بقلم/ د. محمد قاروط أبو رحمة – عضو مجلس إدارة اكاديمية فتح الفكرية
مقدمة
تُقاس الحركات التاريخية الكبرى عادة بما تكتبه عنها الكتب، لكن بعضها يسبق الكتب نفسها. فهي لا تبدأ من النظريات، بل تصنع تجربتها في الميدان، ثم تأتي العلوم لاحقًا لتفسر ما أنجزته تلك التجربة.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة تجربة حركة فتح بوصفها واحدة من أكثر تجارب حركات التحرر تعقيدًا في العصر الحديث. فمنذ انطلاقتها عام 1965 لم تعمل الحركة في بيئة مستقرة أو داخل دولة مستقلة، وإنما قادت مشروعًا وطنيًا لشعب موزع بين الوطن والشتات، يواجه استعمارًا استيطانيًا إحلاليًا، ويتعامل في الوقت نفسه مع تحولات عربية وإقليمية ودولية متسارعة.
لقد وجدت الحركة نفسها مضطرة إلى إدارة مشروع وطني متعدد الساحات والفاعلين والأهداف، دون أن تمتلك نموذجًا جاهزًا تستند إليه. ولذلك فإن كثيرًا مما تسميه العلوم الإدارية اليوم "القيادة التكيفية" (Adaptive Leadership) أو "إدارة الأنظمة المعقدة" (Complex Systems Theory) كان حاضرًا في التجربة الفلسطينية بوصفه ممارسة عملية قبل أن يصبح نظرية أكاديمية.
ولا يعني ذلك أن حركة فتح سبقت نشأة هذه العلوم أو أسستها، فالجذور العلمية لنظرية الأنظمة المعقدة تعود إلى علوم الرياضيات والفيزياء والبيولوجيا، كما طُوِّرت مفاهيم القيادة التكيفية لاحقًا في جامعة هارفارد على يد رونالد هايفتز وزملائه. وإنما المقصود أن التجربة الفلسطينية مارست عمليًا كثيرًا من المبادئ التي صاغتها هذه النظريات فيما بعد، وهو ما يجعلها جديرة بإعادة القراءة من منظور علمي معاصر.
أولًا: فلسطين بيئة وطنية شديدة التعقيد
تؤكد نظرية الأنظمة المعقدة أن الأنظمة الحية لا تعمل وفق علاقات خطية بسيطة، بل تتكون من شبكات متداخلة من العلاقات والتفاعلات، بحيث يؤدي أي تغير في أحد مكوناتها إلى تأثيرات تمتد إلى بقية النظام.
وهذا الوصف ينطبق بصورة لافتة على الحالة الفلسطينية؛ فالمشروع الوطني يتفاعل في الوقت نفسه مع الاحتلال، والانقسام، والشتات، والبيئة العربية، والتحولات الدولية، وبناء المؤسسات، والمقاومة، والاقتصاد، والهوية الوطنية، والرأي العام العالمي.
ومنذ انطلاقتها، أدارت حركة فتح هذا الواقع باعتباره مشروعًا وطنيًا واحدًا متعدد الساحات، لا مجموعة قضايا منفصلة.
ثانيًا: إدارة التناقضات لا إلغاؤها
ترى القيادة التكيفية أن القائد لا يزيل التناقضات، وإنما يمنعها من تدمير النظام، ويحولها إلى مصدر للتعلم والتطور.
وهذا ما مارسته حركة فتح عبر تاريخها؛ فقد جمعت بين الكفاح المسلح والعمل السياسي، وبين الداخل والخارج، وبين المقاومة والدبلوماسية، وبين العمل الشعبي وبناء المؤسسات، دون أن تعتبر هذه المسارات متناقضة بالضرورة.
لقد كانت تدير التناقض، لا تهرب منه.
ثالثًا: التكيف مع المتغيرات دون التفريط بالمقاصد
يفرق علماء القيادة بين الغاية والوسيلة.
فالوسائل تتغير، أما المقاصد فتبقى.
وهذا ما يفسر انتقال الحركة عبر مراحل متعددة؛ من العمل الفدائي، إلى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، ثم إلى بناء السلطة الوطنية، ثم إلى إعادة تعريف أدوات الصمود في ظل المتغيرات الدولية، بينما بقي الهدف الوطني قائمًا: الحرية، والاستقلال، وتقرير المصير.
فالمرونة هنا لم تكن تخليًا عن المبادئ، بل تطويرًا للأدوات.
رابعًا: تحويل الأزمات إلى فرص
تؤكد أدبيات الأنظمة المعقدة أن الأزمات ليست دائمًا لحظات انهيار، بل قد تصبح لحظات إعادة تنظيم وتجدد.
وهذا ما أثبتته التجربة الفلسطينية مرارًا؛ فمن النكسة خرجت انطلاقة العمل الوطني المعاصر، ومن حصار بيروت أعادت منظمة التحرير بناء حضورها السياسي، ومن الانتفاضتين أعاد الشعب الفلسطيني إنتاج حضوره العالمي، وحتى في ظل حرب الإبادة الحالية، ما زالت القضية الفلسطينية تستعيد مكانتها في الضمير العالمي.
إن المشروع الوطني لم يستمر لأنه تجنب الأزمات، بل لأنه تعلم كيف يحولها إلى مصادر قوة.
خامسًا: العمل في بيئة اللايقين
يرى رونالد هايفتز أن القيادة الحقيقية تظهر عندما لا تكون الإجابات جاهزة، وعندما يضطر المجتمع إلى التعلم وهو يتحرك.
وهذا ما عاشته حركة فتح منذ تأسيسها.
فلم تكن تعرف مسبقًا شكل النظام الدولي، ولا مآلات الصراع، ولا طبيعة التحولات العربية، لكنها لم تنتظر اكتمال الصورة، بل كانت تتخذ قراراتها وفق أفضل معرفة متاحة، مع استعداد دائم للتكيف والمراجعة.
إنها قيادة في بيئة اللايقين، لا إدارة في بيئة مستقرة.
التجربة سبقت النظرية
تُعد القيادة التكيفية اليوم من أهم مدارس القيادة في العالم، كما أصبحت نظرية الأنظمة المعقدة من أكثر النظريات تأثيرًا في الإدارة والسياسات العامة.
لكن اللافت أن التجربة الفلسطينية مارست كثيرًا من هذه المبادئ قبل أن تُصاغ نظريًا.
فحركة فتح لم تنطلق من مختبر بحثي، ولا من كلية للإدارة، بل من ميدان الصراع الوطني. ولذلك جاءت نظريتها مكتوبة بالفعل قبل أن تُكتب بالمفاهيم.
لقد أثبتت التجربة أن الحركات الوطنية قد تنتج معرفة عملية تسبق المعرفة الأكاديمية، وأن الميدان قد يكون أحيانًا أكثر تقدمًا من قاعات الدرس.
وهذا لا يعني أن تجربة فتح كانت كاملة أو خالية من الأخطاء، بل يعني أن خبرتها التاريخية تستحق أن تُدرس اليوم بوصفها نموذجًا في إدارة مشروع وطني شديد التعقيد، وأن تُقرأ في ضوء النظريات الحديثة، لا باعتبارها نسخة منها، بل باعتبارها تجربة سبقتها في التطبيق في كثير من جوانبها.
خاتمة
إن قوة المشروع الوطني لا تقاس بقدرته على العمل في الظروف المثالية، وإنما بقدرته على الاستمرار داخل أكثر البيئات تعقيدًا.
وهذا ما يفسر بقاء القضية الفلسطينية حية، وبقاء حركة فتح، رغم ما تعرضت له من حروب وانقسامات وضغوط وتحولات دولية، فاعلًا رئيسيًا في المشروع الوطني الفلسطيني.
إن إدارة التعقيد ليست شعارًا سياسيًا، بل قدرة استراتيجية على المحافظة على وحدة المقصد الوطني، وإدارة التناقضات، والتكيف مع المتغيرات، وتحويل الأزمات إلى فرص، دون فقدان الاتجاه.
وربما يكون الدرس الأهم الذي تقدمه التجربة الفلسطينية اليوم هو أن الممارسة الوطنية قد تسبق النظرية، وأن الشعوب التي تصنع التاريخ تكتب، بأفعالها، ما سيكتبه الباحثون لاحقًا بمصطلحاتهم.
المراجع
بيتر سنج (ترجمة عربية). (التخصص الخامس: فن وممارسة المنظمة المتعلمة. (توجد له عدة طبعات عربية
محمد عابد الجابري. العقل السياسي العربي. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
عزمي بشارة. في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
هايفتز، رونالد أ. القيادة بلا إجابات سهلة. مطبعة جامعة هارفارد، كامبريدج، ماساتشوستس، 1994.
هايفتز، رونالد أ.، وغراشو، ألكسندر، ولينسكي، مارتي. ممارسة القيادة التكيفية: أدوات وتكتيكات لتغيير منظمتك والعالم. هارفارد بزنس برس، بوسطن، 2009.
حركة فتح وإدارة التعقيد في المشروع الوطني من التجربة الوطنية إلى نظرية القيادة التكيفية
2026-07-10
278 مشاهدة
مقالات وآراء