صوت القضية/ تقرير – خاص
في الوقت الذي ينشغل فيه اليمن بتداعيات الحرب والأزمات الاقتصادية والإنسانية، تتشكل في صمت أزمة أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في مستقبل الكادر التعليمي وقدرة البلاد على توفير المعلمين المؤهلين خلال السنوات القادمة.
فالمؤشرات القادمة من مؤسسات التعليم العالي والمدارس تكشف عن فجوة متسعة بين الحاجة المتزايدة للمعلمين وبين قدرة النظام التعليمي على إنتاج كوادر جديدة، ما يهدد بظهور أزمة تعليمية عميقة قد تظهر آثارها بشكل أكبر خلال العقد المقبل.
وتكشف بيانات القبول في كلية التربية بجامعة تعز عن تراجع لافت في الإقبال على مهنة التعليم، حيث انخفض عدد المقبولين في الكلية من 1,924 طالباً وطالبة خلال العام الأكاديمي 2012/2013 إلى 610 طلاب فقط في العام 2024/2025، بانخفاض يقارب 68%.
ولا تقف الأزمة عند انخفاض أعداد الملتحقين، بل تمتد إلى التخصصات العلمية التي تمثل أساس بناء التعليم الحديث، حيث توقفت بعض الأقسام في الكلية عن استقبال الطلاب لسنوات متتالية، ومنها أقسام الفيزياء والكيمياء والرياضيات، وهي تخصصات يحتاجها سوق التعليم والتنمية بصورة ملحة.
ويشير هذا التراجع إلى تغير نظرة الشباب تجاه مهنة التعليم، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وتراجع الحوافز الوظيفية، الأمر الذي جعل كثيراً من خريجي الثانوية العامة يتجهون إلى تخصصات أخرى بحثاً عن فرص عمل أفضل.
أكثر من 15 عاماً دون توظيف حكومي للمعلمين
في الميدان التربوي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، إذ توقفت عملية التوظيف الحكومي للمعلمين منذ عام 2011، ما يعني أن المدارس اليمنية لم تستقبل دفعات جديدة من المعلمين عبر الخدمة العامة لأكثر من خمسة عشر عاماً.
وخلال هذه الفترة، شهد القطاع التعليمي خروج أعداد كبيرة من المعلمين والمعلمات بسبب بلوغ سن التقاعد أو الاقتراب منه، إضافة إلى مغادرة آخرين للمهنة نتيجة ضعف الدخل والظروف المعيشية، فيما فقد القطاع جزءاً من كوادره بسبب الحرب والهجرة والبحث عن مصادر دخل بديلة.
وأدى ذلك إلى ظهور فجوة بين أعداد الطلاب المتزايدة وبين عدد المعلمين القادرين على تغطية الاحتياجات التعليمية، خصوصاً في المناطق الريفية والنائية.
المعلم اليمني تحت ضغط الحرب والمعيشة
ولا تقتصر أزمة التعليم على نقص الكوادر، بل تشمل أيضاً الأوضاع النفسية والمعيشية للمعلمين الموجودين في الميدان.
وفي محافظة تعز، تشير تقديرات إلى أن نحو 5000 معلم ومعلمة يعانون من ضغوط واضطرابات نفسية مرتبطة بسنوات الحرب وتدهور الظروف الاقتصادية، وهو ما ينعكس على جودة الأداء داخل المدارس وعلى البيئة التعليمية بشكل عام.
فالمعلم الذي يواجه أعباء مالية ونفسية متراكمة يجد صعوبة في تقديم أفضل ما لديه، خصوصاً في ظل غياب برامج الدعم النفسي والاجتماعي التي تساعده على تجاوز آثار الأزمات.
المعلمون المتطوعون.. طوق نجاة مؤقت
أمام غياب التوظيف الحكومي، أصبحت المدارس تعتمد بشكل متزايد على المعلمين والمعلمات المتطوعين لسد النقص في الكادر التعليمي.
ورغم الدور الوطني الكبير الذي يقوم به هؤلاء في استمرار العملية التعليمية ومنع توقف المدارس، إلا أن اعتماد التعليم عليهم بشكل واسع يظل حلاً مؤقتاً لا يمكن أن يشكل بديلاً دائماً عن وجود جهاز تربوي مستقر.
ويواجه كثير من المعلمين المتطوعين تحديات كبيرة، أبرزها غياب الاستقرار الوظيفي، وضعف الدخل، وعدم توفر برامج تدريب وتأهيل مستمرة، ما قد يؤثر مستقبلاً على جودة التعليم ومخرجاته.
أزمة مركبة تهدد مستقبل الأجيال
إن اجتماع هذه العوامل في وقت واحد يضع اليمن أمام أزمة تعليمية مركبة تتمثل في:
تراجع كبير في أعداد الملتحقين بكليات التربية.
توقف التوظيف الحكومي للمعلمين منذ عام 2011.
تقدم عمر الكادر التعليمي واقتراب آلاف المعلمين من التقاعد.
فقدان جزء من المعلمين بسبب الحرب والهجرة.
ارتفاع الضغوط النفسية والمعيشية على العاملين في التعليم.
الاعتماد المتزايد على معلمين متطوعين دون ضمانات وظيفية.
ويحذر مختصون من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي خلال السنوات العشر المقبلة إلى عجز كبير في المعلمين المؤهلين، خصوصاً في المواد العلمية، ما سيؤثر على حق ملايين الأطفال في الحصول على تعليم جيد، ويضعف جهود التعافي وإعادة بناء الدولة.
إجراءات عاجلة لإنقاذ التعليم
لمواجهة هذه الأزمة قبل تفاقمها، تبرز الحاجة إلى اتخاذ خطوات عاجلة، من بينها:
إعلان حالة طوارئ وطنية لإنقاذ قطاع التعليم ومهنة التدريس.
استئناف التوظيف الحكومي للمعلمين وفق خطة مرحلية لسد العجز.
إطلاق برنامج وطني لاستقطاب خريجي كليات التربية، خاصة في التخصصات العلمية.
تحسين أوضاع المعلمين وضمان صرف مستحقاتهم بانتظام.
توفير برامج للدعم النفسي والاجتماعي للمعلمين المتضررين من الحرب.
دمج المعلمين المتطوعين المؤهلين في الخدمة المدنية وفق معايير واضحة وشفافة.
إنشاء مرصد وطني للتنبؤ باحتياجات التعليم والمعلمين خلال السنوات القادمة.
الخلاصة
أزمة التعليم في اليمن لم تعد مجرد أزمة مدارس أو مناهج أو مبانٍ متضررة، بل أصبحت أزمة تتعلق بالسؤال الأهم: من سيقف أمام السبورة ليعلّم أبناء اليمن غداً؟
فالمعلم هو أساس أي مشروع لبناء الدولة، وأي تأخير في معالجة تراجع الكادر التربوي اليوم قد يجعل اليمن أمام واقع أكثر صعوبة في المستقبل: مدارس بلا معلمين مؤهلين، وأجيال محرومة من التعليم، ومستقبل تنموي أكثر هشاشة.
اليمن على أعتاب كارثة تعليمية صامتة.. من سيُعلّم أبناءنا غداً؟
2026-08-05
127 مشاهدة
تقارير وتحليلات