بقلم/ موسى المليكي
في تعز، لا تُقاس البطولة بعدد البنادق، ولا تُكتب صفحات المقاومة بأسماء الرجال وحدهم. هناك مدينة كاملة تعلّمت، تحت وطأة الحرب، أن تدافع عن حقها في الحياة بكل ما تملك؛ برجالها ونسائها، بشيوخها وأطفالها، وبكل حجرٍ ما زال واقفًا في وجه العاصفة.
ومن بين هذه الصفحات تبرز حكاية امرأة من بني بكاري، سطّرَت موقفًا سيظل حاضرًا في ذاكرة أبناء تعز، بعدما وجدت نفسها في مواجهة خطر كان يتهدد المارة والتعزيزات على أحد الطرقات.
بحسب الرواية المتداولة، تسلل عدد من عناصر جماعة الحوثي إلى الطريق، في محاولة لزرع عبوات ناسفة فيه. وبينما كانوا يتهيأون لتنفيذ ما أرادوا، مرّت المرأة بالمكان مصادفة، فأدركت طبيعة الخطر الذي يقترب من الطريق وأهله.
لم تتردد.
في لحظةٍ اختلط فيها الخوف بالغضب، قررت أن تواجه الخطر بدل أن تمر من جواره. تقدمت نحوهم متظاهرة بأنها عابرة سبيل، قبل أن تبادر إلى مواجهتهم. وانتهت المواجهة بسقوط أربعة من المسلحين وإصابة اثنين، بينما ارتقت هي شهيدة.
وهكذا، لم تكن تلك المرأة مجرد عابرة طريق.
كانت، في تلك اللحظة، طريقًا آخر للحياة.
كانت تعرف أن ما يخطط له المسلحون لا يستهدف طريقًا من تراب وحجارة فحسب، وإنما يستهدف أناسًا قد يمرون من هناك دون أن يعرفوا أن الموت ينتظرهم في الطريق. ولذلك اختارت أن تدفع الثمن بنفسها، وأن تمنح الآخرين فرصة للنجاة.
رحم الله شهيدة بني بكاري، ورحم كل امرأة يمنية دفعت من عمرها ودمها ثمنًا لحماية أهلها وأرضها.
تعز... مدينة لا تنحني
وليس في الأمر غرابة على نساء تعز.
فهذه المدينة التي عُرفت عبر تاريخها بأنها مدينة العلم والثقافة والمدنية، أثبتت في سنوات الحرب أنها أيضًا مدينة الصمود. وحين اشتدت المحن، لم تختبئ نساؤها خلف الجدران، بل كنّ في قلب المشهد الإنساني والاجتماعي، يحملن أعباء الحرب، ويحمين أسرهن، ويساعدن الجرحى والنازحين، ويتمسكن بالحياة في وجه الموت.
إن قصة امرأة بني بكاري، سواء نظرنا إليها بوصفها قصة بطولة فردية أو جزءًا من حكايات كثيرة لم تصل إلى الإعلام، تكشف شيئًا أعمق عن طبيعة هذه المدينة: أن المقاومة في تعز ليست فعل مجموعة محددة، وإنما حالة شعبية واسعة في مواجهة الخوف.
هناك أبٌ ينتظر عودة ابنه.
وأمٌّ تحاول أن تحمي أطفالها من أصوات القصف.
وطالبٌ يواصل الذهاب إلى مدرسته رغم الخراب.
وعجوزٌ يتمسك ببيته وأرضه.
وعاملٌ يخرج كل صباح بحثًا عن رزقه.
وامرأةٌ تحمل مسؤولية أسرة كاملة بعدما غيّبت الحرب أحد أفرادها.
هؤلاء جميعًا، كل بطريقته، يقولون إن الحياة في تعز أقوى من الموت.
عندما تصبح المرأة عنوانًا للكرامة
الأكثر دلالة في حكاية شهيدة بني بكاري أنها امرأة.
فالمرأة التي أرادتها الحرب ضحيةً ضعيفة، ظهرت في لحظة حاسمة باعتبارها صاحبة قرار وموقف. لم تنتظر أن يأتي أحد لينقذها، ولم تتعامل مع الخطر باعتباره شأنًا يخص الآخرين.
لقد رأت خطرًا يهدد أبناء بلدها، فاختارت أن تواجهه.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للقصة: ليست في عدد من سقطوا في المواجهة، وإنما في المعنى الذي تركته وراءها.
امرأة من تعز قالت، بدمها، إن الخوف ليس قدرًا.
وقالت إن المدن لا تُهزم حين تُحاصر، وإنما تُهزم عندما يستسلم أهلها لفكرة أن لا جدوى من المقاومة.
وتعز، حتى اليوم، لم تستسلم.
ذاكرة النساء اللواتي لا تظهر أسماؤهن
الحروب عادةً ما تحفظ أسماء القادة، وتنسى أسماء الناس العاديين الذين دفعوا الثمن الأكبر.
لكن خلف كل مدينة صامدة عشرات القصص التي لا تصل إلى الصفحات الأولى.
نساء فقدن أبناءهن ولم يفقدن القدرة على مواصلة الحياة.
أمهات فتحن بيوتهن للنازحين.
متطوعات وقفن إلى جانب الجرحى.
معلمات واصلن تعليم الأطفال في ظروف قاسية.
ونساء واجهن الخوف كل يوم، لا بحثًا عن بطولة، وإنما لأن الحياة فرضت عليهن أن يكنّ أقوى مما يتوقعه أحد.
ومن هذه الزاوية، فإن شهيدة بني بكاري ليست اسمًا عابرًا في خبر محلي. إنها رمز لكل امرأة وجدت نفسها في قلب حرب لم تخترها، لكنها رفضت أن تسمح لها بأن تسلبها كرامتها.
تعز التي يقاوم فيها كل شيء
في تعز، تبدو المقاومة أحيانًا أكبر من الإنسان نفسه.
الجبل يقف.
والبيت المهدّم يبقى شاهدًا.
والمدرسة التي تعود إليها أصوات الأطفال بعد كل جولة خوف تقول إن المدينة لم تمت.
والشجرة التي تنبت بين الحجارة تقول إن الحياة تعرف طريقها حتى من بين الركام.
حتى الحجر في تعز أصبح جزءًا من الذاكرة؛ ذاكرة مدينة دفعت ثمنًا باهظًا لأنها تمسكت بحقها في أن تكون حرة وآمنة.
ولهذا فإن اختزال تعز في مشهد عسكري واحد ظلمٌ لحقيقتها. تعز ليست بندقية فقط، وليست جبهة فقط، وليست خبرًا عاجلًا.
تعز إنسان يقاوم كي يعيش.
إنها أمٌّ تريد أن يكبر أطفالها.
وشاب يريد أن يبني مستقبله.
وطالب يريد أن يحمل كتابه بدل أن يحمل الخوف.
وفلاح يريد أن يعود إلى أرضه.
وامرأة تريد أن تعيش بكرامة في بيتها.
شهيدة بني بكاري... ذاكرة لا ينبغي أن تُنسى
قد تمر الأيام، وتتغير عناوين الأخبار، وتتبدل خرائط الحرب، لكن بعض القصص تبقى لأن أصحابها دفعوا ثمنها كاملًا.
وقصة شهيدة بني بكاري واحدة من هذه القصص.
رحلت المرأة، لكن موقفها بقي.
غاب جسدها، لكن حكايتها بقيت في ذاكرة المكان.
وربما لا يعرف كثيرون اسمها بعد، لكن أبناء بني بكاري وتعز يعرفون أن واحدة من نسائهم وقفت في لحظة كان يمكن أن تختار فيها النجاة لنفسها، فاختارت أن تواجه الخطر.
رحم الله شهيدة بني بكاري، ورحم شهداء تعز واليمن جميعًا.
ولعل أقل ما يمكن أن تفعله الصحافة تجاه هؤلاء الذين رحلوا أن تحفظ أسماءهم من النسيان، وأن تروي قصصهم بوصفها جزءًا من ذاكرة شعب عاش الحرب، لكنه لم يسمح لها أن تنتزع منه معنى الكرامة.
تعز لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.
فالمدن التي تنجو من الحصار لا تنجو بالحجارة وحدها، وإنما بالإنسان الذي يرفض أن ينكسر.
وفي كل مرة يظن فيها أحد أن تعز أنهكتها الحرب، تخرج من بين ركامها حكاية جديدة تقول:
ما دام في تعز قلب ينبض، فثمة حياة تقاوم.
حين تقاوم النساء: بطلة بني بكاري تكتب صفحة جديدة من حكاية تعز
2026-10-05
280 مشاهدة
مقالات وآراء