صوت القضية/ تقرير – أ. سلفانا عزت – باحثة في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية، تحت اشراف د. مايسة خليل حسن، المدير التنفيذي لمركز الرؤية ومدير برنامج الدراسات الافريقية
الملخص
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الأدوار المتغيرة لكل من مصر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة في الأزمة السودانية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وذلك في ضوء التحولات التي شهدتها البيئة الإقليمية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن تباين مصالح القوى الإقليمية وأدواتها أسهم في إعادة تشكيل طبيعة التفاعلات المرتبطة بالأزمة السودانية، مع وجود قدر من التقاطع في الأهداف المتعلقة بالحفاظ على استقرار السودان ومنع امتداد تداعيات الصراع إلى الإقليم.
واعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي، إلى جانب أسلوب تحليل الأدوار والمقارنة بين السياسات الإقليمية للدول الثلاث، بالإستناد إلى الأدبيات الأكاديمية والتقارير الدولية والمصادر الرسمية.
وتناولت الدراسة تطور الأزمة السودانية، ثم حللت دوافع وأدوات وأهداف كل من مصر والسعودية والإمارات، وصولًا إلى إجراء تحليل مقارن لهذه الأدوار واستشراف السيناريوهات المستقبلية المحتملة.
وتوصلت الدراسة إلى أن الدور المصري ارتكز بصورة رئيسية على اعتبارات الأمن القومي والحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها، بينما تميز الدور السعودي بالتركيز على الوساطة السياسية وتوظيف النفوذ الإقتصادي لدعم جهود التسوية، في حين ارتبط الدور الإماراتي بمجموعة من الإعتبارات الإقتصادية والجيوسياسية، إلى جانب تأكيده على دعم الجهود الإنسانية والدبلوماسية. كما خلصت الدراسة إلى أن مستقبل الأزمة السودانية سيظل مرهونًا بمدى قدرة القوى الإقليمية على تعزيز التنسيق فيما بينها ودعم مسار سياسي شامل يحقق الإستقرار ويحافظ على وحدة السودان.
الكلمات المفتاحية: السودان، الأزمة السودانية، مصر، المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، البحر الأحمر، القرن الأفريقي، الأمن الإقليمي.
Abstract
This study examines the evolving roles of Egypt, Saudi Arabia, and the United Arab Emirates (UAE) in the Sudanese crisis following the outbreak of the armed conflict in April 2023, within the broader context of the changing regional environment in the Horn of Africa and the Red Sea. It is based on the assumption that the diversity of regional interests and policy instruments has reshaped the dynamics of the Sudanese crisis while maintaining a shared regional interest in preserving Sudan's stability and preventing the spillover of the conflict across the region.
The study employs a descriptive-analytical approach combined with comparative role analysis, drawing on academic literature, international reports, and official sources. It reviews the evolution of the Sudanese conflict, analyzes the objectives, motivations, and policy instruments of Egypt, Saudi Arabia, and the UAE, provides a comparative assessment of their regional roles, and explores possible future scenarios.
The findings indicate that Egypt's policy has primarily been driven by national security considerations and the preservation of Sudan's territorial integrity and state institutions. Saudi Arabia has focused on diplomatic mediation and the use of economic influence to support conflict resolution efforts, while the UAE's role has reflected broader geopolitical and economic interests alongside its emphasis on humanitarian assistance and diplomatic initiatives. The study concludes that the future trajectory of the Sudanese crisis will largely depend on the ability of regional actors to enhance coordination and support a comprehensive political settlement capable of restoring stability and preserving Sudan's unity.
الكلمات المفتاحية
Keywords: Sudan, Sudanese Crisis, Egypt, Saudi Arabia, United Arab Emirates, Red Sea, Horn of Africa, Regional Security.
مقدمة
شهد السودان منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023 واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في القارة الأفريقية خلال السنوات الأخيرة، إذ تجاوزت تداعياتها الإطار الداخلي لتتحول إلى أزمة إقليمية ذات أبعاد سياسية وأمنية واقتصادية وإنسانية متشابكة. وقد أدى استمرار العمليات العسكرية، واتساع رقعة المواجهات، وتفاقم الكارثة الإنسانية، إلى إعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، باعتبارها من أكثر المناطق حساسية بالنسبة للأمن الإقليمي والدولي.
وفي ظل هذه التطورات، برزت مجموعة من القوى الإقليمية بوصفها فاعلين رئيسيين في إدارة الأزمة السودانية، وفي مقدمتها جمهورية مصر العربية، والمملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، حيث سعت كل دولة إلى توظيف أدواتها السياسية والدبلوماسية والإقتصادية والأمنية بما يتوافق مع مصالحها الإستراتيجية ورؤيتها لمستقبل السودان والإقليم. وقد أظهرت الأزمة أن تباين أولويات هذه القوى لا ينفي وجود مساحة من المصالح المشتركة، خاصة فيما يتعلق بالحفاظ على استقرار السودان، وأمن البحر الأحمر، والحد من التداعيات الأمنية والإنسانية للصراع، وإن اختلفت آليات التحرك وأدوات التأثير بين كل دولة وأخرى.
وتكتسب دراسة الأدوار الإقليمية في الأزمة السودانية أهمية خاصة، نظرًا لما تكشفه من طبيعة التحولات التي يشهدها النظام الإقليمي في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، حيث لم تعد أدوات النفوذ تقتصر على الوسائل العسكرية أو السياسية التقليدية، بل أصبحت تشمل أدوات القوة الإقتصادية، والإستثمارات، والوساطة الدبلوماسية، والمساعدات الإنسانية، بما يعكس تحولًا في أنماط التفاعل الإقليمي وإدارة الأزمات. كما تمثل الأزمة السودانية نموذجًا واضحًا لتداخل الإعتبارات الداخلية مع التنافس الإقليمي والدولي، وما يترتب على ذلك من تأثيرات مباشرة في الأمن الإقليمي وتوازنات القوى.
وانطلاقًا من ذلك، تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الأدوار المتغيرة لكل من مصر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة في الأزمة السودانية، من خلال الوقوف على دوافع هذه الأدوار، وأدواتها، وأهدافها، وتحليل أوجه التشابه والإختلاف بينها، فضلًا عن استشراف السيناريوهات المستقبلية المحتملة لتطور الدور الإقليمي في ضوء استمرار الحرب أو التوصل إلى تسوية سياسية. وتعتمد الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي، مدعومًا بالتحليل المقارن، من أجل تفسير طبيعة التفاعلات الإقليمية المرتبطة بالأزمة السودانية، وتقييم انعكاساتها على مستقبل السودان وعلى البيئة الأمنية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
أولًا: تطور الصراع السوداني وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية
أدى اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023 إلى انتقال الأزمة من كونها أزمة سياسية داخلية إلى صراع مسلح واسع النطاق أعاد تشكيل البيئة الأمنية والإقليمية في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر. ومع اتساع رقعة العمليات العسكرية وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، أصبحت الأزمة السودانية أحد أبرز ملفات الأمن الإقليمي، نظرًا لما تفرضه من تحديات تتعلق بالإستقرار السياسي، والهجرة القسرية، وأمن الحدود، وحركة التجارة الدولية عبر البحر الأحمر.
وفقًا للهيئة العامة للإستعلامات (2025)، بدأت الأزمة السودانية في التحول إلى حرب شاملة منذ اندلاع الإشتباكات بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، وسرعان ما اتسعت رقعة القتال لتشمل العاصمة الخرطوم وعددًا من الولايات، ولا سيما إقليم دارفور وولاية كردفان. وخلال عام 2024 شهدت العمليات العسكرية تطورات بارزة، من بينها استعادة الجيش السوداني مقر هيئة الإذاعة والتلفزيون في أم درمان في مارس 2024، وامتداد القتال إلى ولاية القضارف في أبريل من العام نفسه. ومع استمرار المواجهات خلال عامي 2024 و2025، انقسمت مناطق النفوذ بين طرفي الصراع؛ إذ بسطت قوات الدعم السريع سيطرتها على أجزاء واسعة من دارفور ومناطق في كردفان والخرطوم، بينما احتفظ الجيش السوداني بالمناطق الشمالية والشرقية، بما في ذلك مدينة بورتسودان. وأدى استمرار الحرب إلى انهيار الخدمات الأساسية وتعطل مؤسسات الدولة، وتفاقم الأزمة الإنسانية مع نزوح ملايين المواطنين داخل السودان وخارجه، في ظل تعثر جهود الوساطة الإقليمية والدولية، بما فيها مباحثات جدة، وجهود الهيئة الحكومية للتنمية (الإيغاد)، والأمم المتحدة، في التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار (الهيئة العامة للاستعلامات، 2025).
وفي ظل هذا التصعيد، لم تعد الأزمة السودانية محكومة بالعوامل الداخلية فقط، وإنما أصبحت جزءًا من شبكة معقدة من التفاعلات الإقليمية والدولية التي تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي والمصالح الجيوسياسية والتنافس على النفوذ في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
وتشير عبد الفتاح (2025) إلى أن تطورات الأزمة السودانية لم تعد محكومة بالعوامل الداخلية فقط، وإنما أصبحت مرتبطة بتفاعلات القوى الإقليمية والدولية وتوازن مصالحها. فقد تعاملت الولايات المتحدة مع الأزمة باعتبارها إحدى القضايا المؤثرة في أمن منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، مع التركيز على استخدام أدوات الضغط الدبلوماسي والإقتصادي، وفي مقدمتها العقوبات على الأطراف المعرقلة لجهود السلام، إلى جانب تقديم المساعدات الإنسانية ودعم المبادرات الرامية إلى حماية المدنيين. كما ارتبطت السياسة الأمريكية بمحاولة الحد من تنامي النفوذ الروسي والصيني في السودان من خلال دعم مسار الإنتقال المدني وتعزيز التعاون مع الحلفاء الإقليميين، بما يعكس تداخل الإعتبارات الجيوسياسية مع الأهداف الإنسانية (عبد الفتاح، 2025).
وتكشف هذه التطورات أن الحرب السودانية تجاوزت حدودها الوطنية، لتصبح ساحة لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، وهو ما انعكس بصورة واضحة على طبيعة أدوار الفاعلين الإقليميين، وفي مقدمتهم مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، التي تعاملت مع الأزمة وفق اعتبارات أمنية وسياسية واستراتيجية متباينة، وإن التقت في أهمية الحفاظ على استقرار السودان ومنع انهيار مؤسسات الدولة.
ثانيًا: الأدوار المتغيرة لمصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في ظل الحرب السودانية
● الدور المصري
ارتبط الموقف المصري من الأزمة السودانية باعتبارات الأمن القومي، انطلاقًا من خصوصية العلاقات التاريخية والجغرافية بين البلدين، وما يفرضه استقرار السودان من انعكاسات مباشرة على أمن الحدود الجنوبية المصرية، وإدارة تدفقات اللاجئين، وأمن البحر الأحمر، فضلًا عن ارتباط الأزمة السودانية بعدد من الملفات الإقليمية، وعلى رأسها قضية سد النهضة الإثيوبي. ومن ثم، تبنت القاهرة سياسة تقوم على دعم مؤسسات الدولة السودانية، والحفاظ على وحدة أراضيها، ورفض أي مسارات قد تؤدي إلى تفكك الدولة أو إطالة أمد الصراع.
وتشير مجدي (2023) إلى أن السياسة المصرية تجاه الأزمة السودانية منذ اندلاع القتال اتسمت بالتركيز على الحفاظ على وحدة السودان ودعم جهود وقف إطلاق النار، مع استمرار التواصل مع مختلف الفاعلين السودانيين، في الوقت الذي استندت فيه القاهرة إلى اعتبارات الأمن القومي، باعتبار استقرار السودان جزءًا من استقرار مصر والمنطقة (مجدى 2023).
كما توضح مجدي (2023) أن مصر حاولت توظيف أدواتها الدبلوماسية من خلال طرح مبادرات للحوار والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية، مع التأكيد على أهمية الوصول إلى تسوية سياسية شاملة تحفظ مؤسسات الدولة السودانية وتحد من تداعيات الصراع على دول الجوار.
وفي هذا السياق، تشير المناقشات التي تناولت تطورات الأزمة السودانية إلى تنامي الدور المصري في إدارة التفاعلات الإقليمية المرتبطة بالحرب، سواء من خلال التنسيق مع القوى العربية والدولية، أو عبر المشاركة في المبادرات الدبلوماسية الرامية إلى احتواء الأزمة. وفي هذا الإطار، أشار حسن (2026) إلى أن زيارة وزير الخارجية السعودي إلى إثيوبيا تناولت عددًا من الملفات الإقليمية ذات الصلة، من بينها العلاقات الإثيوبية مع بعض الأطراف الإقليمية، وتطورات الأوضاع في السودان، فضلًا عن ملف سد النهضة، حيث سعت المملكة العربية السعودية، وفقًا لما ورد، إلى تشجيع الجانب الإثيوبي على مراعاة المخاوف المصرية المرتبطة بالسد.
كما تناولت المناقشات تقارير إعلامية أشارت إلى مزاعم بشأن وجود معسكرات داخل إثيوبيا لتدريب عناصر من قوات الدعم السريع، مع التأكيد على أن هذه المعلومات تظل في إطار ما أوردته وسائل الإعلام، ولم يصدر بشأنها تأكيد رسمي. كذلك أُثيرت تقارير إعلامية، من بينها ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز، بشأن انطلاق طائرات مسيّرة تركية من الأراضي المصرية لإستهداف قوات الدعم السريع، مع الإشارة إلى عدم صدور أي تأكيد رسمي من الجانبين المصري أو التركي بشأن تلك المعلومات (حسن، 2026).
وترى عبد الفتاح (2025) أن المقاربة المصرية استندت إلى اعتبارات الأمن القومي، انطلاقًا من الروابط التاريخية والجغرافية التي تجعل استقرار السودان جزءًا من استقرار مصر. لذلك ركزت القاهرة على دعم وحدة الدولة السودانية والحفاظ على مؤسساتها الوطنية، ورفض التدخلات الخارجية، مع توظيف أدواتها الدبلوماسية عبر مبادرة دول جوار السودان، وتعزيز التنسيق مع الإتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية، ودعم المبادرات الرامية إلى وقف إطلاق النار وإطلاق حوار سياسي شامل بين الأطراف السودانية.
كما توضح عبد الفتاح (2025) أن الدور المصري امتد إلى البعدين الأمني والإنساني، حيث أولت القاهرة اهتمامًا بتأمين حدودها الجنوبية والحد من التداعيات الأمنية والإنسانية للأزمة، إلى جانب استقبال اللاجئين السودانيين، وتقديم المساعدات الإنسانية، ودعم جهود إعادة الإعمار وتعزيز التعاون الإقتصادي مع السودان، بما يسهم في ترسيخ الإستقرار الإقليمي.
وتعكس هذه التطورات أن الدور المصري لم يعد يقتصر على متابعة تطورات الأزمة من منظور أمني، وإنما أصبح جزءًا من شبكة أوسع من التفاعلات الإقليمية التي تتقاطع فيها اعتبارات الأمن القومي مع توازنات البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وهو ما أدى إلى اتساع نطاق التحرك الدبلوماسي المصري في إطار التنسيق مع القوى الإقليمية والدولية المعنية بالأزمة.
#● الدور السعودي
شهد الدور السعودي في القرن الأفريقي تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقلت المملكة من نمط العلاقات التقليدية إلى تبني استراتيجية أكثر شمولًا تقوم على تعزيز حضورها السياسي والأمني والإقتصادي في المنطقة. وقد استند هذا التوجه إلى إدراك الأهمية الجيوسياسية للقرن الأفريقي بوصفه امتدادًا مباشرًا للأمن القومي السعودي، ولا سيما في ظل ارتباطه بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة الدولية (زبير، 2024).
وفي هذا الإطار، كثّفت المملكة شراكاتها مع دول القرن الأفريقي، وعملت على توسيع استثماراتها في مجالات الموانئ والبنية التحتية والطاقة والأمن الغذائي، إلى جانب دعم التعاون الأمني والدفاعي، بما يعزز استقرار المنطقة ويحمي المصالح السعودية. كما اضطلعت بدور دبلوماسي بارز في تسوية عدد من النزاعات الإقليمية، وكان من أبرز مظاهر هذا الدور رعاية اتفاق السلام بين إثيوبيا وإريتريا عام 2018، وهو ما أسهم في ترسيخ مكانة المملكة كفاعل إقليمي مؤثر وقوة داعمة للإستقرار الإقليمي (زبير، 2024).
وتعكس هذه التحركات توجهًا سعوديًا متزايدًا نحو ترسيخ النفوذ في القرن الأفريقي من خلال توظيف أدوات القوة الإقتصادية والدبلوماسية والأمنية بصورة متكاملة، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى تعزيز الحضور السعودي في محيطها الإقليمي، وتأمين المصالح الإستراتيجية للمملكة في البحر الأحمر والقارة الأفريقية، مع بناء شراكات طويلة الأمد تدعم الأمن والتنمية الإقليميين (زبير، 2024).
ويرتبط الإنخراط السعودي في السودان ومنطقة القرن الأفريقي بمجموعة من الإعتبارات الإستراتيجية التي تتجاوز البعد السياسي المباشر، إذ تسعى المملكة، في إطار مستهدفات رؤية 2030، إلى تعزيز أمنها الغذائي من خلال التوسع في الإستثمارات الزراعية، وتدعيم حضورها الجيوسياسي في منطقة البحر الأحمر، فضلًا عن موازنة النفوذ المتنامي للقوى الإقليمية والدولية، وعلى رأسها الإمارات والصين. وفي هذا السياق، يمثل السودان أحد أهم مجالات التحرك السعودي، لما يتمتع به من موقع جغرافي استراتيجي وموارد اقتصادية وزراعية تسهم في تحقيق المصالح الإستراتيجية للمملكة (الغنام، 2025).
وفي ضوء هذه المصالح، تمتلك المملكة العربية السعودية أدوات تأثير اقتصادي تمنحها قدرة على ممارسة ضغوط غير مباشرة على أطراف الصراع، من خلال توظيف الإستثمارات، والمساعدات الإقتصادية، والعلاقات التجارية لدعم جهود الوساطة والتسوية السياسية.
ويشير الغنام (2025) إلى أن هذا النفوذ الإقتصادي يمثل أحد أهم أدوات القوة الناعمة السعودية، إذ يُستخدم لتعزيز الإستقرار الإقليمي، وحماية أمن البحر الأحمر، وتهيئة بيئة مواتية لإستمرار المشروعات الإقتصادية والإستثمارية في السودان ومنطقة القرن الأفريقي.
وبرزت المملكة العربية السعودية بوصفها أحد أبرز الفاعلين الإقليميين في إدارة الأزمة السودانية، مستندة إلى ثقلها السياسي والإقليمي، وإلى ارتباط استقرار السودان بأمن البحر الأحمر والممرات البحرية الدولية. وقد انعكس ذلك في تبني الرياض سياسة تركز على الوساطة السياسية، واحتواء التصعيد العسكري، ودعم الجهود الدولية الرامية إلى وقف إطلاق النار، مع الحرص على الحفاظ على وحدة الدولة السودانية واستقرارها.
وتشير الأدبيات إلى أن الدور السعودي شهد تطورًا ملحوظًا منذ اندلاع الحرب، حيث انتقلت المملكة من متابعة تطورات الأزمة إلى القيام بدور الوسيط الإقليمي، من خلال استضافة جولات الحوار بين أطراف النزاع، والمشاركة في المبادرات الدولية والإقليمية الهادفة إلى التوصل إلى هدنة إنسانية تمهد لإستئناف العملية السياسية. كما ارتبط هذا التحرك بإدراك المملكة لأهمية استقرار السودان في حماية أمن البحر الأحمر، وضمان أمن الملاحة الدولية، والحد من انتقال تداعيات الصراع إلى محيطه الإقليمي (عبد الجواد، 2026؛ International Crisis Group، 2025).
كما اتسع الدور السعودي ليشمل التنسيق مع عدد من القوى الإقليمية، وفي مقدمتها مصر، بما يعكس تقاربًا في الرؤى بشأن ضرورة الحفاظ على وحدة السودان، ومنع تحول الأزمة إلى مصدر دائم لعدم الإستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
ورغم أن Roll (2023) لا يتناول الأزمة السودانية بصورة مباشرة، فإنه يكشف عن تحول جوهري في أدوات النفوذ السعودي على المستوى الإقليمي، يتمثل في الإنتقال من الإعتماد على المساعدات المالية غير المشروطة إلى توظيف الإستثمارات والدعم الإقتصادي بوصفها أدوات للتأثير السياسي وتحقيق أهداف السياسة الخارجية. ويشير هذا التحول إلى أن المملكة باتت تربط توظيف مواردها الإقتصادية بدرجة أكبر بتحقيق الإستقرار والإلتزام بالترتيبات السياسية والأمنية، بما يجعل الأدوات الإقتصادية وسيلة ضغط غير مباشرة لتوجيه سلوك الأطراف الفاعلة. وفي هذا السياق، يساعد هذا الإطار التحليلي على تفسير النهج السعودي في التعامل مع الأزمة السودانية، حيث لم يقتصر الدور السعودي على جهود الوساطة الدبلوماسية، بل ارتكز أيضًا على توظيف النفوذ الإقتصادي والإستثماري لدعم مسارات التسوية والإستقرار، بما ينسجم مع أولويات المملكة في حماية أمن البحر الأحمر وتعزيز نفوذها الإقليمي (Roll, 2023).
● الدور الإماراتي
مثلت دولة الإمارات العربية المتحدة أحد أبرز الفاعلين الإقليميين في التفاعلات المرتبطة بالأزمة السودانية، في ظل ما تمتلكه من مصالح استراتيجية واقتصادية في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وقد أدى ذلك إلى تصاعد الإهتمام الدولي والإعلامي بدورها في الأزمة، خاصة في ضوء الإتهامات التي تداولتها بعض التقارير الدولية بشأن طبيعة علاقاتها بأطراف النزاع، في مقابل تأكيد الإمارات أن سياستها تستند إلى دعم الحلول السياسية، وتقديم المساعدات الإنسانية، والمشاركة في الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب (International Crisis Group، 2025).
وفي هذا السياق، تؤكد دولة الإمارات العربية المتحدة أن مقاربتها للأزمة السودانية ترتكز على ثلاثة مسارات رئيسة، تتمثل في دعم الإستجابة الإنسانية، والمشاركة في الجهود الدبلوماسية الرامية إلى وقف إطلاق النار، ودعم عملية سياسية شاملة تقود إلى انتقال مدني. وأوضحت أنها واصلت تقديم المساعدات الإنسانية، بما يشمل المساعدات الغذائية والطبية ومواد الإيواء، إلى جانب دعم برامج الإغاثة والرعاية الصحية، كما أعلنت عن تخصيص 550 مليون دولار أمريكي لدعم الإستجابة الإنسانية العالمية لعام 2026، مؤكدة أن جميع مساعداتها ذات طبيعة مدنية وإنسانية وتهدف إلى التخفيف من معاناة المتضررين من النزاعات والأزمات (سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة، 2025).
وعلى الصعيد السياسي، أوضحت الإمارات أنها، بصفتها عضوًا في مجموعة الحوار الرباعي إلى جانب الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر، تؤيد التوصل إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، باعتباره مدخلًا لوقف دائم للأعمال القتالية وإطلاق عملية انتقال سياسي بقيادة مدنية تستجيب لتطلعات الشعب السوداني. كما شددت على أن مستقبل السودان ينبغي أن يحدده السودانيون أنفسهم من خلال مؤسسات مدنية مستقلة، مع التأكيد على أهمية توحيد الجهود الإقليمية والدولية لدعم الإستقرار ومنع تفاقم الأزمة الإنسانية (سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة، 2025).
وفيما يتعلق بالإتهامات المرتبطة بدورها في النزاع، أكدت الحكومة الإماراتية رفضها لهذه المزاعم، مشيرة إلى أن تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة الصادر في أبريل 2025 لم يتضمن، وفقًا لروايتها الرسمية، أدلة موثقة تثبت تقديم دعم عسكري لأي من أطراف الصراع، مؤكدة أن سياستها تقوم على دعم الحلول السلمية، والحفاظ على وحدة السودان، والحد من التداعيات الأمنية والإنسانية للحرب (سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة، 2025).
وفي المقابل، تشير الأدبيات البحثية إلى أن فهم الدور الإماراتي في السودان يتطلب النظر إليه في إطار اعتبارات استراتيجية أوسع تتجاوز البعد الإنساني والدبلوماسي. فالسودان يمثل بالنسبة للإمارات أهمية جيوسياسية واقتصادية متزايدة، نظرًا لموقعه على البحر الأحمر، وما يوفره من فرص لتعزيز النفوذ في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، فضلًا عن امتلاكه موارد طبيعية كبيرة، وفي مقدمتها الذهب، إلى جانب الأراضي الزراعية الواسعة التي تشكل ركيزة مهمة لإستراتيجية الأمن الغذائي الإماراتية. كما ترتبط هذه المصالح بسعي أبوظبي إلى توسيع حضورها في القرن الأفريقي وتعزيز مكانتها كفاعل إقليمي مؤثر، في ظل المنافسة المتزايدة مع قوى إقليمية أخرى، من بينها مصر والسعودية وتركيا (الحريري، 2025).
● الدوافع الاستراتيجية للإمارات في دعم قوات الدعم السريع
يرى عدد من الباحثين أن الإنخراط الإماراتي في الأزمة السودانية لا يمكن تفسيره باعتباره انحيازًا لطرف عسكري بعينه، وإنما يرتبط بمجموعة من الدوافع الإستراتيجية والإقتصادية والجيوسياسية. فقد شكّل السودان، بما يمتلكه من موقع استراتيجي على البحر الأحمر وموارد طبيعية ضخمة، ولا سيما الذهب والأراضي الزراعية، أحد أهم مجالات التمدد الإقتصادي الإماراتي في القارة الأفريقية. وفي هذا السياق، تشير الأدبيات إلى أن العلاقة الوثيقة التي جمعت الإمارات بقيادات قوات الدعم السريع وفرت لأبوظبي شريكًا محليًا قادرًا على حماية هذه المصالح وتعزيزها، بما يضمن استمرار نفوذها في قطاعات التعدين والإستثمار الزراعي ومشروعات البنية التحتية والموانئ، إلى جانب تعزيز حضورها في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي (الحريري، 2025).
وفي ضوء هذه الإعتبارات، ترى الأدبيات أن العلاقة التي طورتها الإمارات مع قوات الدعم السريع يمكن فهمها في إطار السعي إلى حماية هذه المصالح الإستراتيجية والحفاظ على قنوات نفوذ داخل السودان في ظل حالة السيولة السياسية والعسكرية التي تشهدها البلاد. فقد أشارت عدة تقارير ودراسات إلى أن قوات الدعم السريع تمتلك نفوذًا واسعًا في مناطق إنتاج الذهب، فضلًا عن سيطرتها على أجزاء من غرب السودان، الأمر الذي جعلها فاعلًا رئيسيًا في المعادلة السياسية والإقتصادية. ومن ثم، يمكن تفسير الإنخراط الإماراتي مع هذه القوات باعتباره محاولة للحفاظ على المصالح الإقتصادية والجيوسياسية للإمارات، وضمان استمرار حضورها في السودان، أكثر من كونه انحيازًا يستند إلى اعتبارات أيديولوجية أو سياسية داخلية (الحريري، 2025).
كما يرتبط هذا التوجه برغبة الإمارات في ترسيخ مكانتها كفاعل إقليمي مؤثر في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في ظل التنافس المتزايد بين القوى الإقليمية والدولية على الممرات البحرية وسلاسل الإمداد العالمية. ومن ثم، فإن دعمها لقوات الدعم السريع يُفسر في الأدبيات باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع تستهدف حماية شبكة مصالحها الإقتصادية والجيوسياسية، وليس مجرد موقف مرتبط بمجريات الصراع الداخلي السوداني (الحريري، 2025).
● التنافس على موانئ البحر الأحمر
يُعد البحر الأحمر أحد أهم محددات السياسة الإماراتية تجاه السودان، إذ تنظر أبوظبي إلى الموانئ السودانية باعتبارها حلقة رئيسية في شبكة الموانئ والإستثمارات اللوجستية التي تعمل على تطويرها عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وتشير الأدبيات إلى أن اهتمام الإمارات بتطوير وإدارة عدد من الموانئ السودانية، إلى جانب استثماراتها في مشروعات النقل والبنية التحتية، يعكس سعيها إلى تعزيز نفوذها في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، بما يخدم مصالحها التجارية والأمنية ويعزز مكانتها كمركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية. ومن ثم، أصبحت السيطرة على المنافذ البحرية وحماية الإستثمارات المرتبطة بها أحد المحددات الأساسية لفهم السياسة الإماراتية تجاه السودان (الحريري، 2025).
كما توضح الأدبيات أن هذا التوجه يندرج ضمن استراتيجية إماراتية أوسع تستهدف ترسيخ النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي من خلال توظيف الأدوات الإقتصادية والإستثمارية، وبناء شبكات من العلاقات مع الفاعلين المؤثرين داخل الدول محل الاهتمام. وفي هذا السياق، يصبح السودان إحدى الساحات الرئيسية التي تسعى الإمارات من خلالها إلى تأمين مصالحها التجارية والإقتصادية، وتعزيز قدرتها على التأثير في موازين القوى الإقليمية، بما يتجاوز حدود الأزمة السودانية ذاتها (الحريري، 2025).
● تأثير الدور الإماراتي على العلاقة مع مصر والسعودية
أدى اختلاف مقاربات إدارة الأزمة السودانية إلى ظهور تباين نسبي في أولويات كل من الإمارات ومصر والسعودية. ففي حين ركزت القاهرة على دعم مؤسسات الدولة السودانية والحفاظ على وحدة الجيش، وانخرطت الرياض بصورة رئيسية في جهود الوساطة السياسية ووقف إطلاق النار، ارتبطت السياسة الإماراتية بعلاقات أكثر وثوقًا مع قوات الدعم السريع، الأمر الذي أوجد تباينًا في أدوات التعامل مع الأزمة. ومع ذلك، لم يتحول هذا الإختلاف إلى صدام مباشر بين الدول الثلاث، إذ استمرت محاولات التنسيق عبر المبادرات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها إعلان جدة، انطلاقًا من إدراك مشترك بأن استمرار الحرب يمثل تهديدًا لأمن البحر الأحمر واستقرار الإقليم بأكمله.
بعد استعراض طبيعة الدور الذي اضطلعت به كل من مصر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة في الأزمة السودانية، يصبح من الضروري إجراء تحليل مقارن لهذه الأدوار، بهدف الوقوف على أوجه الإتفاق والإختلاف في الدوافع والأدوات والأهداف، وتقييم مدى تأثيرها في مسار الأزمة ومستقبل التفاعلات الإقليمية.
ثالثاً: تحليل مقارن للأدوار الإقليمية : مصر و السعودية و الإمارات فى الأزمة السودانية
تكشف الأدبيات أن أدوار كل من مصر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة تجاه الأزمة السودانية انطلقت من إدراك مشترك للأهمية الإستراتيجية للسودان بالنسبة لأمن البحر الأحمر واستقرار القرن الأفريقي، إلا أن أدوات التدخل وأولويات كل دولة اختلفت وفقًا لمصالحها القومية وطبيعة نفوذها الإقليمي. وعلى الرغم من وجود هدف عام يتمثل في منع انهيار الدولة السودانية والحد من تداعيات الحرب، فإن مسارات التحرك اتخذت أنماطًا مختلفة عكست تباينًا في الأولويات السياسية والأمنية والإقتصادية.
فقد اتسم الدور المصري بتركيز واضح على اعتبارات الأمن القومي المباشر، حيث نظرت القاهرة إلى استقرار السودان باعتباره امتدادًا لأمنها الوطني، نظرًا لطول الحدود المشتركة، وارتباط البلدين بملف مياه النيل، وتأثير الأزمة على أمن البحر الأحمر وتدفقات اللاجئين. لذلك انصب اهتمامها على دعم مؤسسات الدولة السودانية، والحفاظ على وحدة الجيش، ورفض أي ترتيبات قد تؤدي إلى تقسيم السودان أو إضعاف مؤسساته، مع توظيف أدواتها الدبلوماسية عبر مبادرة دول جوار السودان، والتنسيق مع الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، ودعم جهود وقف إطلاق النار والتسوية السياسية (مجدي، 2023؛ عبد الفتاح، 2025).
أما المملكة العربية السعودية، فقد ارتبط دورها بدرجة أكبر بوظيفتها كوسيط إقليمي، مستفيدة من ثقلها السياسي وعلاقاتها المتوازنة مع الأطراف المختلفة. وركزت الرياض على استضافة جولات التفاوض، ورعاية المبادرات الدولية، وعلى رأسها محادثات جدة، بما يعكس اهتمامها بالحفاظ على أمن البحر الأحمر وضمان أمن الملاحة الدولية، إلى جانب توظيف نفوذها الإقتصادي والإستثماري لدعم جهود الوساطة والتسوية السياسية. كما يعكس التحول في السياسة الخارجية السعودية اعتماد أدوات اقتصادية ودبلوماسية بصورة متكاملة لتعزيز الإستقرار الإقليمي، بما يتسق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 .(Roll, 2023؛ الغنام، 2025؛ عبد الجواد، 2026).
وفي المقابل، تميز الدور الإماراتي بارتباطه بصورة أوثق بالإعتبارات الإقتصادية والجيوسياسية، إذ أولت أبوظبي اهتمامًا خاصًا بتعزيز حضورها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وحماية استثماراتها في قطاعات الموانئ والتعدين والزراعة. وفي الوقت الذي تؤكد فيه الإمارات أن سياستها تقوم على دعم المساعدات الإنسانية، ووقف إطلاق النار، والإنتقال السياسي، تشير الأدبيات إلى أن انخراطها في الأزمة يرتبط كذلك بالسعي إلى الحفاظ على نفوذها الإقليمي وتأمين مصالحها الإقتصادية طويلة المدى، خاصة في ظل المنافسة الإقليمية على الموانئ والممرات البحرية وموارد السودان الطبيعية. (International Crisis Group، 2025؛ الحريري، 2025).
وتُظهر المقارنة بين الأدوار الثلاثة أن مصر اعتمدت بصورة رئيسية على منطق حماية الأمن القومي والدولة الوطنية، بينما ركزت السعودية على توظيف الوساطة الدبلوماسية والنفوذ الإقتصادي لدعم مسارات التسوية، في حين مزجت الإمارات بين الأدوات الإنسانية والدبلوماسية من جهة، والإعتبارات الإقتصادية والجيوسياسية من جهة أخرى. ويعكس هذا التباين اختلاف أولويات كل دولة، دون أن يمنع وجود مساحة من التنسيق الإقليمي في القضايا المتعلقة بوقف إطلاق النار والحفاظ على استقرار السودان.
وعلى الرغم من اختلاف أدوات التحرك، فإن الأدبيات تشير إلى وجود قدر من التكامل النسبي بين هذه الأدوار؛ فمصر وفرت الزخم السياسي المرتبط بالحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، والسعودية اضطلعت بدور الوسيط الإقليمي في المفاوضات، بينما أسهمت الإمارات في الجهود الإنسانية والدبلوماسية، مع استمرار سعيها لحماية مصالحها الإقتصادية والإستراتيجية. غير أن استمرار تباين الأولويات بين هذه القوى قد يحد من فاعلية الجهود الإقليمية إذا لم يقترن بمزيد من التنسيق السياسي وتوحيد الرؤى بشأن مستقبل السودان.
وانطلاقًا من التحليل السابق للأدوار الإقليمية، وما كشف عنه من تباين في أولويات الفاعلين الإقليميين وتقاطعات مصالحهم، يمكن استشراف عدد من السيناريوهات المحتملة لمستقبل الدور الإقليمي في الأزمة السودانية، في ضوء استمرار الحرب أو نجاح جهود التسوية أو تطور أنماط التنسيق بين القوى الإقليمية.
● السيناريوهات المستقبلية للدور الإقليمي في الأزمة السودانية
يفترض هذا السيناريو استمرار العمليات العسكرية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، مع تعثر الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى التوصل لوقف دائم لإطلاق النار. وفي ظل هذا الوضع، يتوقع استمرار انخراط القوى الإقليمية، وعلى رأسها مصر والسعودية والإمارات، في إدارة الأزمة بما يتوافق مع مصالحها الإستراتيجية. فمن المرجح أن تواصل مصر دعم مؤسسات الدولة السودانية والحفاظ على وحدة الجيش، بينما تستمر السعودية في جهود الوساطة السياسية والإنسانية، في حين تحافظ الإمارات على أدوات نفوذها الإقتصادية والسياسية داخل السودان بما يضمن حماية مصالحها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ويؤدي استمرار هذا السيناريو إلى إطالة أمد الأزمة الإنسانية، وزيادة الضغوط على دول الجوار، وارتفاع مخاطر عدم الإستقرار في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
● سيناريو التسوية السياسية
يقوم هذا السيناريو على نجاح الجهود الإقليمية والدولية في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، يعقبه إطلاق عملية سياسية شاملة تؤدي إلى تشكيل حكومة انتقالية مدنية وإعادة بناء مؤسسات الدولة السودانية. وفي هذا الإطار، يمكن أن تلعب السعودية دورًا محوريًا في رعاية المفاوضات، مع استمرار الدعم المصري للحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية، في حين تتجه الإمارات إلى توظيف استثماراتها وأدواتها الإقتصادية لدعم جهود إعادة الإعمار وتحقيق الإستقرار.
● سيناريو إعادة التوازن الإقليمي
يفترض هذا السيناريو استمرار التنافس بين القوى الإقليمية، مع اتجاهها نحو إعادة صياغة تفاهمات جديدة تقلل من حدة الخلافات بشأن الملف السوداني. وقد يدفع إدراك مصر والسعودية والإمارات للمخاطر المترتبة على استمرار الصراع إلى تعزيز مستويات التنسيق فيما بينها، انطلاقًا من المصالح المشتركة المرتبطة بأمن البحر الأحمر، ومنع انهيار الدولة السودانية، والحد من تمدد القوى الإقليمية والدولية المنافسة. وفي حال تحقق هذا السيناريو، قد تتحول الأزمة السودانية من ساحة للتنافس الإقليمي إلى مجال للتنسيق المشترك، بما يتيح فرصًا أكبر لدعم التسوية السياسية وتحقيق قدر من الإستقرار الإقليمي.
● السيناريو المرجح
في ضوء المعطيات الراهنة، يبدو أن سيناريو إعادة التوازن الإقليمي هو الأكثر ترجيحًا، وإن كان بصورة تدريجية وليس من خلال تسوية شاملة وسريعة. فرغم استمرار التباين في أولويات كل من مصر والسعودية والإمارات تجاه الأزمة السودانية، فإن هناك إدراكًا متزايدًا لدى هذه الدول بأن استمرار الحرب يهدد الأمن الإقليمي، ويؤثر سلبًا في أمن البحر الأحمر، ويزيد من مخاطر انتشار الجماعات المسلحة وتفاقم الأزمة الإنسانية، فضلًا عن إتاحة المجال لتوسع نفوذ قوى إقليمية ودولية أخرى داخل السودان.
كما تشير التطورات الأخيرة إلى استمرار قنوات التنسيق بين الأطراف الإقليمية، سواء عبر المبادرات الدبلوماسية، أو من خلال الأطر متعددة الأطراف، بما يعكس وجود مصلحة مشتركة في احتواء الصراع ومنع انهيار الدولة السودانية، حتى مع استمرار اختلاف أدوات التعامل مع أطراف النزاع. ومن ثم، فمن المرجح أن تتجه القوى الإقليمية إلى تعزيز التنسيق فيما بينها، مع استمرار الضغوط السياسية والدبلوماسية لدفع الأطراف السودانية نحو تسوية تدريجية، دون أن يعني ذلك انتهاء التنافس الإقليمي بصورة كاملة.
وبناءً على ذلك، يتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة استمرار الجهود الرامية إلى تحقيق توازن بين حماية المصالح الإستراتيجية للدول الإقليمية والحفاظ على وحدة السودان واستقراره، بما يجعل إعادة التوازن الإقليمي الإطار الأكثر واقعية لإدارة الأزمة خلال المدى المنظور.
خاتمة
يتضح مما سبق أن الأزمة السودانية لم تعد تمثل نزاعًا داخليًا فحسب، وإنما تحولت إلى إحدى أهم القضايا المؤثرة في معادلات الأمن الإقليمي بمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، نتيجة تشابك العوامل الداخلية مع المصالح الإقليمية والدولية. وقد أدى هذا التشابك إلى تنامي أدوار القوى الإقليمية، وفي مقدمتها مصر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، التي تعاملت مع الأزمة وفق أولويات وأدوات مختلفة، وإن اشتركت جميعها في السعي إلى الحد من تداعيات الصراع والحفاظ على استقرار السودان بدرجات متفاوتة.
وأظهرت الدراسة أن الدور المصري انطلق بالأساس من اعتبارات الأمن القومي والحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها، بينما ارتكز الدور السعودي على توظيف الوساطة السياسية والنفوذ الإقتصادي لدعم جهود التسوية والإستقرار، في حين جمع الدور الإماراتي بين الأبعاد الإنسانية والدبلوماسية من ناحية، والإعتبارات الإقتصادية والجيوسياسية المرتبطة بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي من ناحية أخرى. كما كشفت المقارنة بين هذه الأدوار عن وجود تباين في أدوات التحرك وأولوياته، دون أن ينفي ذلك وجود مصالح مشتركة تدفع نحو استمرار التنسيق في بعض الملفات المرتبطة بالأزمة.
كما أوضح استشراف السيناريوهات المستقبلية أن مسار الأزمة سيظل مرتبطًا بمدى نجاح الجهود الإقليمية والدولية في تقليص فجوة التباين بين القوى الفاعلة، ودفع الأطراف السودانية نحو تسوية سياسية مستدامة. ورغم استمرار التنافس الإقليمي، فإن المؤشرات الراهنة ترجح اتساع مساحات التنسيق بين الفاعلين الإقليميين، انطلاقًا من إدراكهم للمخاطر التي يمثلها استمرار الحرب على أمن البحر الأحمر، واستقرار القرن الأفريقي، والمصالح الإستراتيجية المشتركة.
وعليه، فإن مستقبل الأزمة السودانية لن يتحدد فقط بموازين القوى الداخلية، وإنما سيتأثر كذلك بطبيعة التفاعلات الإقليمية، ومدى قدرة القوى المؤثرة على التنسيق بين حماية مصالحها الإستراتيجية ودعم مسار سياسي شامل يحافظ على وحدة السودان وسيادته، ويهيئ الظروف اللازمة لتحقيق الأمن والإستقرار في الإقليم.
قائمة المراجع
المراجع العربية
الهيئة العامة للاستعلامات. (2025، 4 ديسمبر). الأزمة السودانية: محطات رئيسية. https://sis.gov.eg/ar/علاقات-دولية/قضايا/الأزمة-السودانية-م-حطات-رئيسية/
الحريري، ج. (2025، 11 ديسمبر). الدور الإماراتي في السودان: الأهداف-الوسائل-المستقبل. منصة دراسات الأمن والسلام.
الدور الاماراتي في السودان: الاهداف-الوسائل-المستقبل | منصة دراسات الأمن والسلام https://share.google/iepQoSqKzaiSCPLUl
حسن، ع. (2026، 18 فبراير). السودان الآن: مصر والسعودية تُحكمان الخناق على الدعم السريع.. نهج استراتيجي مختلف [ملف صوتي]. DW عربي. https://www.dw.com/ar/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A2%D9%86-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D9%8F%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%90%D9%86%D8%A7%D9%82-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%B9-%D9%86%D9%87%D8%AC-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A-%D9%85%D8%AE%D8%AA%D9%84%D9%81/audio-76023402
زبير، يحيى ح. (2024، 11 ديسمبر). الخليج والقرن الأفريقي: الاستثمار في الأمن (موجز قضية). Middle East Council on Global Affairs. https://mecouncil.org/ar/publication/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%8A%D8%AC-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AB%D9%85%D8%A7%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7/
عبد الجواد، ي. (2026، 22 يونيو). التغيير والثبات في المواقف الدولية من الحرب في السودان. مركز الحضارة للدراسات والبحوث. https://hadaracenter.com/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%86/
عبد الفتاح، ن. (2025، 27 يناير). أبعاد تطور الأزمة السودانية في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة 2025 وملامح الدور المصري. True Studies. https://truestudies.org/1187/
الغنام، هشام. (16 سبتمبر 2025). السعودية في أفريقيا: استراتيجية اقتصادية وجيوسياسية سليمة، أم استغلال للموارد؟ مركز مالكولم كير–كارنيجي للشرق الأوسط. https://carnegieendowment.org/middle-east/research/2025/09/saudi-arabia-in-africa-sound-economic-and-geopolitical-strategy-or-resource-exploitation
مجدي، إ. (2023، 2 مايو). أين تقف مصر من الصراع في السودان؟. اندبندنت عربية. https://www.independentarabia.com/node/447001
المراجع الأجنبية
Embassy of the United Arab Emirates. (2025, December 11). Statement by the Embassy of the United Arab Emirates regarding Sudan. https://www.uae-embassy.org/news/statement-embassy-united-arab-emirates-regarding-sudan
International Crisis Group. (2025). Divided Sudan, Elusive Peace. https://www.crisisgroup.org/brf/africa/sudan-egypt-saudi-arabia-united-arab-emirates-united-states/b211-divided-sudan-elusive-peace
Roll, S. (2023). Egypt, Saudi Arabia and the UAE: The end of an alliance – Divergences of interest in bilateral relations offer opportunities for Germany and the EU (SWP Comment No. 47/2023). German Institute for International and Security Affairs (SWP). https://www.swp-berlin.org/publications/products/comments/2023C47_Egypt_SaudiArabia.pdf
تحولات الصراع السوداني وإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي: الأدوار المتغيرة لمصر والسعودية والإمارات في ظل الحرب
2026-08-07
81 مشاهدة
تقارير وتحليلات