بقلم/ د. تيسير فتوح حجة – الأمين العام لحزب العمال الفلسطيني تحت التأسيس
لا يمكن إنكار التاريخ النضالي والتضحيات التي قدمتها الفصائل الفلسطينية وكوادرها في مسيرة النضال الوطني، لكن احترام هذا التاريخ لا يعني التغاضي عن أوجه الخلل التي أصابت بعض الأطر التنظيمية، حيث تراجع العمل الجماهيري والميداني، وحلّت مكانه في بعض المواقع مظاهر من الروتين الإداري والجمود التنظيمي.
إن حديثنا هنا لا يشمل جميع الفصائل الفلسطينية، ولا ينتقص من دور المناضلين الذين ما زالوا يعملون بإخلاص في خدمة شعبهم، بل يتناول بعض الأطر والمواقع التنظيمية التي ابتعدت عن الجماهير، وتحولت مكاتبها من مراكز للتخطيط والعمل والمبادرة إلى أماكن للاجتماعات المتكررة والقهوة والشاي والمعسّل، دون نتائج تتناسب مع حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها.
فأين البرامج الميدانية؟ وأين التواصل مع العمال والفقراء والشباب؟ وأين المبادرات التي تخفف من معاناة المواطنين وتعيد الثقة بالعمل التنظيمي؟ وهل يكفي أن يحتفظ المسؤول بمكتبه وصفته التنظيمية، بينما تغيب المتابعة والمحاسبة والإنجاز؟
إن المسؤولية هنا ليست واحدة؛ فالقيادات العليا مسؤولة عن وضع السياسات ومراقبة الأداء، والقيادات المحلية مسؤولة عن تنفيذ البرامج والتواصل مع الجماهير، والكوادر مسؤولة عن المشاركة والمبادرة. ولا يجوز تحميل الجميع أخطاء بعض المواقع، كما لا يجوز استخدام الظروف السياسية والاقتصادية ذريعة دائمة لتبرير التقصير.
نحن ندرك أن الاحتلال والانقسام والأزمة المالية والقيود المفروضة على العمل الوطني عوامل تؤثر في أداء الفصائل، لكن هذه الظروف تفرض تطوير أساليب العمل، لا الاستسلام للروتين، وتستدعي تعزيز الحضور بين الناس، لا الاكتفاء بالمكاتب المغلقة والاجتماعات الشكلية.
موقف حزب العمال الفلسطيني تحت التأسيس واضح: نريد عملًا تنظيميًا يُقاس بالإنجاز، وقيادات تُحاسَب على أدائها، ومكاتب تكون منطلقًا لخدمة الجماهير، لا غاية بحد ذاتها. ونريد تجديدًا تنظيميًا يحترم تاريخ المناضلين، ويفتح المجال أمام الكفاءات الشابة، ويعيد الأولوية للدفاع عن حقوق العمال والفئات المهمشة.
إن النقد المسؤول ليس إساءة إلى الفصائل، بل دعوة إلى إصلاح الخلل حيثما وُجد، والتمييز بين من يعمل ويضحي، ومن اكتفى بالموقع والصفة والمظاهر التنظيمية.
فليس المطلوب أن نغلق مكاتب الفصائل، بل أن نفتح أبوابها أمام الجماهير؛ وليس المطلوب أن نتخلى عن تاريخنا النضالي، بل أن نمنع تحوله إلى مجرد ذكريات، فيما ينتظر شعبنا فعلًا وطنيًا يلامس حياته ويدافع عن حقوقه.
من قيادة الجماهير وميادين المواجهة إلى مكاتب القهوة والشاي والمعسّل
2026-10-18
107 مشاهدة
مقالات وآراء