بقلم/ د. محمد قاروط أبو رحمة
كان ذلك أثناء الحرب الدموية الصهيونية ضد الوجود الفلسطيني والوطني اللبناني في لبنان عام 1982. كنت في دورية، وكان دليلي فدائيًا درزيًا من مدينة عاليه، وكانت والدته مناضلة، وكان عمرها في ذلك الوقت قريبًا من عمر والدتي، وكان شقيقها أحد كوادر حركة فتح "قوات العاصفة" وقادتها، وقد استشهد في تلك الحرب. وكان علينا أن نبيت ليلة في بيتهم.
حدث ذلك أثناء احتلال مدينتهم (عاليه جبل لبنان) من جيش الاحتلال الصهيوني، في شهر كانون الأول عام 1982. وكان جبل لبنان شديد البرودة، ولا سيما في الليل، وكانت الكهرباء مقطوعة.
أعدّت لنا سيدة البيت ولابنها أسرة في غرفة الشتاء؛ ففي جبل لبنان لكل بيت تقريبا غرفة للشتاء. وضعت الأسرة، ثم أحضرت خشب السنديان وأشعلت موقدة الحطب "الصوبة". وكان لون نار السنديان يميل إلى الزرقة.
فلما توهجت النار فتحت أبواب الموقدة، أدى ذلك الى انعكاس زرقة النار على بياض جدران الغرفة، فبدا المشهد بديعا، يميل إلى لون الازرق السماوي، كأن زرقة النار امتزجت ببياض الجدران.
وكانت سيدة البيت، في ذلك البرد، تبعث في المكان دفءً يشبه دفء الأمهات. عيناها كعين الماء؛ صافية، سخية، وتروي. كانت تستقبلنا بعفوية الأم وكرمها، وكأن ما في عينيها امتداد لما كانت تصنعه يداها.
أحضرت غلايتين "ركوتين" من النحاس، وضعت إحداهما، الممتلئة بالماء، على الموقدة، وتركت الثانية فارغة على الأرض. وما إن غلا الماء حتى وضعت القهوة في الغلاية، وهي "الركوة" في اللكنة اللبنانية، وتسمى أيضا: "الدلة" أو "الدولة".
ولما غلت القهوة أنزلتها عن الموقدة حتى هدأت، ثم صفتها في الغلاية الثانية وأعادتها إلى الموقدة. وبعد ذلك غسلت الغلاية مما ترسب فيها من حثل القهوة، ثم غلتها مرة أخرى وصفّتها، وهكذا فعلت أربعة أشواط.
وفي الجبل يشربون القهوة في الفناجين العربية الكبيرة.
صبت القهوة، وما إن ارتشفت أول رشفة حتى أيقنت أن للقهوة:
سحر صانعها،
وطريقة تحضيرها،
وجمال مكان شربها،
ونكهة جلسائها،
وسبب إحداثها،
ونوع الفنجان ولونه.
حتى الآن، كلما شربت القهوة تذكرت تلك الحادثة.
وعندما يكون مزاجي عاليًا، أصنع القهوة لنفسي ولنا بنفسي.
ويبقى لكل فنجان قهوة طعمه؛ حتى لون الفنجان يؤثر في طعمها.
ثم إن القهوة سيدة.
ولأنها سيدة فان تاء التأنيث المربوطة، تربط كل مذكر من عنقه بقلادة ود وحب.
والقَهوّةُ؛ قبلَ أن؛ تَربِطُها تاءُ التأنيث كانتْ؛ بُنٌ؛ قّبْلَ أنْ؛ في المِحْماسِ تَشْوبها النارُ؛ وقَبْلَ أن؛ يُأنثها طَرقُ المهباش.
والهيل مثل البُنِ؛ ذَكَرٌ؛ على النار وتحت المطرقة أصبحا قَهوة.
والقهوةُ؛ لا تُشْرَبُ إلا بَفنجانٍ؛ مِنْ؛ يَدِ سيِدةّ تَعْرِفُ أنّ النّارَ والطرقِ؛ ونارٌ تَحْتَ رَكْوَتِها أصبحتا هي وَقَهْوُتها.
أسعد الله أوقاتكم مع فنجان قهوة من يد سيدة تشاركك فيه مع سيدتين: هي وقهوتها.
ثم إن القهوة سيدة
2026-10-17
146 مشاهدة
مقالات وآراء