شعار صوت القضية
صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
الإعلام في قلب معركة استعادة الدولة وإعادة بناء الوعي

الإعلام في قلب معركة استعادة الدولة وإعادة بناء الوعي

بقلم/ نجيب الكمالي

في لحظة سياسية ووطنية بالغة التعقيد، لم تعد معركة استعادة الدولة في اليمن محصورة في ميادين المواجهة العسكرية أو الملفات الاقتصادية فحسب، بل انتقلت بوضوح إلى ساحة لا تقل خطورة وتأثيرًا، هي ساحة الوعي العام والإعلام؛ فالدول لا تُستعاد بالقوة وحدها، بل بإعادة بناء الإدراك الجمعي وصياغة سردية وطنية قادرة على الصمود أمام حملات التشويه والتضليل.

في هذا السياق، تبرز التحركات الحكومية في العاصمة المؤقتة عدن كإشارة إلى إدراك متأخر نسبيًا، لكنه مهم، لأهمية الإعلام الرسمي بوصفه أداة سيادية لا مجرد منبر إخباري، فقد تفقد رئيس الوزراء الدكتور شائع محسن الزنداني موقع مشروع استوديوهات قناة عدن الجديدة في منطقة حقات، أحد أكبر المشاريع الإعلامية الجاري تنفيذها في البلاد. وخلال الزيارة شدد على أن استعادة الدولة تبدأ من استعادة الوعي، في إشارة واضحة إلى أن الإعلام بات جزءًا محوريًا في معركة الدولة ضد الانقسام والتفكك.

ومن جانبه، أوضح وزير الإعلام معمر الإرياني أن المشروع يأتي ضمن خطة أوسع لإعادة تأهيل الإعلام الرسمي، بما يمكنه من أداء دور فاعل في تعزيز الهوية الوطنية ومواجهة الخطابات المتطرفة والمضللة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في البنية التحتية وحدها، بل في القدرة على إنتاج خطاب مهني أكثر توازنًا وتأثيرًا، يخاطب جمهورًا أنهكته الحرب وتعدد الروايات.

وفي مقابل هذه الجهود المؤسسية، يبرز داخل المشهد الإعلامي اليمني نموذج مختلف يتمثل في مؤسسة 14 أكتوبر الصحفية ورئيس مجلس إدارتها ورئيس تحريرها محمد هشام باشراحيل، الذي أعاد تعريف العلاقة بين الصحافة والميدان، فبدلًا من الاكتفاء بغرف التحرير اتجه إلى الحضور المباشر في الميدان عبر زيارات متكررة للمستشفيات والمرافق الخدمية في عدد من المحافظات من تعز إلى شبوة وغيرها، لرصد الواقع كما هو لا كما يُكتب عنه.

هذه الزيارات، التي تتجاوز الطابع البروتوكولي إلى العمل الاستطلاعي، منحت الصحيفة بعدًا مختلفًا يقوم على الاقتراب من معاناة الناس وتحويلها إلى مادة إعلامية تصل إلى صانع القرار. وفي بيئة تعاني من فجوة ثقة واسعة بين المواطن والمؤسسات، يصبح هذا النموذج أقرب إلى دور الوسيط الرقابي لا مجرد ناقل للخبر.

وفي الداخل المؤسسي، يواصل باشراحيل جهوده لإعادة تنظيم العمل داخل مؤسسة 14 أكتوبر عبر معالجة الاختلالات الإدارية ورفع كفاءة الأداء المهني، إلى جانب التوسع الجغرافي عبر افتتاح مكاتب جديدة في تعز والمكلا وعتق والمخا، في خطوة تهدف إلى إعادة توزيع العمل الإعلامي بما يقترب أكثر من الواقع المحلي وخدمة المواطنين ونقل رسالة الدولة في مختلف المحافظات.

إن ما يجري اليوم في عدن، من مشروع قناة عدن الجديدة إلى تحركات مؤسسة 14 أكتوبر، يمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح في إطار معركة بناء الإعلام الوطني وإعادة تشكيل الوعي العام. غير أن مشروع قناة عدن لا يزال في إطار البدايات ضمن مسار تأسيسي يحتاج إلى مزيد من التطوير، بينما تمضي مؤسسة 14 أكتوبر في مسار تطويري متقدم بقيادة ربان سفينتها عبر جهود تنظيمية ومهنية وتوسعية تعزز حضورها الميداني وتقربها أكثر من واقع الناس؛ فبناء الإعلام الوطني ليس مجرد مشاريع مبانٍ واستوديوهات، بل هو مشروع رؤية ومؤسسات وثقة قبل كل شيء.

ومع ذلك، يظل السؤال الجوهري قائمًا: هل يمكن لمشاريع إعلامية مهما كانت طموحة، أو لنماذج فردية مهما كانت ملهمة، أن تعوض غياب استراتيجية إعلامية وطنية متكاملة؟ وهل تستطيع الدولة توفير استدامة حقيقية لهذا المسار في ظل أزمات مالية وسياسية وأمنية متراكمة؟

الأكثر أهمية من ذلك هو السؤال المتعلق بجدوى معركة الوعي ذاتها إذا ظل المواطن يواجه تحديات يومية قاسية في الخدمات والمعيشة؛ فالإعلام مهما بلغ من احترافية لا يمكن أن يكون بديلًا عن واقع مستقر، بل يجب أن يسير معه في خط متوازٍ، وإلا فقد تأثيره وثقة جمهوره.

وفي النهاية، يبقى الإعلام الصادق القريب من الناس، والإدارة الميدانية التي ترى الواقع لا التي تكتفي بوصفه، هما حجر الأساس لأي استعادة حقيقية للدولة. أما معركة الوعي فهي لم تُحسم بعد، وستظل مفتوحة على سؤال كبير: هل تتحول إلى مشروع وطني مستدام، أم تبقى مجرد شعار يتكرر في لحظات التحول؟