شعار صوت القضية
صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
خرافة الحكم الإلهي: الطريق إلى خراب الدول

خرافة الحكم الإلهي: الطريق إلى خراب الدول

بقلم/ علاء عاشور

إنّ تدخل الدين في سياسات الدول قد يقود في كثير من الأحيان إلى أزماتٍ عميقة واضطرابات بنيوية، خاصة عندما يُوظَّف كأداة أيديولوجية في الصراع. فالولايات المتحدة الأمريكية، وخصوصًا في ظل صعود تيارات داخل الحزب الجمهوري الأمريكي تتبنى قراءات دينية مؤدلجة في بعض مواقفها، إلى جانب إسرائيل التي يوظَّف فيها الخطاب الديني في بعض السياسات، وكذلك إيران بوصفها نموذجًا لدولة ذات نظام ديني، جميعها تُظهر كيف يمكن للعامل العقائدي أن يتداخل مع القرار السياسي. وهذا التداخل، حين يتحول إلى مبرر للصراع أو التوسع أو الإقصاء، قد يقود إلى نتائج كارثية على شعوب هذه الدول، ويغذي صراعات لا تستند دائمًا إلى حسابات عقلانية أو مصالح واقعية بقدر ما تستند إلى تصورات أيديولوجية مغلقة.

ومن هنا، فإن تسييس الدين وتحويله إلى محرّك للقرار السياسي قد يؤدي إلى انقسامات داخلية وشرخ في بنية الدولة، خصوصًا في المجتمعات المتعددة دينيًا وثقافيًا.

إن الدولة الحديثة تُدار بعقلية علمية وبراغماتية، حيث تُبنى السياسات على التجربة والواقع، لا على أفكار مسبقة لا تنسجم مع منطق التطور الطبيعي والاجتماعي. ومن هذا المنطلق، يرى كثير من المفكرين أن العلمانية تمثل إطارًا مناسبًا لبناء دولة قوية، تضمن حقوق جميع الأفراد بمختلف انتماءاتهم، وتُدار وفق المصالح العامة لا الاعتبارات الدينية.

أما فيما يتعلق بالتاريخ الإسلامي، فقد قامت الدولة في صدر الإسلام ضمن سياق تاريخي وجيوسياسي واجتماعي خاص، لا يمكن إسقاطه مباشرة على واقع الدول الحديثة. كما أن عدد السكان، وتعقيد المجتمعات، وتطور مؤسسات الدولة اليوم، تختلف جذريًا عن تلك المرحلة.

وقد استمدت الدولة الإسلامية الأولى جزءًا كبيرًا من قوتها من وحدة القيادة ومركزية القرار، إضافة إلى البعد الديني. ومع ذلك، شهدت لاحقًا صراعات سياسية كبرى، مثل الفتنة بين أنصار علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، والتي كانت ذات أبعاد سياسية معقدة، لا دينية صرفة.

كما أن حروب الردة لم تكن مجرد صراع عقائدي، بل ارتبطت أيضًا بقضايا السلطة المركزية ووحدة الدولة الناشئة. وفي المراحل اللاحقة، خاصة بعد الخلافة الراشدة، تطورت أنماط الحكم لتصبح أكثر قربًا من النماذج السياسية التقليدية (الملكية أو السلطانية)، مع بقاء الدين عنصرًا مؤثرًا في التشريع والشرعية، دون أن يكون دائمًا المحرك الوحيد للسياسة.

في المحصلة، يبقى الجدل قائمًا حول العلاقة بين الدين والدولة، بين من يرى ضرورة الفصل الكامل، ومن يدعو إلى تكاملٍ منضبط، لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن استقرار الدول الحديثة يرتبط بقدرتها على إدارة التنوع، وبناء مؤسسات قائمة على القانون والمصلحة العامة.