بقلم: نجيب الكمالي
منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، عاشت فلسطين والعالم العربي سلسلة عميقة من التحولات الفكرية والسياسية والثقافية التي أعادت تشكيل وعي الأجيال، وصاغت ملامح المرحلة بأكملها. فقد تزامن صعود حركات التحرر الوطني مع تنامي المد القومي العربي، وبروز مشاريع الوحدة والاستقلال في مواجهة الاستعمار والاحتلال، كما شهدت تلك المرحلة صعود التيارات القومية واليسارية التي ربطت بين قضية فلسطين وأحلام العدالة الاجتماعية والتحرر العربي الشامل، لتصبح فلسطين ليست مجرد قضية وطنية، بل رمزًا لمعركة أمة كاملة تبحث عن الكرامة والسيادة والمستقبل.
وفي السياق ذاته، عاش اليمن والعالم العربي تحولات عاصفة صنعت وعي جيل كامل، ورافقت ميلاد الجمهورية اليمنية وصعود المشروع القومي العربي ثم انكساراته الكبرى، بدءًا من أجواء ثورة السادس والعشرين من سبتمبر وصدامات القوى السياسية في الستينيات، مرورًا بهزيمة يونيو 1967، وصولًا إلى التحولات القاسية التي عاشها اليمن منذ الوحدة وحرب 1994 وحتى سنوات الحرب الراهنة التي جعلت الوطن ساحة مفتوحة للأزمات والانقسامات والأوبئة والحصار والمجاعة.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، وأثناء الاطلاع على مقال الزميل والباش مهندس غسان جابر بعنوان: من فلسطين إلى اليمن.. جيل يبحث عن وطن يشبه الحياة، استطاع الرفيق غسان جابر، بدهاء الكاتب العميق، أن يقرأ ما يجري في اليمن بعين فلسطينية، وكأنه يعيش تفاصيله اليومية بين الناس، لا من خلف شاشة أو عبر نشرات الأخبار، بل كمن يلامس وجع الإنسان مباشرة. فقد نجح في التقاط جوهر الأزمة اليمنية بوصفها أزمة إنسان منهك قبل أن تكون مجرد صراع سياسي أو عسكري، كما لامس بدقة حالة جيل كامل عاش أحلام التحرر والوحدة والعدالة، ثم وجد نفسه محاصرًا بالحروب والانهيارات، حتى تحول حلمه من بناء المستقبل إلى البحث عن الحد الأدنى من الأمان والاستقرار.
وبذكاء لافت، نقل غسان جابر النقاش من لغة السياسة الجامدة إلى لغة الحياة اليومية، فلم يتوقف عند حدود الحديث عن السلطة والصراع، بل ذهب نحو الإنسان البسيط الذي يبحث عن الكهرباء والعمل وحقه في أن يحلم بحياة طبيعية. وهنا ظهر دهاء الكاتب الحقيقي حين جعل القارئ يرى أن أخطر ما فعلته الحروب ليس فقط تدمير المدن، بل إنهاك وعي الناس وتحويل الطوارئ إلى شكل دائم للحياة.
وفي مقاله، لم يتحدث عن الوطن بوصفه شعارًا مجردًا أو خطابًا عاطفيًا، بل باعتباره سؤالًا يوميًا عن معنى الحياة نفسها: هل يستطيع الإنسان أن يعيش بكرامة؟ وهل يجد الأمان والعمل والقدرة على الحلم؟ وهنا تكمن قوة النص، لأنه نقل القضية من السياسة المجردة إلى الإنسان الحقيقي الذي يعيش تحت ضغط النجاة اليومية.
لقد استطاع غسان جابر أن يلتقط المفارقة المؤلمة في اليمن وفلسطين معًا، حين يتحول الوطن من مساحة للحياة إلى مساحة للنجاة فقط، وحين تصبح الطوارئ هي القاعدة والاستقرار مجرد حلم بعيد. كما نجح في الربط بين التجربتين بطريقة عميقة وإنسانية دون مبالغة أو خطاب عاطفي فارغ، فبدت المعاناة واحدة وإن اختلفت الجغرافيا.
ومع ذلك، لم يسقط النص في اليأس الكامل، بل أبقى على جذوة أمل صغيرة تقول إن الإنسان الذي ما يزال يسأل ويحلم ويرفض التعايش الكامل مع الانهيار لم يُهزم بعد. وهذا ما منح المقال صدقه وتأثيره الكبير، لأنه كُتب بعين ترى الإنسان أولًا قبل السياسة والشعارات.
وهكذا بدا مقال غسان جابر قريبًا من الوجدان اليمني والفلسطيني معًا، وكأنه كُتب من قلب المعاناة نفسها لا من خارجها، ليؤكد أن الكاتب الحقيقي لا يحتاج أن يعيش الجغرافيا كي يفهم الألم، بل يحتاج فقط إلى حس إنساني عميق وقدرة نادرة على قراءة ما خلف الأحداث.
الرفيق غسان جابر.. دهاء الكاتب الذي قرأ وجع اليمن بعين فلسطينية
2026-05-13
352 مشاهدة
مقالات وآراء