بقلم: نجيب الكمالي
نقف اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية في تاريخ البلاد، حيث تبشر رياح التغيير التي تهب على المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، من مركزها الرئيسي في العاصمة عدن، ممثلة بقيادتها الجديدة برئاسة الأستاذ عبدالحكيم الحياني ونائبه الدكتور حاتم باسرده، بعهد جديد في مسار التأمينات الاجتماعية.
فالمؤسسة التي طالما عانت من النظرة التقليدية للخدمة والإجراءات الروتينية، تفتح اليوم أفقًا أكثر اتساعًا لتحمل راية التأمينات الاجتماعية للجميع بكل فئاته، ليس كشعار يُرفع، بل كالتزام وطني يستهدف الإسهام في إعادة الاستقرار للبلاد، وتأمين الحياة الكريمة لكل عامل في القطاع الخاص والمختلط.
إن تحقيق مبادئ التأمينات الاجتماعية ليس هدفًا إداريًا أو ماليًا فقط، بل هو استراتيجية وطنية محورية لتخفيف معاناة الناس، والحد من الفقر، ومواجهة آفة التهرب التأميني التي تعمق هشاشة المجتمع، وتفتح المجال أمام استغلال الفقر والحاجة من قبل الجماعات المسلحة التي تجد في الشباب المحروم من الفرص بيئة مناسبة للتجنيد والاستقطاب.
فالشاب الذي يُحرم من الأمان الاجتماعي، وتُترك أسرته دون حماية بعد فقدان المعيل، قد يجد نفسه أمام خيارات صعبة تدفعه إلى ترك التعليم والبحث عن أي مصدر للعيش، بينما يوفر تأمين الحماية الاجتماعية لعائلات الكادحين فرصةً لأبنائها لمواصلة التعليم، ليكونوا سواعد بناء وإعمار، لا أدوات للصراع والدمار.
وفي اليمن، ما زال عمال القطاع الخاص يعيشون تحت ضغط فقدان الوظيفة، وينظر إليهم بعض أرباب العمل باعتبارهم تكاليف إضافية لا شركاء في الإنتاج. وهنا تبرز آفة التهرب التأميني التي تحرم العامل من حقه، وتجرده من سنوات عمره وعطائه، ليجد نفسه عند المرض أو الشيخوخة بلا معاش أو حماية، وكأن سنوات عمله الطويلة ذهبت دون ضمان.
وهذه ليست مجرد قضية فردية، بل أزمة مجتمعية تترك آلاف الأسر مكشوفة أمام المرض والعجز وفقدان المعيل في مجتمع أرهقته الحرب، وتراجعت فيه شبكات الأمان.
ولم يكن التأمين الاجتماعي يومًا هبة من الأنظمة أو تبرعًا من أرباب العمل، بل كان نتاج نضال تاريخي للطبقة العاملة. ففي القرن التاسع عشر، ومع انطلاقة الثورة الصناعية في أوروبا، هجر الفلاحون أراضيهم إلى المدن، حيث المصانع التي فرضت عليهم ظروفًا قاسية تمثلت في ساعات عمل طويلة وصلت إلى 16 ساعة يوميًا، وأجور زهيدة، وبيئات عمل خطرة، وغياب التعويض عند الإصابة أو الوفاة.
كان العامل المريض يُستبعد ببساطة ليحل محله عامل آخر، ومن رحم هذه المعاناة أدرك العمال أن قوتهم في وحدتهم، فظهرت النقابات، وكان المطلب الأساسي حماية اجتماعية تضمن الكرامة حين تغيب القدرة على العمل. وكانت ألمانيا، في عهد بسمارك، من أوائل الدول التي أرست مفهوم العقد الاجتماعي، وترجمته إلى أنظمة تأمين حديثة.
وعندما تتهرب المنشآت من تسجيل عمالها، فإنها لا تحرمهم فقط من حقوقهم، بل تجعل المجتمع بأسره أكثر عرضة للأزمات. فالأسرة التي تفقد معيلها دون معاش أو حماية قد تضطر إلى إخراج أبنائها من المدارس وتحميلهم مسؤولية إعالة الأسرة في سن مبكرة، وقد يصبح بعض الشباب أكثر عرضة للاستقطاب من قبل الجماعات المسلحة التي تستغل الفقر والحاجة، وتقدم المال بديلًا عن الأمل.
وهكذا يتحول غياب الأمان الاجتماعي من مشكلة اقتصادية إلى قضية أمنية واجتماعية؛ ولذلك فإن محاربة التهرب التأميني ليست مجرد قضية حقوقية، بل جزء من استراتيجية وطنية لمكافحة الفقر وتعزيز الاستقرار.
والثورة العمالية الحديثة لا تعني الفوضى أو تعطيل الإنتاج، بل تعني الانتقال من الاستسلام الفردي إلى العمل الجماعي المنظم، عبر كسر حاجز الخوف وتفعيل اللجان النقابية. فقوة أصحاب العمل تنبع من تشتت العمال وخوفهم من فقدان وظائفهم، أما التنظيم النقابي فيمنح العمال صوتًا جماعيًا قادرًا على التفاوض وفرض شروط عمل عادلة، تضع التأمينات الاجتماعية في صلب العقود.
كما يتطلب ذلك نشر الوعي الحقوقي والقانوني، إذ يستغل بعض أرباب العمل ضعف معرفة العمال بحقوقهم، متناسين أن الاشتراك في المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية ليس ترفًا، بل التزام قانوني، وأن التهرب منه مخالفة تستوجب المساءلة.
لذلك فإن توعية العمال بحقوقهم تمثل سلاحًا أساسيًا في المواجهة، إلى جانب تفعيل الرقابة الحكومية، ومتابعة المنشآت، وفرض العقوبات الرادعة على كل من يحرم العمال من حقوقهم التأمينية أو يقتطع اشتراكاتهم دون توريدها، مع ضرورة أن يكون للإعلام دور فاعل في كشف الانتهاكات، وتسليط الضوء على معاناة الأسر، وتحويل قضايا الحماية الاجتماعية إلى قضية رأي عام.
لقد أثبت التاريخ أن حماية الطبقة العاملة ليست عبئًا على الاقتصاد، بل هي أحد محركاته الأساسية. فالعامل الآمن هو عامل أكثر إنتاجية، والأسرة المحمية هي لبنة صمود في وجه الأزمات.
والأمان الاجتماعي ليس مجرد بند في عقد عمل، بل هو صمام أمان للمجتمع، وحائط صد يحمي الإنسان من الفقر والانهيار.
وفي هذا المنعطف التاريخي، نثني على خطوة تعيين القيادة الجديدة للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، من مركزها الرئيسي في عدن، ونضع ثقتنا في الأستاذ عبدالحكيم الحياني، والدكتور حاتم باسرده، وفريقهما، مؤمنين بأنها تمثل فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار للمؤسسة ولعشرات الآلاف من العمال الذين طال انتظارهم لمن يرفع راية كرامتهم.
ويبقى الرهان كبيرًا على هذه القيادة لترجمة الرؤية إلى واقع ملموس، وأن تكون شريكًا حقيقيًا في بناء يمن أكثر عدالة واستقرارًا، يحمي الإنسان، ويصون كرامة العامل، ويبني آمال الأجيال.
وهذا المقال الذي نضعه اليوم بين أيدي القراء هو أول حلقات سلسلة نعد بها لمواصلة رصد قضايا العمال والحماية الاجتماعية، ووضعها في قلب النقاش، راجين من الله التوفيق والسداد، ومتطلعين إلى أن يكون هذا الصوت الصحفي رافدًا من روافد البناء والوعي في زمن يحتاج فيه اليمن إلى كل كلمة حق، وكل موقف شجاع.
رفع راية التأمينات الاجتماعية للجميع.. ميثاق الكرامة وبناء المستقبل
2026-07-15
3 مشاهدة
مقالات وآراء