بقلم/ نجيب الكمالي
في ذكرى ثورة الرابع عشر من أكتوبر، لا أجد نفسي أمام مناسبة تاريخية نستعيد فيها صور الماضي ونكتفي باستحضار البطولات، بقدر ما أجدها مناسبة لمراجعة واقعنا، والتأمل في الطريق الذي قطعناه، وما إذا كانت تضحيات اليمنيين قد أوصلتنا إلى الدولة التي حلموا بها، أم أننا ما زلنا ندور في دائرة الصراع نفسها، بأسماء وشعارات مختلفة.
لقد انطلقت ثورة أكتوبر عام 1963 من جبال ردفان، حاملة حلم التحرر من الاستعمار البريطاني، ومؤكدة أن الشعوب التي تؤمن بحقها في الحرية لا يمكن إخضاعها إلى الأبد. ولم تكن الثورة مجرد مواجهة عسكرية، بل تعبيرًا عن إرادة شعب أراد أن يمتلك قراره، ويعيش بكرامة على أرضه.
واليوم، بعد ثلاثة وستين عامًا، تبدو الحاجة إلى استحضار روح أكتوبر أكثر إلحاحًا، ونحن نواجه مشروعًا حوثيًا لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى إلى إخضاع المجتمع لفكرة الولاية، وفرض سلطة تقوم على التمييز والحق المزعوم في الحكم، ومصادرة حق اليمنيين في اختيار مستقبلهم.
قد تختلف الظروف والوسائل بين الأمس واليوم، لكن جوهر المعركة يظل واحدًا: هل يكون القرار بيد الناس، أم تحتكره جماعة ترى نفسها فوق المجتمع؟ وهل تقوم الدولة على المواطنة والحقوق المتساوية، أم على الامتيازات السلالية وفرض الوصاية على اليمنيين؟
ومن هنا، فإن الدفاع عن الجمهورية بالنسبة لي ليس مجرد تمسك براية أو شعار سياسي، بل دفاع عن حق الإنسان في الكرامة، وعن حق المواطن في أن يكون شريكًا في وطنه، لا تابعًا لجماعة أو أسيرًا لفكرة تمنح أصحابها حق الحكم باسم الدين والسلالة.
وفي هذه المعركة، لا يمكن تجاهل ما قدمه أبناء الجنوب من تضحيات كبيرة منذ عام 2015. فقد وقفوا في مقدمة المواجهة، وقدموا شهداء وجرحى، وخاضوا معارك قاسية دفاعًا عن أرضهم وكرامتهم، وأسهموا في التصدي للمشروع الحوثي في محطات مفصلية من الحرب.
وتبقى تضحيات القوات المسلحة الجنوبية، وألوية العمالقة، وقوات درع الوطن، إلى جانب المقاومة في تعز ومأرب وسائر القوات المناهضة للحوثيين، جزءًا مهمًا من سجل هذه المواجهة. لكن الوفاء لهذه التضحيات لا يكون بالاحتفاء بها في المناسبات وحدها، وإنما بالإنصات إلى تطلعات أصحابها واحترام حقوقهم السياسية والوطنية.
وهنا أرى أن من الضروري قول الأمر بوضوح: إن قضية الجنوب ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه، وليست مطلبًا يمكن تأجيله إلى أجل غير معلوم. للجنوبيين حقهم في تقرير مستقبلهم السياسي، بما في ذلك حقهم في استعادة دولتهم، والتعبير عن هذا التطلع بإرادة حرة. ولا يمكن بناء مستقبل مستقر على تجاهل هذه الحقيقة أو التقليل من شأنها.
إن احترام حق الجنوبيين في استعادة دولتهم لا ينتقص من تضحياتهم في مواجهة الحوثيين، ولا يجعل من اختلاف الرؤى السياسية سببًا للخصومة. بل إن الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها هو جوهر الحرية التي خرجت ثورة أكتوبر من أجلها. فلا معنى لأن نحتفي بثورة قاومت الوصاية، ثم نتردد في احترام إرادة الناس وحقهم في اختيار مستقبلهم.
وأعتقد أن أي معالجة عادلة للقضية الجنوبية يجب أن تنطلق من الاعتراف بها كما هي، لا من محاولة اختزالها أو فرض حلول جاهزة عليها. فالحلول التي تتجاهل إرادة الناس قد تؤجل الأزمة، لكنها لا تنهيها، أما الحل الذي يحترم تطلعات الجنوبيين ويضمن الحقوق ويمنع الإقصاء، فهو وحده القادر على فتح الطريق أمام سلام حقيقي ومستدام.
وفي الوقت نفسه، فإن مواجهة المشروع الحوثي تظل معركة لا تحتمل الاستهانة بخطره أو التقليل من أثره على مستقبل اليمن والمنطقة. وتوحيد الجهود في مواجهته ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، لكن ذلك لا يعني أن يتخلى أي طرف عن قضيته أو يتنازل عن حقه في تقرير مستقبله. يمكن لليمنيين أن يواجهوا خطرًا مشتركًا، مع احتفاظ كل طرف برؤيته السياسية، ما دام الحوار قائمًا على الاحترام المتبادل والحقوق الواضحة.
ما يقلقني، وأنا أستعيد هذه الذكرى، أن تتحول التضحيات الكبيرة إلى حكايات نرددها كل عام، بينما تبقى أسباب الصراع قائمة، وتظل آمال الناس معلقة. فخلف كل شهيد أسرة تنتظر الوفاء، وخلف كل جريح إنسان يستحق الرعاية والإنصاف، وخلف كل مقاتل أمل بأن تنتهي هذه الحرب إلى واقع أفضل، لا إلى مرحلة جديدة من الإقصاء والصراع على السلطة.
لقد دفع اليمنيون أثمانًا باهظة، وليس من العدل أن تكون النتيجة مجرد تبدل في مراكز النفوذ، أو أن ينتصر طرف ليعيد إنتاج الممارسات التي ثار الناس عليها. فالقيمة الحقيقية لأي انتصار هي ما يحققه للناس من أمن وكرامة وحقوق، وما يفتحه أمامهم من فرص لحياة أفضل.
كما أن اليمن، بتاريخه وحضاراته الممتدة، أكبر من أن تختصره جماعة أو مشروع سياسي أو صراع على السلطة. وما تركه أجدادنا من نقوش بالخطوط الحميرية والسبئية ليس مجرد أثر قديم، بل شاهد على عمق هذه الأرض وتاريخ أهلها. وستبقى تضحيات اليمنيين اليوم جزءًا من ذاكرة وطنية تستحق أن تُروى للأجيال، لا بوصفها سجلًا للحروب وحدها، بل شهادة على تمسك الناس بحقهم في الحرية والكرامة.
بالنسبة لي، فإن الوفاء لثورة الرابع عشر من أكتوبر يبدأ من فهم معناها الحقيقي: أن يكون الإنسان حرًا في أرضه، وأن تكون له كلمة في تقرير مصيره، وألا يُفرض عليه حكم أو مشروع لا يؤمن به. وهذا المعنى لا يخص الجنوب وحده، بل يخص كل يمني يرفض الاستبداد، سواء كان مصدره استعمارًا خارجيًا أو جماعة مسلحة أو سلطة تحتكر القرار وتقصي الآخرين.
من ردفان إلى الساحل الغربي، تتغير ميادين المواجهة، لكن جوهر القضية لا يتغير. بالأمس قاوم اليمنيون الاستعمار دفاعًا عن حريتهم، واليوم يواصلون مواجهة مشروع يريد مصادرة إرادتهم. وبين الأمس واليوم، تبقى الحقيقة التي لا ينبغي أن نغفل عنها: لا حرية حقيقية من دون احترام إرادة الناس، ولا سلام مستدام من دون إنصاف أصحاب القضايا العادلة، ولا مستقبل آمن من دون دولة تحمي الحقوق بدلًا من مصادرتها.
سيظل أكتوبر حاضرًا في ذاكرتنا ما دمنا نتمسك بمعانيه، لا بمجرد شعاراته. وستبقى تضحيات اليمنيين جديرة بالوفاء حين تتحول إلى واقع يحترم الإنسان وكرامته وحقه في تقرير مصيره، ويمنع عودة الاستبداد بأي صورة كانت. فالأوطان لا تُبنى بإنكار حقوق أبنائها، بل بالاعتراف بها، ولا تستقر بفرض الإرادة، بل باحترامها.
من ردفان إلى الساحل الغربي.. أكتوبر يتجدد دفاعًا عن الجمهورية
2026-10-12
210 مشاهدة
مقالات وآراء