بقلم/ محمد قاروط أبو رحمة
التوتر:
هو اضطراب في العمليات العقلية (الذهنية) في اللحظة المعاشة، يؤدي إلى تشويش في اتخاذ القرار. وينتج عن قلة المعلومات أو كثرتها، أو التعرض لموقف جديد لم يختبره الفرد من قبل، أو عن خبر محزن أو مفرح بشكل مفاجئ. وينتهي غالبًا إلى خسارة القدرة على عيش اللحظة والتصرف فيها بفعالية.
وينشأ التوتر من اختلال في سيطرة العقل على العواطف الفطرية الأربع لدى الإنسان: الخوف، والحزن، والسعادة، والغضب.
وهذه العواطف ليست خللًا في الإنسان، بل هي منظومة بقاء ووعي منحها الله له:
الخوف: وظيفة الحماية والاستعداد لمواجهة الخطر.
الحزن: وظيفة حفظ المعنى وإعادة ترتيب الذاكرة بعد الفقد.
السعادة: وظيفة التعزيز والدفع نحو التعلّم والاستمرار عبر الشعور بالإنجاز.
الغضب: وظيفة الدفاع عن الذات واستعادة التوازن عند التعدّي أو الظلم.
لكن حين يفقد الإنسان السيطرة الواعية على هذه العواطف، تتحول من أدوات تنظيم إلى مصادر اضطراب، ويبدأ توازن الإنسان بالانهيار تدريجيًا.
الاكتئاب: هو اعتلال نفسي ناتج عن درجة متقدمة من الندم على ما مضى.
القلق: هو اعتلال نفسي ناتج عن خوف متقدم من المستقبل.
عندما نخسر اللحظة الراهنة، ولا ننجز فيها، فإن عقل التسويف يزيّن لنا اللحظة القادمة على أنها أهم من الفعل الآن.
في حالة التوتر: نخسر الحياة في اللحظة الحاضرة لصالح اللحظة القادمة.
والتوتر يولّد الخوف من اللحظة القادمة، فنقع في القلق.
وعندما نصل إلى اللحظة القادمة، نندم على اللحظة التي أضعناها، فنقع في الاكتئاب.
التوتر يحرمنا من الإنجاز.
وأسباب التوتر ذاتية أو موضوعية (داخلية أو خارجية)، ولا أحد ينجو منه.
ومن أخطر مصادر التوتر الخفيّة: الخجل.
فالخجل ليس مجرد سلوك عابر، بل هو توتر اجتماعي صامت، ينشأ من خوف الإنسان من نظر الآخرين إليه، ومن توقعه المسبق للحكم عليه أو نقده. فيتحول الانتباه من الفعل إلى الذات، ومن الإنجاز إلى الصورة، ومن اللحظة إلى الانطباع.
حين يخجل الإنسان، فإنه لا يعيش الموقف، بل يراقب نفسه داخله، وهذا بحد ذاته شكل من أشكال التوتر، لأن العقل ينشغل بالمراقبة بدل المشاركة وبالقلق على الصورة بدل صناعة الفعل.
وتُظهر التجربة أن بعض الأشخاص قد يتجاوزون الخجل في شكله المباشر، لكن آثاره لا تختفي بالكامل، بل تتحول إلى درجات خفيفة من الحذر الاجتماعي أو الانتباه الزائد في التعامل مع الآخرين. وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى خجل الأخ المفكر بكر أبو بكر كنموذج لتجربة إنسانية تجاوزت الخجل الظاهر، لكنها احتفظت ببعض آثاره الهادئة في أسلوب التفاعل والتفكير، بما يعكس أن بعض الخبرات النفسية لا تختفي نهائيًا، بل تتحول إلى بصمة سلوكية دقيقة في خلفية القرار.
علاج التوتر
إذا كان ناتجًا عن أسباب داخلية: يكون عبر النشاط الجسدي والذهني، والتغذية الصحية، والتركيز على الإنجاز.
وإذا كان ناتجًا عن أسباب خارجية: فالعلاج يبدأ بالابتعاد عن المحيط المسبب للتوتر، ثم ممارسة نشاط جسدي وذهني، ثم العودة إلى التركيز والإنجاز.
ياسر عرفات والتوتر
كان يكفينا، ونحن في أشد درجات التوتر، أن نرى ابتسامة ياسر عرفات. كانت ابتسامته قادرة على تخفيف حدة التوتر فينا جميعًا.
في أصعب لحظات حصار بيروت، تحت القصف، كان ياسر عرفات يمشي في شوارع المدينة، يوزّع الابتسامات على المارة والمقاتلين وعدسات المصورين.
وفي حصار المقاطعة، كان يخفف توتره وتوتر من حوله بالرد الشخصي على كل رسالة تصله. رحمه الله.
خليل الوزير
يقال إن لازمة الكلام عند بعض الأشخاص هي وسيلة يستخدمها العقل لتهدئة التوتر وتنظيم التفكير.
عبارته المتكررة: "بسيطة يا أخ" كانت تعيد ترتيب الإيقاع الذهني وتخفف التوتر عنه وعمن حوله.
وكانت أناقته في بدلة السفاري الزيتية، في أشد أوقات المعارك، تبعث طمأنينة وتخفف التوتر.
في عام 1975، زارنا ونحن على أبواب عينطورة، والمعارك على أشدها، فكان يركض ويوجه ويأمر وهو في أناقة لافتة، كأنه في سياق مختلف عن سياق الحرب.
وكان يتجول بين المواقع خلال حرب بيروت بأبهى صورة وأرقى أناقة، وكان لذلك أثر واضح في تهدئة التوتر لدى من يلتقونه. رحمه الله.
كفّ معين الطاهر
معين طويل القامة يتجاوز طوله المترين وكفّه عريض.
أثناء حرب عام 1982، كان قائد القوات المشتركة على محور النبطية – قلعة الشقيف، وأصيب بشظية في ساقه وكان مرافقه وسائقه أبو النوف إلى جانبه.
كانت ردة فعل أبو النوف عند رؤية إصابة الأخ معين هي انهيار التوازن بين العاطفة والفعل تحت ضغط التوتر، فاختلط عليه الموقف وفقد القدرة على التصرف السليم.
صرخ فيه معين، لكنه لم يستجب بسبب شدة التوتر. عندها قام معين بصفعه على وجهه، فكانت تلك الصدمة كفيلة بإعادة ضبط توازنه، فاستعاد تركيزه وبدأ بتنفيذ الأوامر رغم الموقف الصعب.
رحم الله أبو النوف، وأطال الله بعمر الأخ الكبير معين الطاهر.
الخاتمة
التوتر يسرق اللحظة ويشلّ التفكير ويقود تدريجيًا إلى انهيار التوازن الداخلي للإنسان، حيث تختل العلاقة بين العاطفة والعقل والفعل.
لا تتوتر.
وإن توترت فانسحب فورًا، وتذكّر ألا تفوّت لحظة بلا إنجاز، فنحن لا نملك إلا اللحظة.
ما مضى قد مضى وانتهى، والمستقبل في المخيلة، أما اللحظة الحالية فهي الواقع الحقيقي، فلا تُهدرها.
وحين يفقد الإنسان توازنه، سواء تحت ضغط الخوف أو الحزن أو الغضب أو حتى الفائض المفاجئ من السعادة، فإن النتيجة واحدة: تشتت القرار وضياع اللحظة.
دروس من التجربة: كيف يؤدي التوتر إلى انهيار توازن الإنسان
2026-06-15
80 مشاهدة
مقالات وآراء