تقرير/ عدن – خاص
المقدمة:
بينما كانت صفارات الحرب تدوي على جبهات القتال، كانت معركة أخرى لا تقل خطراً تُشن في هدوء داخل قاعات كليات التربية. غير أن الصدمة التي تتبلور ملامحها اليوم في جامعة عدن، تشير إلى أن أخطر تهديد لمستقبل اليمن لم يأتِ من مدافع الانقلاب، بل من "الانقراض الصامت" لأجيال المعلمين القادمين. ففي الوقت الذي تحتاج فيه الدولة إلى مئات المعلمين سنوياً، أظهرت أرقام صادمة أن كلية التربية – المؤسسة الوحيدة لإعداد المعلمين في عدن – على وشك إعلان وفاتها السريرية.
أولاً: أرقام تنذر بالكارثة – 94 خريجاً فقط ومقبرة للفيزياء
كشفت معطيات رسمية صادرة عن رئيس قسم الفيزياء بكلية التربية، الدكتور أحمد الأمين، عن أرقام تمثل "جرس إنذار مدوياً"، حيث أكد أن إجمالي عدد الخريجين المتوقعين من جميع أقسام الكلية للعام الجامعي 2025-2026 لا يتجاوز 94 طالباً وطالبة فقط، وهو رقم لا يغطي احتياجات مدرسة ثانوية واحدة، مقارنة بالآلاف التي كانت تخرجها الكلية في العقود الماضية.
أما قسم الفيزياء، فقد بلغ ذروة المأساة، حيث لم يتبقَّ في القسم سوى طالبتين فقط أنهتا امتحانات المستوى الرابع، بعد أن توقف الالتحاق بالقسم بالكامل منذ ثلاث سنوات. وما كان يستقبل القسم في السابق ما بين 30 إلى 40 طالباً سنوياً، تحول اليوم إلى "مقبرة للتخصصات العلمية" التي كانت تشكل العمود الفقري للنهضة التعليمية.
ثانياً: العزوف الجماعي – مهنة بلا ملامح في مجتمع يائس
وفقاً لمصادر تربوية، فإن هذه الأرقام لا تمثل مشكلة طارئة أو محصورة في قسم أو كلية، بل تعكس عزوفاً عاماً وخطيراً عن مهنة التدريس بكافة تخصصاتها، رغم أن كلية التربية تبقى الصرح الوحيد المسؤول عن إعداد وتأهيل المعلمين في جامعة عدن. وتشير الإحصاءات إلى أن أعداد المتقدمين للجامعات اليمنية الكبرى تراجعت بنسبة تجاوزت 80% في بعض الأقسام، وهو ما ينذر بخلل هيكلي في سلسلة إنتاج الكوادر التعليمية.
ثالثاً: الأسباب – ثلاثية الموت البطيء للمعلم
في قراءة تحليلية للأسباب، أرجع مستشار وزارة التربية والتعليم، عارف ناجي علي محمد، هذا النزيف الجماعي إلى ثلاث عوامل رئيسية شكلت "المثلث المميت" الذي يقضي على جاذبية المهنة:
1. الأوضاع المادية الكارثية: تُعد الرواتب المتدنية التي يتقاضاها المعلمون، والتي غالباً ما تتأخر لأشهر طويلة، السبب الجوهري وراء هروب الطلاب من هذه المهنة، حيث أصبحت "بطاقة الفقر" عنواناً ملازماً للمعلم.
2. غياب الحوافز: يعاني القطاع التعليمي من شح شديد في الحوافز المادية والمعنوية، مما جعل المهنة تفقد بريقها وجاذبيتها في عيون الشباب الطامحين لمستقبل أفضل.
3. انهيار المكانة الاجتماعية: تزامن التدهور المادي مع تراجع ملحوظ في المكانة الاجتماعية للمعلم، الذي كان يحتل في الماضي قمة هرم الاحترام المجتمعي، ليصبح اليوم مهنة لا تثير اهتمام الطلاب الباحثين عن طموحات مهنية ومادية أكثر إغراء.
رابعاً: ساعة الصفر – دعوات عاجلة لإنقاذ ما تبقى
أمام هذا المشهد الكئيب، أطلق المسؤولون التربويون صرخة استغاثة لإنقاذ مهنة التعليم من الانهيار، مطالبين بـ:
· خطة وطنية شاملة وعاجلة: تعالج جذور الأزمة بدلاً من المسكنات المؤقتة، وتعيد الاعتبار للمعلم كركن أساسي في بناء الدولة.
· تحسين الأوضاع المادية للمعلمين: كشرط أساسي لاستعادة الثقة في المهنة وإغراء الأجيال الجديدة للالتحاق بها.
· منح دراسية وحوافز مجزية: لطلاب كليات التربية، تكون بمثابة "صمام أمان" يعيد ضخ الدماء في شرايين الكلية.
· ضمان التوظيف المباشر: بعد التخرج، لتوفير الأمان الوظيفي للخريجين، وهو العامل الحاسم الذي يدفع الطلاب لاختيار مسارهم المهني.
الخلاصة والسيناريو المستقبلي:
إن الأرقام المعلنة بشأن كلية التربية في جامعة عدن ليست مجرد إحصاءات روتينية، بل هي "شهادة وفاة" مبكرة لمنظومة التعليم برمتها. إن استمرار هذا النزيف في أعداد المعلمين المؤهلين سيكون له تداعيات كارثية على الأجيال القادمة، ويُهدد بانهيار شامل في العملية التعليمية. ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً:
هل ستظل الحكومة والمجتمع متفرجين على هذا "الانتحار البطيء" لمهنة كانت عنواناً للأمة؟ أم أن الوقت قد حان لإعلان حالة الطوارئ التعليمية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان؟
تقرير: اليمن بلا معلمين.. هل تنهار المنظومة التعليمية قبل انتهاء الحرب؟
2026-07-10
192 مشاهدة
تقارير وتحليلات