بقلم الشيخ/ رشيد الشميري
المتابع لمسار الصراع في المنطقة يجد أن المشهد أكبر من مجرد صدام ثنائي بين واشنطن وطهران، فما يجري على الأرض يشير إلى أن كلا الطرفين، رغم ما يظهر من عداء علني، يتحركان في مساحة تسمح بإعادة إنتاج الفوضى التي تستفيد منها قوى ثالثة.
فالصهيونية السياسية لم تصل إلى ما وصلت إليه من نفوذ بالاعتماد على قوتها الذاتية فقط، بل عبر استثمار التناقضات بين القوى الكبرى والإقليمية. فحين تتصادم أمريكا وإيران في الملفات المفتوحة، من العراق إلى سوريا، ومن لبنان إلى اليمن، تكون النتيجة العملية استنزافًا متبادلًا للدول العربية ومقدراتها.
وفي هذا السياق، يتحول الطرفان إلى أداتين قابلتين للاستخدام؛ فأمريكا تدخل بثقلها العسكري والمالي تحت مبرر حماية المصالح ومنع التمدد الإيراني، فيما ترد إيران عبر شبكات وكلائها تحت شعار المقاومة والممانعة، وبين هذا وذاك تتسع مساحة التدخل الخارجي وتتآكل سيادة الدول.
والملاحظ أن كل جولة تصعيد تنتهي بتفاهمات مؤقتة تعيد رسم خطوط النفوذ دون أن تغلق ملف الأزمة، بينما تبقى الدول العربية هي الخاسر الأكبر أرضًا وشعبًا وموارد. فالبحر الأحمر يصبح مسرحًا للتوتر، والقرن الإفريقي ممرًا للتهريب والفوضى، واليمن والسودان وليبيا ساحات مفتوحة للصراع بالوكالة.
الخلاصة أن من يريد فهم المشهد لا يكفيه النظر إلى واشنطن وطهران فقط، بل عليه أن يرى من يمسك بالخيوط من الخلف ويستفيد من استمرار الصراع دون حسم. فالحمار الصبور هو من يقبل أن يُركب مرة بعد مرة، والنتيجة واحدة: مزيد من التبعية ومزيد من التفتت.
وكلما تأخرنا في حسم الأمور، كلما تركنا مجالًا للذئاب كي تنهش وتحاصر جسد أوطان العروبة. يا قياداتنا السياسية، إن إنقاذ الوطن مهما كلّف من تضحيات يظل أقل كلفة من ضياعه بالكامل. فإذا لم نقدم التضحيات اليوم، فقد يأتي يوم نصبح نحن فيه الضحية، كما نشاهد ما يحدث في صنعاء كل يوم، حيث يتم التخلص من المشايخ والوجهاء والتجار وكل حرّ أراد أن يرفع رأسه، أو أي شخصية وطنية سعت لبناء الوطن وتنميته.
كما رأينا اغتيال رئيس الصندوق الاجتماعي للتنمية في عدن، والزج في السجون برؤساء وموظفي المؤسسات والمنظمات المحلية والدولية فيما تُعرف بحكومة الانقلاب الحوثية، إلى جانب إنهاك الشعب وتجويعه ليُقدَّموا لاحقًا بوصفهم البديل عن الوطن والدولة.
أمريكا وإيران: الحمار الصبور الذي تركبه الصهيونية للوصول إلى السيطرة والنفوذ
2026-05-27
537 مشاهدة
مقالات وآراء