بقلم: المهندس غسان جابر
رحل مالك القواسمي، فحزنت الخليل، وامتدّ وجعها إلى قلوب الفلسطينيين الذين تابعوا رحلة علاجه وتمسّكوا بالأمل في شفائه. رحل الشاب الذي اجتمعت القلوب من أجل منحه فرصة للحياة، لكنه ترك وراءه شهادةً على عظمة الخليل وأهلها، وعلى شعبٍ يعرف كيف يقف إلى جانب أبنائه حين تشتدّ المحن.
حين احتاج مالك إلى الخليل، لم تكن الخليل غائبة.
هبّ الناس لجمع التبرعات، وتحرّكت المبادرات، وامتدّت الأيدي من مختلف المواقع والإمكانات. أصبح مالك ابن مدينة كاملة، حملت قضيته في ضميرها، وشاركت أسرته رحلة الأمل والانتظار. لكل من تبرّع، وسعى، وتواصل، وفتح بابًا للأمل، نقول: شكرًا لكم. لم تذهب جهودكم سدى؛ فالإنسانية لا تُقاس بنتيجة العلاج وحدها، بل بصدق المحاولة، وبأن يشعر الموجوع أنه ليس وحيدًا.
الخليل لم تنتصر على الموت، لكنها انتصرت على اللامبالاة.
هذه ليست عبارة رثاء فحسب، بل شهادة لمدينة ما زالت تحتفظ بأصالتها رغم الأزمات والاعتداءات والحواجز والأعباء الاقتصادية. حين استغاث أحد أبنائها، تحرّكت فيها روح الفزعة والنجدة، وأثبت أهلها أن التضامن ليس شعارًا موسميًا، بل قيمة متجذّرة في وجدانهم.
وهذه الروح امتداد لتاريخ نضالي صنعته شخصيات من الخليل وجبلها، وتركت أثرًا باقيًا في مسيرة شعبنا. نستذكر فهد القواسمي، رئيس بلدية الخليل الذي واجه الاحتلال وأُبعد عن وطنه، ثم اغتيل في عمّان عام 1984، وإبراهيم أبو دية، ابن صوريف، الذي شارك في الثورة الفلسطينية الكبرى، ثم قاد مجموعات من قوات الجهاد المقدس في معارك الدفاع عن فلسطين.
ونستحضر عبد الخالق يغمور، المرتبط اسمه بتاريخ الثورة والعمل الوطني، والشيخ محمد علي الجعبري، الذي ترك أثرًا في الحياة السياسية والتعليمية والاجتماعية، وأسهم في تأسيس جامعة الخليل، وعبد المحسن أبو ميزر، الذي واصل نضاله السياسي وتولى مسؤوليات في منظمة التحرير الفلسطينية. كما نستذكر القائد بدران جابر، ونؤكد أهمية حفظ أسماء المناضلين الذين أسهموا في صياغة الذاكرة الوطنية للخليل، وتوثيق سيرهم للأجيال القادمة.
تختلف الميادين والأدوار، لكن يجمع هذه الشخصيات أن الانتماء لم يكن شعارًا، بل مسؤولية وموقفًا وتضحية. ومن واجبنا أن نصون هذا الإرث، وأن نعرّف أبناءنا بتاريخ مدينة لم تكن يومًا على هامش النضال الفلسطيني، بل كانت في قلبه.
لكن الوفاء لمالك يفرض علينا ألا نكتفي بالإشادة بالفزعة الشعبية. فالتكافل مصدر فخر، لكنه لا يجوز أن يكون بديلًا عن مسؤولية المؤسسات الصحية والاجتماعية. لا ينبغي أن تُترك العائلات وحدها في مواجهة المرض وتكاليف العلاج وضيق الوقت. نريد أن تسند هذه الروح مؤسسات تتحمل واجباتها، ونظامًا صحيًا يحمي حق الناس في العلاج بكرامة.
إلى والد مالك ووالدته وأسرته ومحبيه، خالص العزاء وصادق المواساة. نسأل الله أن يرحمه رحمة واسعة، ويسكنه فسيح جناته، ويلهم أهله جميل الصبر والسلوان.
رحل مالك، لكن الخليل قالت كلمتها بالفعل لا بالشعار. أثبتت أن عظمة الشعوب لا تُقاس بما تملكه، بل بما تقدّمه حين يُمتحن ضميرها.
رحم الله مالك القواسمي، وحفظ الخليل وأهلها، وحفظ في شعبنا روحًا تجعل من التضامن قوة وطنية، ومن المحبة موقفًا، ومن الوفاء مسؤولية.
الخليل لم تنتصر على الموت، لكنها انتصرت على اللامبالاة؛ فلنكن أوفياء لمالك، ولتاريخ المناضلين، ولإنسانٍ يجب ألا يُترك وحده.
م. غسان جابر.
مالك القواسمي… الخليل لم تنتصر على الموت، لكنها انتصرت على اللامبالاة
2026-10-18
3 مشاهدة
مقالات وآراء