صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
بين إيفان كارامازوف والحرب الوجودية: مساءلة المجاز والمقاومة عبر التاريخ

بين إيفان كارامازوف والحرب الوجودية: مساءلة المجاز والمقاومة عبر التاريخ

بقلم/ غانية ملحيس


قراءة في مقال عاهد حلس “في رواية الإخوة كارامازوف لديستويفسكي“ 8/1/2026

ليس من السهل، ولا من المريح، مساءلة الأفكار في زمن الكارثة. لكن الصعوبة لا تُسقط الحاجة إلى السؤال، كما أن السؤال لا يبرر القسوة على الضحية.
من هذا التوتر يولد النقاش الذي أثاره مقال الدكتور عاهد حلس، حين استعان بثنائية إيفان كارامازوف وسميردياكوف لتفسير ما آلت إليه التجربة الفلسطينية، وصولًا إلى السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وما تلاه.

المقال جريء، لأنه يحاول نقل المسؤولية من الفعل إلى الفكرة، ومن الحدث إلى المخيال. غير أن الجرأة الفكرية لا تكتمل ما لم تُختبر داخل شرطها التاريخي. والسؤال الذي يجب طرحه هو: هل يمكن مساءلة المجاز بالطريقة نفسها في مجتمع مستقر، وفي مجتمع يعيش حربًا وجودية؟

أولًا: إيفان كارامازوف خارج حالة الاستثناء
إيفان كارامازوف، كما صاغه دوستويفسكي، مفكّر يعمل داخل أفق أخلاقي مفتوح. هو ذات قادرة على التفكير دون أن تكون حياتها مهددة في كل لحظة. لذلك تصبح مساءلته ممكنة، بل ضرورية، لأن أفكاره تُنتج داخل ما تسميه حنّة أرندت الفضاء العمومي الطبيعي، حيث يمكن للفعل والكلام أن يُحاسَب دون أن يكون الوجود نفسه على المحك.

أما الفلسطيني، فهو ذات تعيش ما وصفه والتر بنيامين بـ”حالة الاستثناء التي تحوّلت إلى قاعدة”. في هذا الوضع، لا تكون الأخلاق اختيارًا حرًا، ولا تكون الأفكار نتاج تأمل مجرد، بل استجابات مضغوطة داخل زمن معلّق.

من هنا، فإن تحويل الفلسطيني إلى “إيفان” كامل المسؤولية الأخلاقية يُسقِط الفارق الجوهري بين التفكير في ظل الحياة، والتفكير في ظل التهديد بالإبادة.
لا تكمن إشكالية أطروحة عاهد حلس في جرأتها على مساءلة المجاز، بل في افتراضها الضمني أن المجاز يمتلك استقلالية سببية عن شروط إنتاجه التاريخية. فالمقال يتعامل مع “إيفان الفلسطيني” بوصفه عقلًا يُنتج المعنى ثم يُسلمه للفعل، في حين تُظهر تجارب الاستعمار الاستيطاني أن المجاز غالبًا ما يكون نتيجة للعنف لا مصدرا له، وصيغة لغوية لمحاولة استيعاب ما لا يمكن استيعابه مادياً.

بهذا المعنى، لا يكون المجاز بنية تولِّد الفعل، بل مساحة ضغط يتشكّل فيها المعنى تحت الإكراه. الفعل لا يخرج من المجاز، بل من انسداد الأفق، والمجاز هو اللغة التي تحاول لاحقًا أن تمنح هذا الفعل قابلية للسرد، لا شرعية أخلاقية للفعل ذاته.

من هنا، فإن مساءلة المجاز دون مساءلة شروط إنتاجه المادية والتاريخية تُخاطر بتحويل الأداة التعبيرية إلى متهم، وتُزيح مركز الثقل من البنية الاستعمارية إلى المخيال الواقع تحت القسر.

ثانيًا: الحجر أمام الدبابة والمجاز قبل الحركات المنظمة
من المهم التوضيح أن فكرة الطفل والحجر أمام الدبابة سبق نشوء حماس وانطلاقة انتفاضة الحجارة. هذا يعني أن المجاز لم يولد التنظيم السياسي، بل وُجد أولًا كصورة مقاومة رمزية، كرد فعل ثقافي على القهر.

وفقا لفرانز فانون في معذبو الأرض، العنف الرمزي واللغوي عند الشعوب المستعمَرة ليس اختيارًا جماليًا، بل استجابة مباشرة لعنف مادي قائم.
الطفل في مواجهة الدبابة ليس أسطورة حبًا في الموت، بل صورة وُلدت لأن الطفولة نفسها صارت بلا حماية، والحياة بلا أفق، والجسد هو آخر ما تبقّى للقول.

الخطر لا يكمن في المجاز بحد ذاته، بل في اللحظة التي يتحوّل فيها من لغة اضطرار إلى منطق دائم، ومن أداة صمود إلى نظام أخلاقي مغلق لا يعرف متى يتوقف.

ثالثًا: حنّة أرندت ومسؤولية الفعل تحت القسر
يقترب عاهد حلس في مقاله من أطروحة أرندت حين يميّز بين من يفكر ومن ينفذ. لكن أرندت نفسها، في حديثها عن المسؤولية، تشدّد على شرط أساسي: المسؤولية الأخلاقية تفترض حدًا أدنى من الحرية. في أوضاع القهر القصوى ينهار الفاصل بين الفعل والضرورة، ويصبح السؤال الأخلاقي معقدًا لا مطلقًا.

الإشكال في تشبيه سميردياكوف بحماس لا يكمن فقط في اختلاف السياق السياسي، بل في تجاهل شرط حنّة أرندت: سميردياكوف يقتل داخل نظام يسمح له بالاختيار، أما الفعل الفلسطيني فيحدث داخل منظومة تُضيّق الخيارات إلى حدها الأدنى.

رابعًا: المقاومة كحتمية تاريخية ونماذج التحرر العالمية
إذا قارنا التجربة الفلسطينية بنماذج التحرر العالمية، نلاحظ نمطًا متكررًا:

الشعوب الضعيفة تستخدم المجاز والفعل كأدوات اضطرارية للتواصل والمقاومة.

الرموز، الصور، والفعل الفردي أو الجماعي غالبًا ما تتقدم على التنظيم السياسي الكامل، لكنها تصبح لاحقًا أدوات المقاومة المنهجية.


أمثلة عالمية على الثمن البشري للتحرر:

فيتنام: واجه المزارعون والقرى الصغيرة قوة عسكرية فرنسية ثم أمريكية ضخمة، حيث كانت الكمائن، التضحية الفردية، والصمود المدني لغة المقاومة ضد القهر المادي، مع خسائر بشرية تراوحت بين 2-3 ملايين شهيد، معظمهم من المدنيين.

الجزائر: حرب التحرر ضد الاستعمار الفرنسي (1954–1962) خلفت نحو 1.5 مليون شهيد، معظمهم من المدنيين، وأظهرت أن الاستقلال غالبًا يأتي بثمن دموي هائل ودمار عمراني واسع.

الهند وستالينغراد: استقلال الهند من الاستعمار البريطاني أدى إلى تقسيم دموي بين الهند وباكستان تسبب في ملايين القتلى واللاجئين، بينما في معركة ستالينغراد تكبد الروس أكثر من مليون شهيد بينهم نسبة كبيرة من المدنيين.


هذه الحالات تبرز أن الثمن غالبًا جزء لا يتجزأ من تحقيق هدف وجودي أو استراتيجي، ويتقاطع مع فلسفة المقاومة للشعوب الضعيفة.

خامسًا: التميّز الفلسطيني في سياق عالمي
بينما دفعت جميع نماذج التحرر السابقة ثمنًا بشريًا هائلًا، فلسطين تتميز بأنها تتعرض لاستهداف شامل بالمحو: جغرافي وديموغرافي وحضاري متزامن. المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني الإحلالي في فلسطين لا يسعى فقط إلى السيطرة العسكرية أو السياسية، بل إلى الاقتلاع، الإحلال، وتغيير هوية الأرض بالكامل.

هذا يجعل فلسطين حالة فريدة في التاريخ الحديث، حيث يلتقي القهر العسكري والسياسي والثقافي والرمزي في مشروع واحد للإبادة المادية والمعنوية.
لذلك، مساءلة المجاز والفعل الفلسطيني يجب أن تأخذ هذا البعد الفريد بعين الاعتبار: الثمن الباهظ ليس مجرد نتيجة للحروب، بل جزء من محاولات الاحتلال لإلغاء الشعب نفسه.

غير أن القول بذلك لا يعني التسليم بحتمية أشكال العنف أو حدوده. التاريخ يقدم نماذج متعددة لإدارة الكلفة البشرية والسياسية: تفاوت في شدتها، توزيعها، ووعي المجتمعات بها. الحتمية هنا ليست التضحية المطلقة، بل الصراع مع قوة مهيمنة لا تتنازل طوعًا. أما كيف يُخاض هذا الصراع وكيف تُدار الخسارة ومن يملك قرار تحويل التضحية من ضرورة مؤقتة إلى أفق دائم، فهذا سؤال سياسي وأخلاقي مفتوح.

سادسًا: لماذا لا توجد نماذج بلا ثمن؟
تفسير فانون وأطر فلسفة التحرر واضح: القوة المهيمنة لا تتخلى عن السيطرة إلا بعد مقاومة مستمرة.

الشعوب الضعيفة أمامها خياران فقط: دفع الثمن الباهظ أو الاستسلام للاستمرار في القهر.

أي محاولة “تجاوز للثمن” غالبًا ما تتحول إلى استسلام أو إخضاع، لا إلى تحرر حقيقي.


لا توجد حالة تحرير تاريخية ناجحة استطاعت الفرار من الكلفة الإنسانية أو السياسية بالكامل. أفضل النماذج هي التي استطاعت تقليل الثمن أو إدارته بذكاء، لكنها لم تتمكن من تجنبه.

بهذا المعنى، مساءلة المجاز لا تتناقض مع الاعتراف بحتمية الثمن، بل تهدف إلى منع تحوّل الفعل من مأساة اضطرارية إلى نظام مغلق يعيد إنتاج ذاته باسم التاريخ.

سابعًا: الدروس للفلسطينيين والشعوب الواقعة تحت الاحتلال

المقاومة غالبًا مصحوبة بثمن باهظ لا يمكن تجنبه، سواء أكان دمًا، تهجيرًا، أو دمارًا.

المجاز (الحجر أمام الدبابة، الرمزية، التضحية) يصبح أداة لتخفيف أثر القهر، وليس سببًا للأذى.

مساءلة المجاز مفيدة، لكنها يجب أن تترافق مع فهم أن الثمن جزء من حتمية التحرر.


ثامنًا: بنيامين وسؤال المعنى بعد الخراب
حين يتساءل حلس بمرارة: “كيف ما زال هناك من يبحث في هذا الدمار عن معنى؟”، فإنه يلامس، دون أن يسمّي، أطروحة والتر بنيامين عن التاريخ.
بنيامين يحذّر من البحث عن المعنى داخل الركام بوصفه تبريرًا للتقدم، لكنه يرى أن الضحايا لا يملكون سوى هذا البحث كي لا يتحوّل موتهم إلى رقم. المأساة ليست أن الفلسطينيين بحثوا عن معنى، بل أن العالم لم يقدّم لهم أي أفق آخر سوى هذا المعنى القاسي.

تاسعًا: نقد المجاز من داخل معركة البقاء
لا يعني الاعتراف بحالة الاستثناء التي يعيشها الفلسطيني إلغاء كل أشكال المسؤولية داخل الجماعة الواقعة تحت القهر، كما لا يعني تحميلها وزر الكارثة. المسؤولية هنا ليست مسؤولية سيادية كاملة، بل مسؤولية نسبية، مشروطة، ومحدودة بالإكراهات الواقعية.

تذكّرنا حنّة أرندت بأن المسؤولية السياسية لا تفترض الحرية المطلقة، بل القدرة - ولو المحدودة - على التمييز، وعلى منع الضرورة من التحوّل إلى عقيدة. أما فانون، فرغم دفاعه عن العنف التحرري، يحذّر من لحظة يتحوّل فيها العنف من أداة لتحرير الإنسان إلى آلية لإعادة إنتاج موته.

بهذا المعنى، لا تكون مساءلة الفعل الفلسطيني خيانة، ولا يكون تعليقها فضيلة. السؤال الأخلاقي الحقيقي ليس: لماذا قاوم الفلسطيني؟ بل: كيف نحول دون أن تتحوّل المقاومة - تحت ضغط الإبادة - إلى أفق مغلق يلتهم أبناءه باسم البقاء؟

هنا فقط يصبح نقد المجاز ضرورة داخلية، لا استجابة لضغط خارجي، فعل حماية للمعنى، لا تبريرًا للخراب، ومحاولة يائسة للإبقاء على الإنسان حيًّا داخل معركة يُراد لها أن تُفرغه من إنسانيته.

عاشرًا: القدرة على السؤال في زمن البقاء
في عالم يُراد له أن يرى الفلسطيني إمّا ضحية صامتة تستحق الشفقة، أو فاعلًا مُدانًا يستحق العقاب، يصبح فعل السؤال ذاته شكلاً من أشكال المقاومة. ليس لأن السؤال يبرّئ الفعل، بل لأنه يرفض اختزال الإنسان إلى وظيفة واحدة داخل آلة الإبادة.

إن مساءلة المجاز، في هذا السياق، لا تستهدف نزع الشرعية عن المقاومة، ولا تبرير الكارثة بأثر رجعي، بل تسعى إلى حماية المعنى من التحوّل إلى أداة تبرير للموت. فحين تتحوّل الضرورة إلى عقيدة، ويُرفع القسر إلى مقام الأخلاق، تفقد المقاومة جوهرها الإنساني، حتى وهي تدافع عن البقاء.

ما يواجهه الفلسطيني اليوم ليس سؤال: “هل كان يمكن تفادي الثمن؟” بل سؤال: “كيف نمنع الثمن من أن يصبح أفقًا نهائيًا؟”. هنا فقط يصبح النقد فعل حياة، لا خطاب إدانة، ويغدو التفكير - حتى في قلب الخراب - محاولة أخيرة للإبقاء على الإنسان حاضرًا.

بهذا المعنى، لا يكون السؤال ترفًا فكريًا في زمن الإبادة، بل شرطًا أخلاقيًا للبقاء: بقاء الإنسان، وليس مجرّد استمرار الصراع.

الأقسام

الرئيسية اقتصاد تقارير وتحليلات تكنولوجيا ثقافة حول خبر عاجل رياضة سياسة صحة صور وفيديو عربي ودولي فنون مقالات وآراء منوعات