبارها مركزًا في سؤال المشروع الوطني الفلسطيني، لا هامشًا خارجه.
ثالثًا: المقاعد ليست فراغًا سياسيًا
يحاول المقال تصوير نتائج المؤتمر وكأنها مجرد إعادة توزيع نفوذ داخل "هرم تنظيمي مغلق".
لكن السياسة لا تُدار في الهواء.
فالمقاعد التنظيمية ليست مجرد امتيازات شخصية، بل مواقع تُصاغ من خلالها:
السياسات،
والتحالفات،
وأولويات الحركة،
وشكل العلاقة مع المجتمع،
وطبيعة إدارة الصراع مع الاحتلال.
صحيح أن أي مؤتمر سياسي قد يشهد تنافسات وشبكات نفوذ، وهذه ظاهرة موجودة في كل الحركات والأحزاب حول العالم، لكن اختزال كل العملية السياسية والتنظيمية في "صراع مواقع" فقط، يلغي البعد السياسي الحقيقي للنقاشات الجارية داخل الحركة.
رابعًا: الشعبوية أم إعادة الاعتبار للميدان؟
يتعامل المقال بتعالٍ واضح مع صعود شخصيات مرتبطة بالميدان والأسرى والمقاومة الشعبية، وكأن الخلفية النضالية باتت عبئًا على القيادة السياسية.
وهنا تظهر مفارقة خطيرة.
فحين يُقال إن بعض الأسماء "لا تناسب نموذج القيادة"، لأنهم أبناء تجربة اشتباك ميداني أو أسر أو مقاومة، فإن السؤال يصبح: ما النموذج المطلوب إذًا؟ قيادة معزولة عن الناس؟ أم قيادة تجمع بين التجربة الوطنية والخبرة السياسية؟
ثم إن جزءًا من أزمة الحركة في السنوات الماضية كان اتهامها بالابتعاد عن الميدان، فكيف يصبح عودة حضور الميدان داخل البنية القيادية "شعبوية؟
السياسة ليست فقط دبلوماسية وخطابات دولية، بل أيضًا شرعية نضالية وشعبية، خصوصًا في حالة تحرر وطني ما تزال تعيش تحت الاحتلال.
خامسًا: الخارج الفلسطيني لم يغب… بل القضية كلها تعيش أزمة تمثيل
صحيح أن تمثيل الشتات الفلسطيني يحتاج إلى مراجعة جدية، وهذه قضية تستحق النقاش، لكن تحميل المؤتمر وحده مسؤولية "القطيعة مع الخارج" يتجاهل أن الحركة الوطنية الفلسطينية كلها، وليس فتح فقط، تعيش أزمة بنيوية مرتبطة:
بتفكك الجغرافيا الفلسطينية،
والانقسام،
وتراجع دور المؤسسات الجامعة،
والتحولات الإقليمية والدولية.
وهذا لا يُحل بإعلان نهاية فتح، بل بإعادة بناء أدوات التمثيل الوطني الفلسطيني كلها، وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية.
سادسًا: النقد الحقيقي لا يكون من خارج الممكن
المقال يرفع سقف النقد إلى الحد الأقصى، لكنه لا يجيب عن السؤال الأصعب: ما البديل العملي القابل للحياة داخل الواقع الفلسطيني الحالي؟
هل المطلوب إسقاط الحركة؟ تفكيك السلطة؟ إعلان القطيعة مع مرحلة كاملة؟ وبأي أدوات؟ وفي ظل أي موازين قوى؟ ومن سيتحمل كلفة الانهيار الكامل؟
فالسياسة الفلسطينية ليست تمرينًا فكريًا مجردًا، بل إدارة يومية لصراع مفتوح مع:
الاحتلال،
والاستيطان،
والانقسام،
والحصار،
والضغط الدولي،
ومحاولات تفكيك المجتمع الفلسطيني نفسه.
ولهذا، فإن الفرق كبير بين:
من يكتب من داخل الاشتباك مع الواقع، وبين:
من يصف الانهيار من الخارج دون تقديم مسار عملي لتحويل النقد إلى فعل.
أخيرًا: فتح ليست خارج التاريخ… لكنها ليست خارجه أيضًا
لا أحد يستطيع إنكار حجم الأزمة التي تعيشها حركة فتح، ولا حجم الغضب الشعبي والضغط الوطني الهائل.
لكن الخطأ يكمن في الانتقال من نقد الأزمة إلى إعلان الوفاة السياسية للحركة.
ففتح ليست مجرد تنظيم إداري، بل تجربة تاريخية قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، وما تزال، رغم كل أزماتها، تتحمل جزءًا أساسيًا من عبء الصراع السياسي والتنظيمي الوطني.
ولهذا، فإن المطلوب ليس كتابة شهادة وفاة الحركة، بل خوض معركة إصلاحها وتطويرها وربطها أكثر بالمجتمع وأولويات الناس، لا دفعها نحو الانهيار الكامل في لحظة هي الأخطر على القضية الفلسطينية منذ عقود.
فالسؤال الحقيقي ليس:
هل انتهت فتح؟
بل:
كيف نحمي المجتمع الفلسطيني والمشروع الوطني في زمن الانهيار الشامل، دون تدمير آخر الأطر الوطنية الجامعة المتبقية؟
ملاحظة ختامية:
من المفارقات أن بعض النصوص التي تتحدث بثقة عن "قطيعة فتح مع الخارج" أو "انغلاق الحركة داخل جغرافيا السلطة"، تبدو أحيانًا وكأنها لم تتابع أصلًا كيف انعقد المؤتمر الثامن نفسه.
فالمؤتمر لم يُعقد في رام الله فقط، بل جرى تنظيم أعماله وفعالياته في أربع ساحات فلسطينية وعربية متزامنة: رام الله، غزة، بيروت، والقاهرة، بما يعكس استمرار حضور البعد الوطني الفلسطيني العابر للجغرافيا، رغم كل التعقيدات والانقسامات والظروف الاستثنائية.
وأحيانًا، قبل إعلان "النهايات التاريخية"، يكون من المفيد أولًا متابعة الوقائع كما حدثت فعلًا، لا كما يتخيلها بعض المنظّرين من بعيد.
نشر الكاتب د. محمد مشارقة مقال بعنوان "المؤتمر الثامن لحركة فتح: نهاية مرحلة أم نهاية حركة؟" في النصف الأول من مايو 2026، متزامنًا مع أعمال المؤتمر الحركي العام الثامن، للاطلاع على مقاله فهو منشورعلى موقع أمد للإعلام و صحيفة القدس.
بين نقد الأزمة وإعلان النهاية ردًا على مقال د. محمد مشارقة: "المؤتمر الثامن لحركة فتح: نهاية مرحلة أم نهاية حركة؟"
2026-05-20
125 مشاهدة
مقالات وآراء