صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
حين يصبح الألم مشروعَ سؤال: قراءة في مقال غانية ملحيس عن الفلسطينيين وما بعد الزمن القديم

حين يصبح الألم مشروعَ سؤال: قراءة في مقال غانية ملحيس عن الفلسطينيين وما بعد الزمن القديم

بقلم: المهندس غسان جابر

ليست قوة ما كتبته غانية ملحيس في أنها قدمت موقفًا سياسيًا جديدًا، بل في أنها اقتربت من منطقة نادرة في الكتابة الفلسطينية المعاصرة: منطقة الاعتراف بأن الأزمة الفلسطينية لم تعد أزمة احتلال فقط، بل أزمة مرحلة كاملة انتهت صلاحيتها التاريخية بينما ما زلنا نعيش داخل لغتها وأدواتها.

النص لا يهاجم أحدًا بشكل مباشر، لكنه يفعل ما هو أخطر: يهزّ الأرض التي يقف عليها الجميع.

غانية لا تكتب عن “أزمة سلطة” أو “فشل فصائل” بالمعنى التقليدي، بل تتحدث عن اهتراء البنية الذهنية والسياسية التي حكمت الفلسطيني منذ عقود. ولهذا بدا المقال وكأنه إعلان غير رسمي عن نهاية زمن، لا مجرد نقد لواقع.

الأهم أن المقال لا يسقط في الابتزاز العاطفي المعتاد.
فهو لا يتعامل مع غزة باعتبارها مجرد مأساة إنسانية، بل باعتبارها لحظة كشف تاريخي.
كشف لإسرائيل، نعم، لكن أيضًا كشف للفلسطيني نفسه.

وهنا تكمن خطورة النص.

ففي العادة، يميل الخطاب الفلسطيني إلى تحميل الخارج كل أسباب الانهيار، بينما تحاول غانية الاقتراب من السؤال الذي يخشاه الجميع:
ماذا لو كانت أدواتنا نحن أيضًا قد شاخت؟
ماذا لو أن جزءًا من المأزق لا يتعلق فقط بوحشية المشروع الصهيوني، بل بعجز البنية الفلسطينية عن إنتاج مستقبل مختلف؟

هذه ليست أسئلة مريحة، ولذلك تبدو الكتابة صادمة.

النص يضع الفلسطيني أمام مرآة قاسية:
حركة وطنية تحولت تدريجيًا من مشروع تحرير إلى بنية لإدارة الخسارة،
وسلطة تحاول البقاء أكثر مما تحاول التغيير،
وفصائل ما تزال تتحدث بلغة القرن العشرين في عالم تغير بالكامل.

لكن ذكاء المقال يظهر في أنه لا يسقط في العدمية.
فهو لا يعلن موت القضية، بل موت شكلٍ معين من إدارتها.

وهنا تحديدًا تبدأ الإثارة الفكرية في النص.

غانية تلتقط التحول الأهم في العالم المعاصر: انتقال القوة من المؤسسات المغلقة إلى الفضاءات المفتوحة.
ولهذا ترى أن فلسطين عادت إلى العالم لا عبر السفارات والمؤسسات الرسمية، بل عبر الصورة، والجامعة، والهاتف، والاحتجاج، والرواية الرقمية.

وهذا توصيف شديد الذكاء.

لأن ما جرى بعد “طوفان الأقصى” كشف أن الفلسطيني الذي فشل سياسيًا في إنتاج قيادة موحدة، نجح إنسانيًا وأخلاقيًا في إعادة احتلال الوعي العالمي.
ففي الوقت الذي بدت فيه المؤسسات الفلسطينية مرتبكة وعاجزة، كانت الجامعات الغربية تمتلئ بالهتافات لفلسطين، وكانت الرواية الصهيونية تتآكل للمرة الأولى بهذا العمق داخل الغرب نفسه.

لكن المقال لا يقع في وهم الانتصار السهل أيضًا.

وهذه نقطة مهمة جدًا.

فغانية تدرك أن التعاطف العالمي ليس مشروعًا سياسيًا بحد ذاته، وأن الغضب الأخلاقي وحده لا يصنع تحررًا.
ولهذا يعود النص إلى السؤال الأكثر رعبًا:
من يملك حق تعريف فلسطين القادمة؟

هنا يتحول المقال من توصيف مرحلة إلى معركة على المستقبل نفسه.

هل ستبقى فلسطين أسيرة النخب القديمة؟
أم أن جيلًا جديدًا سيخرج من الجامعات والفضاء الرقمي والمجتمع المدني والشتات ليعيد تعريف معنى السياسة والتحرر والتمثيل؟

المقال لا يجيب بشكل حاسم، لكنه يفتح الباب على احتمالات هائلة.

وربما أجمل ما فيه أنه يرفض الثنائية التقليدية:
إما مقاومة أو دولة،
إما سلطة أو فوضى،
إما ماضٍ أو خيانة.

بل يحاول اقتراح شيء أكثر تعقيدًا:
مشروع تحرري إنساني جديد، لا يرى السيادة مجرد حدود وجيش وعلم، بل قدرة مجتمع كامل على إعادة بناء نفسه اقتصاديًا وثقافيًا وأخلاقيًا.

هذه الفكرة بالذات هي أخطر ما في النص.

لأنها تنقل السؤال الفلسطيني من:
“كيف ننتصر على الاحتلال؟”
إلى:
“كيف ننتصر على قابلية التآكل داخلنا أيضًا؟”

وهنا يصبح المقال أقرب إلى محاولة لإعادة تعريف معنى الوطنية الفلسطينية نفسها.

ورغم قوة النص، يمكن ملاحظة أنه يتحرك أحيانًا داخل مساحة فلسفية عالية قد تبدو بعيدة عن الفلسطيني المنهك يوميًا تحت القصف والفقر والبطالة والانقسام.
فالانتقال من تشخيص الأزمة إلى بناء أدوات عملية ما يزال الحلقة الأضعف في الخطاب الفلسطيني الجديد عمومًا، وليس عند غانية وحدها.

لكن ربما هذه ليست مهمة المقال أصلًا.

ربما أرادت غانية فقط أن تقول إن الفلسطينيين يقفون الآن أمام لحظة شبيهة بما يحدث قبل ولادة الأزمنة الجديدة:
القديم يحتضر،
والجديد لم يولد بعد،
والجميع يشعر بالخوف لأن الخرائط القديمة لم تعد تعمل.

ولهذا فإن النص ليس مقالًا سياسيًا تقليديًا، بل أقرب إلى إنذار فكري مبكر.

إنه محاولة لفهم ما إذا كان الفلسطيني يعيش نهاية مشروع… أم بداية تحوله الكبير.

وفي الحالتين، يبدو أن السؤال الذي طرحته غانية سيبقى يلاحق الجميع:

هل يملك الفلسطينيون الشجاعة للعبور إلى ما بعد المرحلة…
أم سيبقون أسرى أمجاد زمن لم يعد موجودًا؟

الأقسام

الرئيسية اقتصاد تقارير وتحليلات تكنولوجيا ثقافة حول خبر عاجل رياضة سياسة صحة صور وفيديو عربي ودولي فنون مقالات وآراء منوعات