صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
قصة عبد الوهاب راوح الذي غيّر وجه الإدارة والتعليم العالي في اليمن

قصة عبد الوهاب راوح الذي غيّر وجه الإدارة والتعليم العالي في اليمن

بدأ من جامعة صنعاء وابتكر "ثورة الصناديق"..

عبد الوهاب راوح.. الأكاديمي الذي صاغ كواليس الإصلاح الإداري والتعليمي في اليمن
من جامعة صنعاء إلى رئاسة جامعة عدن.. رحلة راوح لضبط الجودة الأكاديمية
من دهاليز اللسانيات إلى صناعة السياسات.. محطات مفصلية في مسيرة البروفيسور راوح
فكرة خارج الصندوق.. كيف أسس راوح أول تمويل مستدام للرياضة اليمنية؟

تقف الرموز الأكاديمية والإدارية كركائز أساسية في عملية التحول الهيكلي والنهوض بالمؤسسات التعليمية والخدمية في أي بلد. وفي هذا السياق، برز الأستاذ الدكتور عبد الوهاب راوح كأحد أبرز مهندسي السياسات العامة والتعليم العالي على مدى أربعة عقود في اليمن.

وتأتي أهمية قراءة مسيرته من كونه يجمع بين الرصانة الأكاديمية كعالم لغوي متخصص في "اللسانيات" بجامعة صنعاء، وبين الحنك الإدارية والتخطيطية كوزير قاد ثلاث وزارات حيوية في فترات زمنية دقيقة، وصولاً إلى رئاسته لجامعة عدن وعضويته في مجلس الشورى.

بدايات المسار
ولد الدكتور عبد الوهاب راوح في عام 1952م في مديرية صبر الموادم بمحافظة تعز، حيث تلقى تعليمه الأولي قبل أن ينطلق في مسار أكاديمي تخصصي رصين.
بدأت مسيرته الأكاديمية الفذة من رحاب جامعة صنعاء، حيث نال درجة الليسانس بامتياز من كلية الآداب عام 1977م، مما أهّله ليعُيّن معيداً في الكلية نفسها.
بدافع الشغف بمكنونات اللغة العربية، أُوفد للدراسات العليا في جمهورية مصر العربية، والتحق بكلية الآداب العريقة بجامعة عين شمس، لينال منها درجة الماجستير في الدراسات اللغوية عام 1981م، ثم يُتوّج مسيرته بشهادة الدكتوراه في اللسانيات عام 1986م.

عقب عودته إلى أرض الوطن، تدرج راوح في السلك الأكاديمي بجامعة صنعاء بفضل كفاءته الإدارية وعمقه المعرفي؛ فشغل منصب وكيل كلية الآداب (1987 - 1989م)، ثم نائباً لعميد الدراسات العليا والبحث العلمي (1989 - 1992م)، فعميداً لمركز اللغات بالجامعة (1992 - 1994م)، ونال درجة "أستاذ مشارك" في تخصص اللسانيات (علم اللغة) عام 1993م، ليصبح أحد الأعمدة التدريسية التي لا تُنسى في كلية الآداب.

وبدأ مساره الإداري الأكاديمي مبكراً داخل جامعة صنعاء من خلال المهام التالية:
- وكيل كلية الآداب (1987 - 1989م): حيث ساهم في إدارة الشؤون التعليمية والطلابية للكلية في فترة شهدت تدفقاً كبيراً للطلاب نحو التخصصات الإنسانية.

- نائب عميد الدراسات العليا والبحث العلمي (1989 - 1992م): وهي مرحلة مفصلية صاغ فيها مع زملائه اللبنات الأولى لبرامج الماجستير والدكتوراه الناشئة في الجامعة، ووضع معايير صارمة للمناقشات والمنح العلمية.

- عميد مركز اللغات بجامعة صنعاء (1992 - 1994م): وهي المحطة التي أدار فيها تطوير مهارات الطلاب اللغوية والانفتاح على المناهج الحديثة لتدريس اللغات الأجنبية كأدوات للبحث العلمي والتبادل المعرفي.

إرث بحثي وفكري
يتوزع الإنتاج الفكري والبحثي للدكتور عبد الوهاب راوح بين حقلين أساسيين: التخصص الدقيق في اللسانيات وقضايا اللغة العربية، والتنظير الإداري والسياسي حول مفاهيم الحكم الرشيد واللامركزية.
في الجانب اللغوي، ركزت أبحاثه المحكمة على قضايا فقه اللغة، والتحليل البنيوي للنصوص، وكيفية تطوير مناهج اللغة العربية في التعليم الجامعي لتواكب المتغيرات المعرفية.

وتميزت طروحاته بالعمق والدقة والميل نحو مأسسة الفكر اللغوي وربطه بالهوية الوطنية والتنمية المعرفية.

أما في الحقل الفكري العام والإداري، فيُسجل للدكتور راوح أنه كان من أوائل الأكاديميين والمسؤولين اليمنيين الذين كتبوا ونظروا لمفهوم الحكم الرشيد (Good Governance) في بيئة الإدارة العامة اليمنية. لم تكن كتاباته مجرد ترف فكري، بل تركزت حول:
- صياغة أدبيات واضحة تحدد معايير الشفافية والمساءلة والمحاسبة في الوظيفة العامة.

- تقديم رؤى استراتيجية للانتقال من المركزية الشديدة إلى اللامركزية الإدارية والمالية، لتمكين المحافظات والمديريات من إدارة مواردها وتنمية مجتمعاتها المحلية.

- التأكيد على حتمية وجود إدارة كفؤة ومؤسسات فاعلة ورشيدة كشرط أساسي لبناء الدولة الحديثة وتحقيق الاستقرار التنموي.

ثورة الصناديق
تتضح عبقرية التخطيط الاستراتيجي عند الدكتور عبد الوهاب راوح عند تحليل الحقائب الوزارية والمناصب القيادية التي تقلدها، حيث اتسم أداؤه بالقدرة على إحداث نقلات نوعية تشريعية ومؤسسية تميزت بالديمومة:
وزارة الشباب والرياضة (1994 - 2001م): ابتكار التمويل المستدام
خلال سبع سنوات من قيادته للوزارة، واجه راوح معضلة ضعف التمويل الحكومي للأنشطة الشبابية والرياضية وبناء البنية التحتية. ومن هنا جاءت فكرته الاستراتيجية التي تُمثل ملكيته الفكرية كاملة، وهي إنشاء صندوق رعاية النشء والشباب والرياضة عام 1996م. صدر القرار الجمهوري بالقانون رقم (10) لسنة 1996م ليمنح الصندوق شخصية اعتبارية وذمة مالية مستقلة، يعتمد على موارد ومستقطعات مالية محددة.

ساهم هذا الصندوق في:
- توفير تمويل ذاتي ومستدام لدعم المنتخبات الوطنية والاتحادات الرياضية.

- إنشاء الملاعب والصالات الرياضية والمراكز الشبابية وصيانتها في مختلف المحافظات.

- تأسيس اتحاد الطب الرياضي وتحمل تكاليف علاج إصابات الملاعب.
- تمويل برامج التأهيل والتدريب والأنشطة الشبابية والكشفية، مما جعل تلك الفترة توصف مؤسسياً بأنها العصر الذهبي للبناء والتنمية الشبابية.

وزارة الخدمة المدنية والتأمينات (2001 - 2003م): إرساء قواعد الإصلاح الإداري
انتقل الدكتور راوح إلى وزارة الخدمة المدنية في حكومة الأستاذ عبد القادر باجمال، ومعه رؤيته المسبقة عن "الحكم الرشيد". عمل على تمكين الكفاءات الشابة والدفع بها إلى مراكز القرار (حيث عُين في عهده وكلاء ومسؤولون بارزون قادوا عملية الإصلاح الإداري لاحقاً). تميزت فترته ببدء التأسيس لـ:
- تنظيف كشف الراتب العام ومحاربة الازدواج الوظيفي عبر أنظمة المراقبة والتدقيق.

- تحديث وتطوير معايير التوصيف الوظيفي واحترام قدسية الوظيفة العامة.

- وضع خطط واستراتيجيات تحديث الإدارة العامة التي استمر الخلفاء في العمل بموجبها لسنوات طويلة.

وزارة التعليم العالي والبحث العلمي (يونيو 2003 - فبراير 2006م): مأسسة القطاع الأكاديمي
تولى راوح وقتئذ قيادة الوزارة في مرحلة شهدت توسعاً هائلاً في إنشاء الجامعات الحكومية والأهلية. ركزت جهوده على ضبط الجودة الأكاديمية وتأطير العملية التعليمية من خلال:
- إصدار اللوائح والأنظمة التي تنظم عمل الجامعات الأهلية وتحدد شروط منح التراخيص وتصميم المناهج.

- تحديث آليات الابتعاث الخارجي وإخضاعها لتبادل كفؤ وقائم على الاستحقاق العلمي.

- وضع الأطر التمهيدية لرقمنة المناهج والربط الشبكي بين الجامعات، ودعم مجالات البحث العلمي وتخصيص الموارد لها.

رئاسة جامعة عدن (2006م): رقمنة الإدارة وربط المجتمع
عُين الدكتور راوح رئيساً لجامعة عدن في عام 2006م، ونقل تجاربه الوزارية إلى قلب الحرم الجامعي. شهدت الجامعة في عهده مشاريع حثيثة لتحديث البنية التحتية، والبدء في مشروع أتمتة المكتبات الجامعية وسجلات الطلاب، وتطوير برامج الدراسات العليا. وفي نفس العام، انتُخب رئيساً لنادي التلال الرياضي الثقافي في عدن، ليجمع مجدداً بين الإدارة الأكاديمية والقيادة الشبابية.

صانع الأجيال
يتجاوز أثر الدكتور عبد الوهاب راوح المناصب الرسمية ليتجذر في البنية الإنسانية للأكاديميين والإداريين اليمنيين. فمن الناحية التدريسية، تخرج على يديه في جامعة صنعاء وجامعة عدن مئات الباحثين والمشتغلين في علوم اللغة واللسانيات، حيث عُرف بمنهجه الصارم المنحاز للموضوعية العلمية، وتشجيعه الدائم لطلابه على مواصلة دراساتهم العليا في مجالات الإدارة الحديثة والحكم الرشيد.

نال راوح تقديراً واسعاً على المستويين المحلي والإقليمي عبر:
- حضور فاعل ومميز في المؤتمرات العلمية الدولية الخاصة باللسانيات، وتطوير التعليم العالي، والإصلاح الإداري.

- تكريم خاص من كبار الأكاديميين والمسؤولين الذين عملوا تحت قيادته، والذين يجمعون على نزاهته المالية والإدارية، وقدرته على تمكين طواقمه ومساعديه من أداء واجباتهم بحرية وإبراز قدراتهم القيادية.

- اختياره عضواً في مجلس الشورى، ليكون مرجعية استشارية تقدم الرأي والخبرة للدولة في قضايا التعليم والإدارة والسياسات العامة.
استشراف للمستقبل
إن القراءة المتعمقة لمسيرة الأستاذ الدكتور عبد الوهاب راوح تكشف عن نمط قيادي يعتمد على "الاستراتيجيات العابرة للأشخاص". فالمؤسسات والأنظمة والتشريعات التي صاغها وأشرف عليها - وفي مقدمتها قانون صندوق رعاية النشء والشباب، وأدبيات إصلاح الخدمة المدنية، ولوائح التعليم العالي - صُممت برؤية ثاقبة تستشرف المستقبل، بحيث لم يملك القادة الذين خلفوه في تلك المناصب سوى المضي قدماً ضمن الخطط والمسارات التي رسمها قبله.

لذّا يمثل الدكتور راوح نموذجاً للأكاديمي الملتزم بالدولة والمؤسسات، الذي استطاع تحويل النظريات اللغوية والإدارية إلى واقع مؤسسي ملموس، تاركاً بصمة هيكلية عميقة في تاريخ الإدارة والتعليم العالي في اليمن.

📂 الأقسام

الرئيسية اقتصاد تقارير وتحليلات تكنولوجيا ثقافة حول خبر عاجل رياضة سياسة صحة صور وفيديو عربي ودولي فنون مقالات وآراء منوعات