القمة الدولية في باريس: الحرب في الشرق الأوسط تكشف هشاشة أوروبا الطاقوية وتدفعها للعودة إلى النووي
وأكدت فون دير لاين أن تخلي أوروبا عن الطاقة النووية كان "خطأ استراتيجياً"، مشيرة إلى أن الاعتماد المتزايد على الوقود الأحفوري المستورد جعل القارة أكثر هشاشة، وكشف نقاط ضعفها في مواجهة تقلبات أسعار الطاقة والمخاطر الجيوسياسية. وأضافت أن حصة الطاقة النووية في توليد الكهرباء الأوروبية تراجعت من الثلث في عام 1990 إلى نحو 15% اليوم، ما يعكس الحاجة الملحة لإعادة التفكير في سياسات الطاقة الأوروبية.
وجاءت هذه التصريحات على خلفية الحرب الأمريكية الإسرائيلية المستمرة مع إيران، والتي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز واستهداف مصافٍ نفطية كبرى، وهو ما يمثل "تذكيراً صارخاً" بالاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري. في هذا السياق، أعلنت المفوضية عن حزمة دعم مالي بقيمة 200 مليون يورو لتعزيز الابتكار في تقنيات الطاقة النووية، مع التركيز على المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية (SMRs)، بهدف تشغيلها في الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030، مع تسهيل إجراءات الترخيص وتنسيق القواعد بين الدول الأعضاء.
من جانبه، شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أن الطاقة النووية تمثل مفتاح الجمع بين الاستقلال الطاقوي والحياد الكربوني، محذراً من أن الاعتماد على المحروقات قد يتحول إلى أداة ضغط أو عامل زعزعة للاستقرار. ودعا ماكرون إلى توحيد معايير تصميم المفاعلات النووية في أوروبا، وهو ما قد يعزز موقع الشركة الفرنسية العملاقة "إي دي إف" (EDF) في المنافسة الدولية.
كما أعلن رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس أن بلاده تسعى لقيادة محادثات حول استخدام الطاقة النووية في إزالة الكربون من قطاع الشحن البحري، ما يفتح آفاقاً جديدة للتطبيقات النووية خارج شبكات الكهرباء التقليدية.
وشهدت القمة احتجاجات من ناشطي منظمة "غرينبيس"، الذين رفعوا لافتات تنتقد الطاقة النووية وقطعوا حفل الاستقبال، مشيرين إلى استمرار فرنسا في استيراد اليورانيوم من روسيا، في تناقض مع تصريحات ماكرون.
وأظهرت القمة انقسامات داخل الحكومة الألمانية حول مستقبل الطاقة النووية، حيث أكد المستشار فريدريش ميرس مشاركة موقف فون دير لاين، بينما رفض وزير البيئة كارستن شنايدر استمرار دعم هذه التقنية بسبب مخاطرها العالية. وتشير بيانات وكالة يوراتوم للطاقة النووية إلى أن كندا وكازاخستان وروسيا تمثل أهم مصادر اليورانيوم الطبيعي للاتحاد الأوروبي، فيما تعتمد فرنسا بشكل خاص على كازاخستان وأستراليا وناميبيا والنيجر.
تُعد قمة باريس للطاقة النووية نقطة تحول محتملة في سياسات الطاقة الأوروبية، حيث دفعت أزمة الشرق الأوسط القادة الأوروبيين إلى إعادة النظر في الطاقة النووية كحل طويل الأمد لضمان السيادة الطاقوية وأمن الإمدادات في مواجهة التحديات الجيوسياسية.