بقلم: الدكتور منصور المالك
من أكثر القضايا إيلاماً في التاريخ السياسي الحديث القضية الفلسطينية؛ ليس فقط بسبب الاحتلال والحروب والاستيطان وتشابك المصالح الدولية والإقليمية، بل أيضاً بسبب سلسلة من القرارات والفرص التي لم تُستثمر، حتى أصبحت إقامة الدولة الفلسطينية اليوم أكثر تعقيداً مما كانت عليه قبل عقود.
ومن الإنصاف ألا نحمل الشعب الفلسطيني مسؤولية قرارات قياداته وفصائله، كما لا يمكن تجاهل مسؤولية إسرائيل عن الاحتلال والاستيطان وتقويض فرص التسوية. لكن ذلك لا يمنع من طرح السؤال الأصعب: هل أضاعت القيادات الفلسطينية فرصاً تاريخية كان يمكن أن تقود إلى إقامة دولة فلسطينية؟
التاريخ يقول إن هناك فرصاً كان ينبغي التعامل معها بصورة مختلفة.
بدأ ذلك مع قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947، الذي نص على إقامة دولتين، عربية ويهودية، مع وضع دولي خاص للقدس. رفض العرب والفلسطينيون القرار لأسباب يمكن فهمها في سياق ذلك الزمن، لكن النتيجة التاريخية كانت واضحة: قامت إسرائيل، ولم تقم الدولة الفلسطينية.
وبعد حرب 1967، أصبحت الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة تحت الاحتلال الإسرائيلي. ومنذ ذلك الحين أصبح الزمن عاملاً بالغ الأهمية؛ فمع كل عقد يمر تغيرت الوقائع على الأرض واتسعت المستوطنات، وأصبحت إمكانية رسم حدود دولة فلسطينية متصلة أكثر صعوبة.
ثم جاءت اتفاقات أوسلو عام 1993، وللمرة الأولى ظهرت فرصة عملية لبناء مؤسسات فلسطينية يمكن أن تتحول تدريجياً إلى مؤسسات دولة. لكن المسار تعثر بفعل عوامل عديدة، بينها الاستيطان والعنف والإرهاب واغتيال إسحاق رابين وفقدان الثقة بين الطرفين، إضافة إلى إخفاقات فلسطينية وإسرائيلية في استثمار اللحظة السياسية.
كلينتون.. عندما وضعت أميركا ثقلها خلف التسوية
ربما كانت نهاية عهد الرئيس الأميركي بيل كلينتون من أهم المحطات التي تستحق التوقف عندها.
لم يكتف كلينتون بإدارة الأزمة من واشنطن، بل استثمر جانباً كبيراً من رصيده السياسي في محاولة جمع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك والوصول إلى اتفاق.
استضاف الطرفين في قمة كامب ديفيد في يوليو 2000، واستمرت المفاوضات المكثفة قرابة أسبوعين. لم تنتج القمة اتفاقاً، كما أن الروايات تختلف حتى اليوم حول طبيعة ما عُرض خلالها ومن يتحمل مسؤولية الفشل، ولذلك من الخطأ اختزالها في رواية أن الفلسطينيين رفضوا ببساطة «دولة جاهزة».
لكن كلينتون لم يتوقف عند كامب ديفيد.
في ديسمبر 2000 قدم ما أصبح يعرف بـ «معايير كلينتون»، وهي أفكار أكثر تحديداً لتسوية قضايا الوضع النهائي. تضمنت دولة فلسطينية في قطاع غزة وعلى معظم أراضي الضفة الغربية، مع تبادل للأراضي، وترتيبات لتقاسم السيادة في القدس وفق التركيبة السكانية للأحياء، وترتيبات خاصة بالأماكن المقدسة، إضافة إلى معالجة قضية اللاجئين من خلال مجموعة خيارات وتعويضات وترتيبات دولية.
كانت تلك من أكثر اللحظات التي اقترب فيها رئيس أميركي من وضع تصور تفصيلي لنهاية الصراع.
والدقة التاريخية تقتضي الإشارة إلى أن الجانبين قبلا معايير كلينتون كأساس للمفاوضات مع تحفظات، ولم يكن الأمر رفضاً فلسطينياً مطلقاً من طرف وقبولاً كاملاً من الطرف الآخر. لكن الوقت كان ينفد، وإدارة كلينتون كانت في أيامها الأخيرة، ولم تتحول المبادرة إلى اتفاق نهائي.
وهنا يظهر أحد أهم دروس السياسة: الفرصة التي لا تُحسم في وقتها قد لا تبقى متاحة.
غادر كلينتون البيت الأبيض في يناير 2001، وخسر باراك الانتخابات بعد ذلك بأسابيع، وتصاعدت الانتفاضة الثانية، ودخل الصراع مرحلة جديدة من العنف وعدم الثقة.
وبعد سنوات، ظهرت فرصة أخرى في مفاوضات رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت مع الرئيس محمود عباس عام 2008. وطرح أولمرت تصوراً متقدماً لتسوية تقوم على دولة فلسطينية على معظم الضفة الغربية مع تبادل للأراضي وترتيبات بشأن القدس. لكن المفاوضات لم تتحول هي الأخرى إلى اتفاق نهائي، وانتهت المرحلة السياسية قبل الوصول إلى توقيع.
ثم وقع الخطأ الفلسطيني الأخطر: الانقسام الداخلي.
منذ عام 2007 أصبح الفلسطينيون أمام سلطتين ومشروعين سياسيين؛ السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وحماس في قطاع غزة. وأصبحت القضية التي تحتاج إلى قيادة واحدة وقرار واحد واستراتيجية واحدة موزعة بين رؤى متناقضة.
كيف أضاع الفلسطينيون فرص إقامة دولتهم؟
2026-09-03
207 مشاهدة
مقالات وآراء