إسبانيا بين نار ترامب وحرير بكين
حين صرخ ترامب في البيت الأبيض مهدداً بقطع كل العلاقات التجارية مع إسبانيا، لم يكن يطلق كلاماً في الهواء. كان يختبر مدى قدرة واشنطن على لي ذراع حليف أوروبي رفض فتح قواعده للحرب، ورفض الخضوع لابتزاز 5% من الناتج المحلي للإنفاق العسكري. سأل وزير خزانته علناً: هل نوقف التجارة معهم؟ فجاء الجواب الدبلوماسي: لديك الصلاحيات إن أردت، لكن الثمن سيكون باهظاً.
في تلك اللحظة أدركت مدريد أن الاعتماد على مزاج البيت الأبيض مخاطرة استراتيجية. فالقانون الأمريكي نفسه يشترط إعلان "حالة طوارئ وطنية" وتصنيف إسبانيا "تهديداً غير عادي" لفرض الحظر، وهو أمر أقرب للعبث السياسي منه للواقع. وهنا بدأ التحول.
لم تعد إسبانيا تكتفي بلعب دور المدافع الذي يتلقى الصفعات. خرجت إلى الهجوم الدبلوماسي بخطة واضحة: تنويع الشراكات قبل أن يخنقها الحصار. كان المسرح مهيأً، فالحرب التجارية بين بروكسل وبكين تشتعل. أوروبا تفرض 45% رسوماً على السيارات الكهربائية الصينية، والصين ترد بفتح ملفات لحم الخنزير الأوروبي، وإسبانيا بالذات في مرمى النيران لأنها أكبر مصدّر له بـ1.2 مليار يورو سنوياً.
وسط هذه العاصفة طار بيدرو سانشيز إلى بكين ثلاث مرات خلال ثلاثة أعوام. لم يذهب متسولاً، بل تاجراً يحمل عرضاً: إسبانيا سوق "آمن" و"جذاب"، بوابة للصين نحو أمريكا اللاتينية وأفريقيا. وقّع مع "إنفيجن إنرجي" استثمار مليار دولار في الهيدروجين الأخضر. وفتح ميناء برشلونة ذراعيه للسيارات الكهربائية الصينية بمحطة سكة حديد خاصة. حتى كتالونيا أنشأت مكتباً مخصصاً لجذب التنين الصيني.
الأرقام كانت فضيحة لا تُحتمل: واردات من الصين بـ20.7 مليار، مقابل صادرات بـ3.4 مليار فقط. فجوة 90% لصالح بكين. استثمارات صينية في إسبانيا 11 مليار، مقابل 4 مليارات فقط في الاتجاه المعاكس. لهذا قال سانشيز في شنغهاي ما يشبه المثل الصيني: "من السحب الأشد سواداً يسقط الماء الأنقى". كان يقصد أن من رحم الضغط الأمريكي والأوروبي سيولد توازن جديد.
شي جينبينغ التقط الإشارة. عرض على إسبانيا شراكة في الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والطاقة المستدامة، لكنه طالب بمناخ "غير تمييزي" لشركاته. سانشيز وافق، لكنه ربط كل شيء بـ"نظام تجاري منصف" و"أسواق مفتوحة". لم يعد هناك ولاء مجاني، بل صفقات محسوبة بالمليمتر.
ومع ذلك، تدرك مدريد أن اللعب مع التنين له حدود. مظلة الناتو الأمنية لا بديل عنها، وواشنطن رغم تقلبها تظل الضامن العسكري لأوروبا. لهذا امتنعت إسبانيا عن التصويت على رسوم السيارات الصينية: لا تريد خسارة بكين، ولا تريد شق الصف الأوروبي. تمشي على حبل مشدود فوق هوة العداء.
هكذا تبدلت القواعد. إسبانيا لم تعد ترد الفعل، بل تصنعه. تبني شبكة أمان تجارية تمتد من بكين إلى برشلونة، تراهن على الصين لتنويع المخاطر، وتحتفظ بعضويتها في الناتو كورقة أمن قومي. لأن المجد في هذا الزمن لم يعد يُصنع بالبنادق وحدها، بل بالموازنة الدقيقة بين فوهة البندقية وفاتورة الاستيراد.
ومن يراقب المشهد يفهم: تهديد ترامب الذي أراد تركيع إسبانيا، هو نفسه الذي دفعها لاكتشاف أن العالم أوسع من واشنطن، وأن القوي هو من يجعل الكل يحتاجه، ولا يحتاج الكل. وأن اللعب على حافة الخطر أشرف من الموت في ظل الحماية.وأن السياسة الحكيمة هي أن تمسك العصا من الوسط، فلا تكسرها غضباً، ولا تفلتها ضعفاً. وأن الدول لا تقاس بمن تصادق، بل بمن تستطيع أن تفارق دون أن تنكسر.