شعار صوت القضية
صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
روسيا والصين تنتقدان "الازدواجية" بالمجلس بعد تبني قرار يدين إيران ورفض آخر لوقف شامل لإطلاق النار

روسيا والصين تنتقدان "الازدواجية" بالمجلس بعد تبني قرار يدين إيران ورفض آخر لوقف شامل لإطلاق النار

نيويورك – شهدت قاعة مجلس الأمن الدولي مساء الأربعاء واحدة من أكثر الجلسات سخونة منذ اندلاع التصعيد العسكري في المنطقة، حيث انتهت الجلسة الطارئة إلى نتائج متباينة عكست انقساماً دولياً حاداً حول كيفية التعامل مع الأزمة المتصاعدة في الشرق الأوسط. ففي مشهد دبلوماسي نادر، صوت المجلس على مشروعي قرارين متعارضين، ليتم تبني الأول (الخليجي) الداعي لوقف الهجمات الإيرانية، ورفض الثاني (الروسي) الداعي لوقف إطلاق النار من جميع الأطراف.

في بداية الجلسة، صوت المجلس بأغلبية 13 صوتاً لصالح مشروع القرار الذي تقدمت به البحرين نيابة عن دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، والذي حظي بتأييد 135 دولة عضواً. القرار الذي حمل الرقم 2817 يدين بشدة الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن، ويعتبره انتهاكاً للقانون الدولي وتهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين. نص القرار على المطالبة الفورية بوقف جميع الهجمات التي تشنها جمهورية إيران الإسلامية ضد البحرين والكويت وعُمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن، كما أدان أي أعمال أو تهديدات من قبل إيران تهدف إلى إغلاق أو عرقلة الملاحة الدولية في مضيق هرمز.

السفير جمال فارس الرويعي، مندوب البحرين الدائم لدى الأمم المتحدة، قال في كلمته أمام المجلس إن هذا التصويت يؤكد أن أمن المنطقة ليس مجرد شأن إقليمي، بل هو مسؤولية دولية مشتركة ترتبط باستقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة. روسيا والصين اختارتا الامتناع عن التصويت، حيث انتقدت موسكو بشدة الانحياز في صياغة القرار. فاسيلي نيبينزيا، المندوب الروسي الدائم، أوضح أن بلاده امتنعت لأن النص غير متوازن على الإطلاق ويتجاهل الأسباب الجذرية للتصعيد المتمثلة في الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران.

السفير الإيراني أمير سعيد إيرواني وصف القرار بأنه ظلم واضح ضد بلدي، الضحية الرئيسية لعدوان واضح، معتبراً أن اعتماد القرار يمثل إساءة صارخة لولاية مجلس الأمن لتحقيق أجندات سياسية للولايات المتحدة وإسرائيل. من جهتها، رحبت السعودية رسمياً بالقرار، وأصدرت وزارة الخارجية بياناً أكدت فيه ترحيب المملكة بأحكام القرار، بما في ذلك إدانة الهجمات على المناطق السكنية واستهداف البنية التحتية المدنية، وجددت التأكيد على حق المملكة الكامل في اتخاذ جميع التدابير اللازمة للدفاع عن أمنها وسيادتها وسلامة أراضيها، وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

في تطور موازٍ، صوت المجلس على مشروع قرار آخر تقدمت به روسيا، ويهدف إلى وقف فوري للأعمال القتالية في الشرق الأوسط دون تسمية أي دولة بعينها. النص الروسي كان يدعو جميع الأطراف إلى الوقف الفوري للأعمال العسكرية، ويعرب عن القلق البالغ إزاء التصعيد العسكري الجاري، ويدين جميع الهجمات ضد المدنيين والبنية التحتية المدنية. حصل المشروع الروسي على 4 أصوات فقط لصالحه (روسيا، الصين، باكستان، الصومال)، مقابل صوتين ضده (الولايات المتحدة ولاتفيا)، وامتناع 9 دول عن التصويت، مما حال دون اعتماده.

المندوب الروسي فاسيلي نيبينزيا وصف النتيجة بأنها غير واقعية و"عار"، معتبراً أن التصويت كان اختباراً عبادياً، دعوة لكل عضو لإظهار ألوانه الحقيقية. وأضاف أن موقف المعارضين تمليه مصالحهم السياسية الضيقة، وتضامن الكتلة، والخوف من فقدان رضا أصدقائهم الكبار. السفير الأمريكي مايك والتز رد مباشرة على الاتهامات الروسية، قائلاً إن الاتحاد الروسي كان يعلم مسبقاً أن مشروعه لن يحصل على الأصوات الكافية، لكنه أصر على المضي قدماً في التصويت. وأضاف: مرة أخرى، روسيا تعمل هنا في مجلس الأمن لحماية شريكتها إيران، متعهداً بمواصلة الجهود الأمريكية لمساءلة النظام الإيراني وكشف أعماله المزعزعة للاستقرار.

السفير الصيني فو كونغ أعرب في كلمته عن خيبة الأمل والأسف لعدم اعتماد المشروع الروسي، مؤكداً أن النص كان متوازناً ويدعو لوقف الأعمال القتالية وحماية المدنيين. وقال: هذه حرب كان يمكن تجنبها، وحرب لا تنفع أي طرف. التاريخ في الشرق الأوسط يخبرنا مراراً أن القوة ليست حلاً، وأن الاشتباك العسكري لا يزيد إلا المزيد من الكراهية والأزمات الجديدة.

تعكس جلسة الأمس الانقسام العميق في المواقف الدولية، حيث تدعم واشنطن وحلفاؤها مقاربة تركز على تحميل إيران المسؤولية الكاملة عن التصعيد، بينما تطالب موسكو وبكين بمعالجة شاملة تأخذ في الاعتبار ما تصفانه بجذور الصراع. المراقبون يرون أن تبني القرار الخليجي يمثل انتصاراً دبلوماسياً لدول المنطقة، ويعكس قدرتها على حشد تأييد دولي واسع (135 دولة). في المقابل، فإن استخدام الفيتو الأمريكي ضد المشروع الروسي، رغم محدودية تأييده، يؤكد استمرار حالة الجمود في المجلس حول كيفية التعامل مع الأزمات الكبرى. يبقى السؤال الأهم: هل تساهم هذه القرارات في تهدئة الوضع على الأرض، أم أنها ستزيد من تعقيد المشهد الدبلوماسي وتعمق الانقسامات القائمة؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.