بقلم/ نجيب الكمالي
أنا تعزي الأصل، عدنيّ المنشأ والتربية. في تعز جذوري التي أعتز بها، وفي عدن نشأت وتعلّمت الحياة بين أهلها. لذلك لا أرى العلاقة بين تعز وعدن مجرد صلة وجدانية أو جغرافية، بل علاقة تتصل بمستقبل واحد. فتعز والجنوب، رغم اختلاف تجاربهما السياسية وخصوصية كل منهما، يلتقيان عند حق أبنائهما في الحرية والكرامة والشراكة، وعند رفض أي مشروع يسعى إلى فرض الوصاية عليهما بقوة السلاح.
أفخر بصمود تعز ورجالها في مواجهة المشروع الحوثي الكهنوتي، كما أفخر كلما تذكرت عدن، المدينة التي لفظت هذا المشروع من أرضها، ومرّغت غروره في التراب، وأخرجته يجرّ أذيال الهزيمة. عدن أسقطت رهانه بالأمس، وتعز تواجهه اليوم بإرادة لا تنكسر. عدن لم تركع لهم بالأمس، وتعز لن تركع لهم اليوم.
لكن الربط بين عدن وتعز لا يقف عند الذاكرة والتضحيات؛ فهناك حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها: لا يمكن فصل مستقبل تعز عن مستقبل الجنوب، ولا بناء استقرار حقيقي في الجنوب مع بقاء تعز محاصرة ومهددة. فأمن المدن اليمنية ومصالح سكانها مترابطة. والهدف واحد: مواجهة الاستبداد والهيمنة، ورفض الوصاية، والإيمان بالعدالة واحترام خيارات الناس.
واليوم، في تعز، تُسطر ملاحم بطولية. من جبل صبر إلى جبهات المطار القديم والدفاع الجوي وسائر المواقع، يقف رجال يدافعون عن مدينتهم وحق أبنائها في الأمن والكرامة، ويرفضون فرض الوصاية ومصادرة إرادة اليمنيين. وما يجري ليس مجرد مواجهة على مواقع عسكرية، بل دفاع عن حق الناس في الحياة بحرية، بعيدًا عن حكم السلاح والإكراه.
ومن جبل صبر جاء صوت اللواء محمد المحمودي، قائد المقاومة الشعبية في مشرعة وحدنان، حاسمًا: «لن تمروا من هنا ونحن أحياء على هذا الجبل». كلمات تختصر إرادة رجال اختاروا الثبات، ويؤمنون بأن الدفاع عن الأرض والكرامة لا يكون بالشعارات، بل بالمواقف والتضحيات.
وأقدّر كل حضور ميداني يقف إلى جانب المدافعين عن تعز، ومن ذلك زيارة وكيل أول المحافظة عبدالقوي المخلافي إلى محيط الجبهات. فالمسؤولية لا تُختزل في المكاتب، بل تظهر في أوقات الشدة، حين يحتاج المقاتلون إلى المساندة، ويحتاج الناس إلى من يشعر بمعاناتهم. تعز لا ينقصها الحديث عن تضحياتها، بل تحتاج إلى تكاتف عملي يخفف أعباء المواجهة عن أبنائها.
ولا يفوتني أن أحيّي حرائر تعز وإكليلاتها، بقيادة حياة الذبحاني، على مبادرات العطاء وجمع التبرعات لمساندة المقاتلين. لقد أثبتت المرأة التعزية أن الدفاع عن المدينة مسؤولية مجتمع كامل، وأن المساندة لا تقتصر على حمل السلاح؛ فهناك عطاء يصنع الفارق، ومواقف تحفظ للناس كرامتهم في أصعب الظروف.
ومن عدن التي احتضنت نشأتي، أعبّر عن تقديري للمقاتلين الأبطال (القوات الجنوبية) الذين يقدّمون ملاحم بطولية سوف تدرسها الأجيال، وهم يواجهون الحوثيين على جبهات الساحل الغربي ومحيط باب المندب، وفي مقدمتهم ألوية العمالقة الجنوبية وقوات درع الوطن، إلى جانب المقاومة الوطنية وسائر القوات المشاركة. وتؤكد المواجهات على هذه الجبهات أهمية تنسيق الجهود لحماية الساحل ومحيط باب المندب، وتعزيز الأمن والحد من التهديدات التي تستهدف المناطق اليمنية ومصالحها.
تلاحم تعز والجنوب ليس مجاملة سياسية ولا تقاربًا عابرًا فرضته الحرب، بل ضرورة لحماية المستقبل. فتضحيات تعز والساحل الغربي وسائر الجبهات لن تحقق غايتها ما لم تتحول إلى تفاهم سياسي واضح، تتكامل فيه الجهود، وتُقدَّم المصلحة العامة على الخلافات، وتتحمل القيادات مسؤولياتها تجاه المقاتلين والناس . كما ينبغي أن يسهم الدعم العربي في مساندة جهود منسقة تقود إلى الأمن والاستقرار، وتفتح الطريق أمام تسوية سياسية عادلة.
وفي الوقت نفسه، أرفض أن تتحول هذه المعركة إلى خصومة مع منطقة أو مذهب. فقد عانى أبناء تعز وأبناء الجنوب من التهميش ونظرات الانتقاص، ولا يجوز أن نواجه ظلمًا بظلم آخر. معركتنا ليست ضد الناس بسبب أصولهم أو معتقداتهم، بل ضد فرض الوصاية ومصادرة الحقوق وإخضاع المجتمع بقوة السلاح.
ولأنني أنتمي إلى تعز وأحمل في وجداني عدن التي نشأت فيها، أرى أن احترام خصوصية الجنوب وقضيته لا يتعارض مع إنصاف تعز، بل إن الاعتراف بحقوق الجميع هو الطريق إلى شراكة أكثر ثباتًا. لا نريد علاقة تقوم على الشعارات المؤقتة أو المصالح الضيقة، وإنما تفاهمًا يحفظ لكل طرف حقه وكرامته، ويمنع استخدام قضية طرف ضد الآخر.
اتمني لتعز النصر على المشروع الحوثي وتتعافى، ولعدن أن تبقى آمنة عزيزة، وللجنوب مستقبلًا يعبّر عن إرادة أبنائه، وللجميع طريقًا نحو السلام والشراكة والعدالة، بعيدًا عن الإقصاء والهيمنة.
من جبل صبر إلى عدن، ومن تعز إلى سائر مدن الجنوب تبقى رسالتي واضحة: تضحياتنا يجب أن توحّدنا لا أن تفرّقنا، وأن تقودنا إلى مستقبل لا تُفرض فيه الإرادة بالقوة، ولا يُقصى فيه أحد بسبب هويته أو منطقته. فهزيمة الانقلاب مسؤولية مشتركة، وبناء مستقبل آمن وعادل مسؤولية أكبر. ولن يتحقق الاستقرار ما لم يشعر الجميع بأن حقوقهم مصونة، وأن القانون فوق الجميع، وأن الشراكة ليست شعارًا يُرفع وقت الحرب ثم يُنسى عند اقتسام القرار.
تعز والجنوب.. تلاحم يهزم مشروع الكهنوت
2026-10-18
135 مشاهدة
مقالات وآراء