صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
الحجرية بين سقوط الجغرافيا وانكشاف الدولة  كيف تتحول الجيوش إلى أرقام، والقيادة إلى عبء، والهزيمة إلى سؤال عن المسؤولية؟

الحجرية بين سقوط الجغرافيا وانكشاف الدولة كيف تتحول الجيوش إلى أرقام، والقيادة إلى عبء، والهزيمة إلى سؤال عن المسؤولية؟

تقرير/ اليمن – موسى المليكي

حين تتراجع القوات من مواقعها، لا تكون الخسارة دائماً في الأرض وحدها؛ فقد تكون الخسارة الأعمق في الثقة، وفي هيبة المؤسسة العسكرية، وفي العلاقة بين المجتمع والسلاح الذي يُفترض أن يحميه.
ليست المآسي العسكرية كلها وليدة اختلال موازين القوة، ولا تُفسَّر الانكسارات الكبرى دائماً بتفوق الخصم أو مفاجأة الهجوم. ففي بعض اللحظات، تكشف الهزيمة ما كان مستوراً خلف الشعارات، وتضع المؤسسات أمام مرآة قاسية، وتحوّل ما يبدو حادثاً ميدانياً محدوداً إلى قضية تتجاوز حدود الجغرافيا نحو أسئلة الدولة والشرعية والقيادة والمساءلة.

وفي الحجرية، جنوب غربي محافظة تعز، تكتسب الأحداث المنقولة عن تراجع القوات الحكومية والاضطراب الأمني في محيط مدينة التربة ومناطق مديرية الشمايتين أبعاداً تتجاوز حركة الأرتال وتبدل مواقع الانتشار. فالمسألة، إذا صحت تفاصيل الشهادات المتداولة بشأن الانسحابات والاشتباكات والاختلالات القيادية، لا تتعلق بخسارة موقع أو إخلاء نقطة أمنية فحسب؛ بل تفتح الباب أمام سؤال أشد خطورة: كيف يمكن لقوة عسكرية يُفترض أنها موجودة لحماية منطقة ذات أهمية استراتيجية أن تعجز عن تحويل حضورها العددي إلى قدرة دفاعية متماسكة؟
إن أخطر ما في الانكسارات العسكرية ليس ما يحدث على خطوط التماس وحدها، بل ما تكشفه من أعطال داخل المؤسسة التي أُوكلت إليها مهمة الدفاع. فحين تتراجع القوات، وتتضارب الروايات، وتغيب المعلومات الدقيقة، ويجد المواطن نفسه عاجزاً عن معرفة من يقاتل ومن ينسحب ومن يصدر الأوامر، تصبح الأزمة أكبر من مجرد خلل تكتيكي؛ إنها أزمة ثقة في منظومة كاملة.

وهنا تبدأ حكاية الحجرية الحقيقية: لا من سؤال من دخل ومن خرج فحسب، بل من سؤال أكثر إلحاحاً: من كان مسؤولاً عن حماية الأرض، ولماذا لم تتحول الإمكانات المعلنة إلى ضمانات فعلية للأمن؟
أولاً: الحجرية ليست هامشاً جغرافياً في معادلة تعز
تحتل الحجرية موقعاً بالغ الأهمية في الجغرافيا السياسية والعسكرية لمحافظة تعز. فهي ليست مجرد مجموعة من القرى والمرتفعات والطرق المتعرجة، بل فضاء اجتماعي وتاريخي متصل بمركز المحافظة ومحيطها الجنوبي، وتتداخل أهميته مع حركة السكان والإمدادات والاتصالات بين المناطق المجاورة.

وتكتسب مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين، أهمية خاصة بحكم موقعها ووظيفتها الإدارية والاجتماعية، فضلاً عن اتصالها بشبكة من الطرق والمناطق التي تجعل استقرارها جزءاً من استقرار نطاق جغرافي أوسع.

لكن أهمية الجغرافيا لا تعني أنها عصية على الاختراق، كما أن المكان الذي يحمل ذاكرة طويلة من الصمود ليس محصناً تلقائياً من أخطاء الحاضر.

فالتاريخ لا يحرس الأرض نيابة عن أبنائها، والبطولات السابقة لا تمنح المؤسسات العسكرية حصانة دائمة من الفشل. إنما تُصان المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية بوجود قيادة مسؤولة، ومؤسسة منضبطة، ومعلومات موثوقة، وقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

ومن هنا، فإن أي اضطراب أمني في محيط التربة والحجرية لا ينبغي التعامل معه بوصفه حادثة محلية معزولة، ولا اختزاله في رواية دعائية تتبادل فيها الأطراف الاتهامات. بل يتعين النظر إليه باعتباره اختباراً لقدرة المؤسسات المعنية على حماية منطقة حساسة، وتحديد مواطن الخلل، ومنع تحول الثغرات العسكرية إلى أزمات اجتماعية وسياسية أوسع.

فالأرض لا تسقط في الوعي العام بمجرد تغير خطوط الانتشار؛ إنها تبدأ في السقوط حين يشعر سكانها بأن المؤسسات الموجودة فيها لا تملك إجابات واضحة عن الأخطار التي تواجههم.

ثانياً: معضلة الجيش الذي تحاصره الأرقام
من أكثر الأسئلة إثارة للقلق في الروايات المتداولة بشأن أحداث الحجرية الحديث عن عشرات الآلاف من المقاتلين، وعن ألوية وتشكيلات متعددة يُفترض أنها تنتشر في نطاق جغرافي واحد، بينما تتحدث الشهادات عن ارتباك ميداني وتراجع في بعض المواقع وضعف في التنسيق.

وتتطلب هذه الأرقام، قبل اعتمادها أو البناء عليها، مراجعة دقيقة لكشوفات القوة الفعلية، ومواقع الانتشار، ومستويات الجاهزية، وسلاسل القيادة، وحجم القوات الموجودة فعلياً في الميدان مقارنة بالأعداد المسجلة إدارياً.

لكن القضية الجوهرية لا تتوقف على صحة رقم بعينه. فحتى إذا ثبت أن القوات أقل مما تعلنه الكشوفات، فإن ذلك يكشف مشكلة إدارية ومالية تستحق التحقيق. وإذا ثبتت صحة الأرقام، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً: لماذا لم تنعكس هذه الكتلة البشرية والعسكرية على مستوى الاستعداد والقدرة على حماية المواقع؟

إن الفرق بين الجيش الحقيقي والجيش الورقي لا يُقاس بعدد الأسماء في السجلات، ولا بعدد الأطقم التي تظهر في الطرقات، ولا بعدد الشعارات التي ترفعها التشكيلات المسلحة. يُقاس بقدرة المؤسسة على تنفيذ مهمتها، وبمدى انضباط أفرادها، وبوضوح المسؤوليات، وبفاعلية منظومة القيادة والسيطرة.

قد تمتلك منطقة ما آلاف المقاتلين، لكنها تفتقر إلى قيادة موحدة؛ وقد تتعدد ألوية الانتشار، بينما تغيب صورة الموقف العملياتي المشتركة؛ وقد تتوافر الأسلحة والآليات، لكن تنقصها منظومة القرار التي تجعلها تعمل ضمن هدف واحد.
في هذه الحالة، لا يتحول العدد إلى مصدر قوة، بل قد يصبح ستاراً يخفي ضعف التنظيم.

والأخطر أن تتحول الكشوفات العسكرية إلى أرقام جامدة لا تعكس الواقع، أو أن يصبح التسجيل الإداري بديلاً عن التحقق الميداني. فحين تنفصل البيانات عن الحقيقة، تفقد القيادة قدرتها على تقدير المخاطر، ويصبح التخطيط قائماً على افتراضات مضللة، وتتحول الموارد المخصصة للدفاع إلى عبء على المؤسسة بدلاً من أن تكون ضمانة لأمن المجتمع.
لذلك، فإن أي حديث عن أعداد المقاتلين في جبهات الحجرية والشمايتين ينبغي أن يقود إلى مراجعة مؤسسية مستقلة، لا إلى الاكتفاء بتبادل الأرقام والاتهامات.

كم عدد الأفراد الموجودين فعلياً؟ كم منهم يؤدي مهامه في مواقع الانتشار؟ ما مستوى الجاهزية؟ كيف توزعت المسؤوليات؟ وهل تتطابق السجلات الإدارية والمالية مع الواقع الميداني؟

هذه ليست أسئلة هامشية، بل هي المدخل الضروري لمعرفة ما إذا كانت المشكلة نقصاً في الموارد، أم خللاً في الإدارة، أم أزمة أعمق في بنية المؤسسة العسكرية.

ثالثاً: حين يصبح الانسحاب لغزاً أكبر من الهجوم
تتحدث شهادات متداولة عن تراجع قوات حكومية من مواقع في محيط الحجرية، وعن اضطراب في بعض النقاط الأمنية، وعن حوادث إطلاق نار وارتباك رافق حركة القوات. كما تذهب روايات أخرى إلى وجود اختراقات داخلية أو ترتيبات سبقت التطورات الميدانية.

غير أن هذه التفاصيل، على خطورتها، تحتاج إلى تحقيق مهني يحدد تسلسل الأحداث، وطبيعة الاشتباكات، والجهات التي شاركت فيها، والأوامر التي صدرت خلالها، والمسؤوليات المترتبة عليها.
ففي الحروب، لا يكفي أن نعرف أن قوة ما تراجعت؛ بل يجب أن نعرف لماذا تراجعت، ومن اتخذ قرار الانسحاب، وما إذا كان القرار جزءاً من خطة عسكرية أم نتيجة انهيار في القيادة، وهل جرى الانسحاب بصورة منظمة أم ترك القوات والأهالي أمام مخاطر غير محسوبة.

إن الانسحاب ليس خيانة في جميع الأحوال، كما أن البقاء في الموقع ليس بطولة في جميع الأحوال. فقد يكون الانسحاب قراراً عسكرياً مشروعاً تفرضه موازين القوة أو ضرورات إعادة الانتشار، وقد يتحول في ظروف أخرى إلى انهيار غير منظم يكشف غياب القيادة وسوء التقدير.

والفارق بين الحالتين لا تحدده الشعارات، بل الوثائق والأوامر والوقائع الميدانية.
لكن ما يضاعف خطورة أي انسحاب هو أن يحدث في ظل غموض يحيط بمصير المواقع، وتضارب في المعلومات، وعجز عن تفسير ما جرى للرأي العام. ففي تلك اللحظة، لا يعود الفراغ عسكرياً فقط؛ بل يصبح فراغاً في المعلومة والثقة والمسؤولية.

وإذا كانت القوات قد واجهت هجوماً مفاجئاً، فمن حق المواطنين معرفة ما الذي جعل المفاجأة ممكنة. وإذا كانت قد تلقت أوامر بإعادة الانتشار، فمن حقهم معرفة الأسس التي بُني عليها القرار. وإذا وقع إخلال بالواجب أو تجاوز للتعليمات، فمن حقهم أن يعرفوا من المسؤول، وأن يروا إجراءات قانونية عادلة وشفافة.

أما ترك الوقائع معلقة بين الروايات المتعارضة، فهو وصفة مضمونة لتوسيع دائرة الشك، وتحويل الحادثة العسكرية إلى أزمة سياسية واجتماعية طويلة الأمد.

رابعاً: الاتهام بالخيانة ليس بديلاً عن التحقيق
من أخطر ما يرافق الانكسارات العسكرية أن تتحول الشكوك سريعاً إلى أحكام نهائية، وأن تصبح الاتهامات بالخيانة والتواطؤ بديلاً عن التحقيق.

ففي سياق الأحداث المتداولة في الحجرية، ظهرت روايات تتحدث عن أفراد غيّروا ملابسهم العسكرية، أو انتقلوا بين المواقع، أو رددوا شعارات مرتبطة بالخصم، كما تحدثت اتهامات أخرى عن كمين داخلي واختراقات محتملة في بعض التشكيلات.

إن صحت هذه الوقائع وثبتت بالأدلة، فإنها تمثل مسائل بالغة الخطورة تستوجب تحقيقاً قضائياً وعسكرياً جاداً. لكن إثباتها لا يمكن أن يقوم على الانطباعات أو الشهادات المبتورة أو الاستنتاجات السياسية وحدها.
فالخيانة جريمة خطيرة، والاتهام بها يستلزم أدلة يمكن التحقق منها، وشهادات متقاطعة، وفحصاً للوقائع والقرائن، وضمانات قانونية تحول دون تصفية الحسابات تحت غطاء المساءلة.

وهذا لا يعني التهوين من احتمال وجود اختراقات داخلية؛ بل يعني التعامل معها بالجدية التي تستحقها.
إذا كان هناك أفراد سهّلوا تحرك قوات معادية، أو كشفوا معلومات عسكرية، أو تخلوا عن مواقعهم خلافاً للأوامر، أو تعاونوا مع جهة مهاجمة، فيجب تحديد هوياتهم وأفعالهم ومسؤولياتهم وفق القانون. وإذا ثبت تورط مسؤولين في إصدار أوامر أضرت بالقوات أو عرضت المدنيين للخطر، فيجب إخضاع قراراتهم للمراجعة والمساءلة.

لكن تعميم الاتهام على وحدات كاملة، أو تحويل رواية لم تُحسم إلى حقيقة نهائية، قد يضر بالحقيقة نفسها، ويمنح المسؤولين الفعليين فرصة للاختباء وسط ضجيج الاتهامات المتبادلة.

إن التحقيق الجاد لا يحمي المتهمين، بل يميز بين المسؤول والمشتبه به والبريء، ويمنع أن تتحول العدالة إلى أداة انتقام.
والأوطان التي تريد معرفة أسباب هزائمها لا تكتفي بلعن الخيانة؛ بل تبحث عن أدلتها، وتحدد مساراتها، وتغلق الثغرات التي سمحت بها.

خامساً: اللواء الرابع مشاة جبلي تحت مجهر المساءلة
برز اسم اللواء الرابع مشاة جبلي في الروايات والاتهامات المتداولة بشأن التطورات الأخيرة في الحجرية والشمايتين. وذهبت بعض تلك الروايات إلى تحميله مسؤولية مباشرة عن الاختلالات الميدانية، وربطت بين دوره العسكري السابق وطبيعة علاقته بالمجتمع المحلي.
وتفرض خطورة هذه الاتهامات التعامل معها عبر مسارين متكاملين: مسار يتعلق بالأداء العسكري خلال الأحداث، وآخر يتعلق بالوقائع السابقة التي تستوجب التحقيق إذا ثبت وقوع انتهاكات بحق المدنيين.
في المسار الأول، ينبغي تحديد طبيعة المسؤوليات القيادية للواء، ونطاق انتشاره الفعلي، والأوامر التي صدرت إليه، ومدى التزام وحداته بها، وأسباب أي تراجع أو فقدان للمواقع التي كانت ضمن مسؤوليته.
ولا يكفي أن يُذكر اسم تشكيل عسكري في رواية متداولة لإثبات مسؤوليته عن كل ما حدث في نطاق انتشاره. فالمساءلة المهنية تقتضي التمييز بين المسؤولية المباشرة والمسؤولية القيادية والمسؤولية الإدارية، وتحديد الوقائع المنسوبة إلى كل مستوى.
أما المسار الثاني، فيتعلق بالاتهامات بشأن الاعتقالات التعسفية أو إساءة المعاملة أو استخدام القوة ضد أبناء المنطقة. وإذا كانت هناك شكاوى موثقة من احتجاز أشخاص دون سند قانوني، أو تعريضهم للتعذيب، أو استخدام القوة بصورة غير مشروعة، فإن هذه الوقائع تستوجب تحقيقاً مستقلاً وإنصافاً للضحايا.

فالمؤسسة العسكرية لا تفقد ثقة المجتمع بسبب إخفاق ميداني فحسب؛ بل قد تفقدها أيضاً حين يشعر الناس بأنها تتعامل معهم باعتبارهم خصوماً محتملين، لا مواطنين يفترض أن تحميهم.

ولا يمكن بناء دفاع مستدام عن أي منطقة بالقوة وحدها. فالعلاقة بين القوات والمجتمع المحلي عنصر أساسي في الأمن، ومصدر للمعلومات والثقة والتعاون. وكلما اتسعت الفجوة بينهما، تقلصت قدرة المؤسسة على أداء مهمتها، مهما امتلكت من أسلحة وأفراد.

ومع ذلك، فإن الحكم على أي تشكيل أو قائد يجب أن يقوم على وقائع مثبتة وتحقيقات قابلة للمراجعة، لا على الإدانة المسبقة أو التبرئة السياسية.

المطلوب ليس صناعة متهم جاهز لإغلاق الملف، بل كشف الحقيقة كاملة، مهما كان موقع المسؤول عنها.

سادساً: تعدد التشكيلات... حين تتوزع القوة وتتوه المسؤولية
تتعدد في الساحة اليمنية تشكيلات عسكرية وأمنية تختلف في بنيتها التنظيمية ومرجعياتها ومناطق انتشارها. ويبرز هذا التعقيد بصورة خاصة في البيئات التي تتداخل فيها القوات الحكومية مع تشكيلات أخرى، وتتشابك فيها خطوط الدعم والقرار.

وقد تتعايش تشكيلات متعددة داخل مسرح عمليات واحد من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى الفشل. لكن الخطر يبدأ عندما لا تقابل تعددية القوات وحدة في القيادة، وعندما يصبح التنسيق رهناً بالتفاهمات الظرفية بدلاً من القواعد المؤسسية الواضحة.

وفي أي منطقة تواجه تهديداً عسكرياً، ينبغي أن تكون المسؤوليات محددة سلفاً: من يتولى القيادة؟ من ينسق الانتشار؟ من يملك صلاحية إصدار الأوامر؟ كيف تتبادل الوحدات المعلومات؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تتعارض التعليمات أو تتأخر الاستجابة؟
هذه الأسئلة ليست تفاصيل بيروقراطية؛ إنها جوهر العمل العسكري المنظم.

فالقوة التي لا تعرف حدود مسؤوليتها قد تتردد في اللحظة الحاسمة، والقائد الذي لا يملك صورة دقيقة عن وحداته قد يتخذ قرارات متأخرة، والتشكيلات التي تعمل وفق أولويات متنافسة قد تستهلك مواردها في حماية نفوذها بدلاً من حماية الأرض.

وفي المقابل، فإن وجود قيادة واضحة لا يعني إلغاء استقلالية كل وحدة في أداء مهامها، بل يعني إخضاع هذا الأداء لخطة مشتركة، وتحديد المسؤوليات، ومنع التناقض بين الأوامر.

وإذا كانت أحداث الحجرية قد كشفت بالفعل عن تداخل في الأدوار أو تضارب في القرارات، فإن معالجة المشكلة لا تكون بإضافة تشكيل جديد إلى المشهد، ولا بتغيير الأسماء والرتب فحسب، بل بإعادة بناء منظومة القيادة والسيطرة على أسس مهنية واضحة.

فالمشكلة لا تُحل بكثرة البنادق حين يكون الخلل في اليد التي تحدد اتجاهها.

سابعاً: من يحاسب القيادة حين يدفع الجنود الثمن؟
في كل مؤسسة عسكرية محترفة، ترتبط الصلاحيات بالمسؤولية. فالقائد الذي يمتلك سلطة إصدار الأوامر يتحمل مسؤولية القرارات التي يتخذها ضمن حدود منصبه وواجباته، وتخضع قراراته للتقييم حين تتكشف نتائجها.

أما حين تتحول القيادة إلى موقع امتياز لا تترتب عليه محاسبة، فإن الجنود يصبحون الحلقة الأضعف في منظومة القرار: يُطلب منهم الصمود عندما تكون الظروف مناسبة، ثم يُتركون وحدهم عندما ينهار التنسيق، وتُلقى عليهم مسؤولية الإخفاقات التي قد تكون نتاج قرارات لم يشاركوا في صنعها.
ولهذا فإن أي تحقيق جاد في أحداث الحجرية يجب ألا يقتصر على الجنود الذين غادروا مواقعهم، أو الأفراد الذين تفرقت بهم السبل، أو الوحدات التي ظهرت في صور الانسحاب.

بل ينبغي أن يبدأ من تسلسل القرار نفسه.
من كان مسؤولاً عن تقدير الموقف؟ من أصدر الأوامر؟ هل وصلت التعليمات إلى الوحدات المعنية؟ هل كانت القوات تملك المعلومات والوسائل اللازمة لتنفيذ مهامها؟ هل جرى تنسيق التحركات بين التشكيلات المختلفة؟ وهل اتُّخذت إجراءات لحماية المدنيين وتأمين المواقع الحيوية؟
ثم يأتي السؤال الأهم: هل كانت هناك مؤشرات سابقة على الاختلالات، وهل رُفعت تقارير بشأنها، وكيف تعاملت القيادة معها؟

إن المحاسبة الحقيقية لا تبحث فقط عمن كان في مقدمة المشهد لحظة الانهيار، بل عمن صنع الظروف التي جعلت الانهيار ممكناً.

وهي لا تعني افتراض مسؤولية القائد عن كل نتيجة سلبية بصورة آلية، بل تعني فحص قراراته وصلاحياته والمعلومات المتاحة له والإجراءات التي اتخذها أو أهملها، وصولاً إلى تحديد المسؤولية على أساس الأدلة.

وإذا ثبت وجود إهمال جسيم أو تجاوز للأوامر أو استغلال للمنصب أو تقصير في حماية القوات والمدنيين، فيجب أن تترتب على ذلك نتائج قانونية وإدارية واضحة.
أما الاكتفاء بتغيير مواقع بعض الضباط، أو تشكيل لجنة شكلية، أو إصدار بيان ينفي المسؤولية، فلن يعيد الثقة، ولن يمنع تكرار الأزمة.

ثامناً: المواطن الذي تُرك بين الخوف وتضارب الروايات
وراء كل تحرك عسكري، هناك مجتمع يعيش نتائجه اليومية. هناك أسرة تخشى على أبنائها، ومزارع يقلق على أرضه، وتاجر يخشى انقطاع الطرق، ومريض يحتاج إلى الوصول إلى المستشفى، وطفل لا يفهم من صراع التشكيلات سوى أصوات الرصاص والوجوه المذعورة.

ولذلك لا يجوز أن تتحول القراءة العسكرية للأحداث إلى حديث عن المواقع والألوية وحدها، متجاهلةً ما يترتب على الاضطراب الأمني من مخاطر على المدنيين.

ففي المناطق التي تتقاطع فيها خطوط الحركة العسكرية مع الطرق والأسواق والتجمعات السكانية، يصبح سوء التنسيق تهديداً مباشراً للحياة اليومية. وقد يؤدي غياب المعلومات الموثوقة إلى نزوح غير ضروري، أو تعطيل المصالح، أو انتشار الشائعات، أو زيادة مخاطر التنقل.
كما أن اتهام المجتمعات المحلية بالولاء لهذا الطرف أو ذاك، من دون أدلة، قد يوسع دائرة الانقسام ويجعل السكان أنفسهم ضحايا لتنافس القوى المسلحة.

إن حماية المجتمع لا تتحقق بمجرد إعلان السيطرة على الأرض، بل بضمان سلامة الناس، وصون حقوقهم، واحترام القانون، وتوفير المعلومات الضرورية لهم في أوقات الخطر.

وإذا كانت هناك تجاوزات أو اعتداءات أو عمليات احتجاز غير قانونية، فينبغي توفير آليات آمنة لتقديم الشكاوى، وحماية الشهود من الانتقام، وضمان وصول المتضررين إلى الجهات المختصة.

كما ينبغي توضيح الحقائق المتعلقة بالطرق والمناطق المتأثرة، وتقديم معلومات دقيقة عن المخاطر، وتجنب البيانات المتضاربة التي تزيد قلق السكان.

فالأمن الذي لا يشعر به المواطن في حياته اليومية يظل ناقصاً، والسلطة التي تطالب المجتمع بالثقة مطالبة أولاً بأن تقدم ما يبرر هذه الثقة.

تاسعاً: لماذا لا تكفي البيانات العسكرية؟
عندما تقع أزمة ميدانية، تتسابق الأطراف عادة إلى تقديم رواياتها. يحمّل طرف خصمه المسؤولية، ويؤكد آخر أن ما حدث لا يعدو إعادة انتشار، فيما تتحدث روايات ثالثة عن اختراق أو خيانة أو انهيار.
لكن البيانات، مهما كانت حاسمة في لغتها، لا تستطيع وحدها أن تحل محل الوقائع.

فالبيان العسكري ليس بديلاً عن سجل الأوامر، والتصريح الإعلامي ليس بديلاً عن التحقيق، والنفي الرسمي لا يثبت تلقائياً عدم وقوع الحادثة، كما أن الاتهام المنشور لا يثبت وحده مسؤولية الجهة المتهمة.
وفي بيئة تتعدد فيها مراكز النفوذ، تصبح الشفافية ضرورة أمنية قبل أن تكون التزاماً إعلامياً. فحجب المعلومات أو التلاعب بها قد يمنح الأطراف مساحة مؤقتة للمناورة، لكنه يضاعف تكلفة الأزمة على المدى الطويل.

ومن هنا، فإن المطلوب من الجهات العسكرية والأمنية المعنية بأحداث الحجرية تقديم رواية موثقة، تتضمن التسلسل الزمني للتطورات، وطبيعة المواقع التي تأثرت، وأسباب أي انسحاب أو إعادة انتشار، وحصيلة الخسائر التي أمكن التحقق منها، والإجراءات المتخذة لحماية المدنيين.
كما ينبغي توضيح ما إذا كانت هناك تحقيقات بشأن ادعاءات الاختراق أو التخلي عن المواقع أو وقوع انتهاكات، مع الإعلان عن نتائجها حين تسمح الإجراءات القانونية بذلك.

ولا تعني الشفافية نشر معلومات عملياتية حساسة قد تعرض القوات أو المدنيين للخطر، بل تعني التمييز بين المعلومات التي يجب حمايتها لأسباب أمنية، والمعلومات التي يحتاج إليها المجتمع لفهم ما جرى ومحاسبة المسؤولين.
إن المؤسسة الواثقة من سلامة قراراتها لا تخشى التحقيق المهني، والقيادة التي تريد استعادة ثقة الناس لا تكتفي بمطالبتهم بتصديقها.

عاشراً: دروس الساحل الغربي والانكسارات المتكررة
تستدعي الانكسارات العسكرية في اليمن، أياً كانت المناطق التي تشهدها، سؤالاً أوسع بشأن قدرة المؤسسات والتشكيلات المسلحة على التعلم من التجارب السابقة.
فالتاريخ العسكري لا يقدم دروسه لمجرد أن تُسجل الوقائع في التقارير، بل حين تتحول تلك الدروس إلى إصلاحات في التدريب والقيادة والتخطيط والمساءلة.
وإذا أظهرت مراجعة أحداث الحجرية أوجه شبه مع تجارب سابقة شهدت انسحابات مفاجئة أو تراجعاً في بعض الجبهات، فإن المقارنة ينبغي أن تتجاوز التشابه في المشهد نحو تحديد أسباب التكرار.

📂 الأقسام

الرئيسية اقتصاد تقارير وتحليلات تكنولوجيا ثقافة حول خبر عاجل رياضة سياسة صحة صور وفيديو عربي ودولي فنون مقالات وآراء منوعات