صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
جناية المعيار: عندما يصبح الإبداع خطيئة تستوجب التصحيح

جناية المعيار: عندما يصبح الإبداع خطيئة تستوجب التصحيح

بقلم/ د. محمد قاروط أبو رحمة – عضو مجلس إدارة اكاديمية فتح الفكرية


في عالم يتسارع بجنون، لا تزال منظومتنا الفكرية والمؤسسية محكومة بمعادلة قديمة وعقيمة؛ معادلة ترى في النقد مجرد مسطرة حديدية نَقيس بها مدى استقامة الفكرة أو انحرافها عن الخط المعياري المرسوم سلفاً. إننا نعيش في ظل سطوة النقد المعياري الذي يملك وظيفة واحدة: رصد الخطأ وحماية السائد. ورغم أهمية هذه الوظيفة في ضبط الجودة ومنع الفوضى، إلا أن الإفراط فيها، وإهمال شقها الآخر والأهم، وهو النقد الاستكشافي الباحث عن الإمكان، يتحول إلى مقصلة حقيقية تُعدم عليها الأفكار وهي لا تزال في طور الأجنة. إن النقد المعياري يحمينا، بلا شك، من الوقوع في الخطأ، لكنه عاجز تماماً عن قيادتنا نحو التميز. التميز بطبيعته هو خروج عن المألوف، وتجاوز للمعيار، ومخاطرة مدروسة في مساحات لم تطأها أقدام القوالب الجاهزة من قبل. عندما نُهمل النقد الاستكشافي، ذلك الفكر الشجاع الذي لا يسأل ما هو الخطأ هنا؟ بل يطرح سؤالاً أعمق: ما الذي يمكن أن تصبح عليه هذه الفكرة؟ فإننا نمارس جناية فكرية كبرى بحق الابتكار والتجديد.

أكبر مخالب هذه الجناية هي تحويل الإبداع إلى تهمة تستوجب التصحيح، بدلاً من كونه قيمة تستحق الاحتفاء. كم من فكرة ثورية طُرحت في قاعات الاجتماعات أو أروقة الجامعات، فاستقبلتها عقول التدقيق الصارمة بـ قائمة المخالفات التشغيلية، فماتت الفكرة خنقاً قبل أن تتنفس؟ إن الفكرة الإبداعية في مهدها تكون دائماً غامضة، مليئة بالثغرات، ومنحرفة حتماً عن السائد. إذا كان المقياس الوحيد لقبولها هو خلوها من العيوب المعيارية، فلن نرى أبداً حلولاً خارج المألوف، بل سنظل نعيد تدوير الكليشيهات القديمة والنسخ المكررة والمملة، فقط لأنها آمنة ومستوفية للشروط.

هذا الانسداد الفكري يورث المجتمعات والمؤسسات عقماً ابتكارياً حاداً. يتحول المبدعون في هذه البيئات الخانقة إلى متهمين، تُمارس ضدهم رقابة ذاتية شرسة تدفعهم إلى التزام الصمت والإنتاج الآمن، أو تحزم حقائبهم للهجرة نحو فضاءات تُقدر جنون الاحتمالات وتتبنى نقد الإمكان. أما البيئات الطاردة، فتصفى داخلياً لصالح الممتثلين الذين يجيدون اتباع اللوائح حرفياً دون إضافة أثر يذكر.

إننا بحاجة ماسة اليوم إلى ثورة في عقلية النقد. بحاجة إلى الانتقال من عقلية المفتش الذي يبحث عن السقطة ليثبت كفاءته، إلى عقلية المطور الذي يتلقف الفكرة الهشة ليرى جوهرها الواعد، ويساعد صاحبها على ردم ثغراتها. النقد الحقيقي والفعال هو ذلك الذي يستعمل المعيار لحماية الأرضية التأسيسية، لكنه يشرع نوافذ الاستكشاف للتحليق نحو التميز. ما لم ندرك هذه التوأمة، سنظل مجتمعات تتقن البحث عن الأخطاء، وتوثيقها، وتشرها، لكنها تعجز تماما عن معالجتها وصناعة المستقبل.

📂 الأقسام

الرئيسية اقتصاد تقارير وتحليلات تكنولوجيا ثقافة حول خبر عاجل رياضة سياسة صحة صور وفيديو عربي ودولي فنون مقالات وآراء منوعات