بقلم: المهندس غسان جابر
هناك جسور تعبر فوق الأنهار... وجسر يعبر فوق أعصاب شعبٍ كامل.
ولو كانت للجسور ذاكرة، لكتب جسر الملك حسين مذكراته بعنوان: "كيف هزمت الجميع".
ليس لأنه أطول الجسور في العالم، ولا لأنه أعقدها هندسياً، بل لأنه الجسر الوحيد الذي استطاع، على امتداد عقود، أن ينتصر على الزمن، وأن يهزم الحكومات، وأن يتحدى التكنولوجيا، وأن يترك الفلسطيني في كل مرة يعود إلى وطنه وهو يحمل حقيبة في يده... وإرهاقاً في قلبه.
ثلاثون عاماً مرت.
تغيّر العالم خلالها بصورة يصعب تصديقها.
أصبحت الحدود في كثير من الدول تُدار بأنظمة ذكية، وأصبحت إجراءات السفر تُنجز عبر الهاتف المحمول، ووصل الإنسان إلى الفضاء مرات جديدة، بينما بقي الفلسطيني يقف على بضعة كيلومترات تفصل عمّان عن أريحا، ينتظر ساعات طويلة، وكأن الزمن اختار أن يتوقف عند هذا الجسر وحده.
المشكلة ليست أن الجسر لم يتغير منذ ثلاثين عاماً... بل إن ثلاثين عاماً مضت، ولم يستطع أحد أن يغيّر الجسر.
لا الاحتلال.
ولا الحكومات الأردنية المتعاقبة.
ولا السلطة الفلسطينية.
ولا اللجان المشتركة.
ولا التكنولوجيا.
ولا كل الاجتماعات التي انعقدت، ولا كل الوعود التي قيلت.
لقد أصبح هذا الجسر أقوى من الجميع.
والمفارقة الأكثر قسوة أن الفلسطيني اعتاد عليه.
اعتاد على الانتظار.
واعتاد على الازدحام.
واعتاد على أن يحجز ولا يعرف متى يعبر.
واعتاد على السوق السوداء.
واعتاد على الوسطاء.
واعتاد على أن تتحول رحلة العودة إلى الوطن إلى اختبار طويل للأعصاب.
وحين يعتاد الإنسان الإهانة، تصبح الإهانة أخطر من الإهانة نفسها.
ولأن الحقيقة لا تكتمل إلا بالإنصاف، فلا يجوز أن نختزل المشهد في رواية واحدة.
فالاحتلال الإسرائيلي يتحمل مسؤولية مباشرة عن التعطيل والإجراءات التي تطيل زمن العبور، وعن تحويل المعبر إلى وسيلة ضغط يومية على الفلسطيني.
لكن هذا لا يعفينا من مسؤولياتنا.
هناك فوضى نصنعها بأيدينا.
وهناك من يحوّل حاجة الناس إلى تجارة.
وهناك من يرى في تجاوز الدور شطارة.
وهناك من يجعل الواسطة بديلاً عن النظام.
وهناك من يبيع للمسافر خدمة هي حق أصيل له.
كما أن هناك إجراءات تنظيمية يمكن تطويرها، وآليات يمكن تحسينها، إذا توافرت الإرادة، والتنسيق، والمتابعة اليومية.
إن معبر الكرامة ليس مجرد نقطة حدود.
إنه الواجهة الإنسانية للعلاقة الأردنية الفلسطينية.
فكل فلسطيني يعبر هذا الجسر يحمل معه صورة عن الأردن، وصورة عن مؤسساته الوطنية، وصورة عن دولته الفلسطينية، وفي الوقت نفسه يواجه تعقيدات الاحتلال وإجراءاته.
ولهذا فإن نجاح هذا المعبر ليس نجاحاً إدارياً فحسب، بل نجاح سياسي وإنساني يعكس عمق العلاقة الأخوية بين الشعبين.
ومن هنا، أتوجه بكل احترام وتقدير إلى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين.
يا صاحب الجلالة...
يعرف الفلسطينيون مواقفكم التاريخية في الدفاع عن القدس، وعن الوصاية الهاشمية، وعن الحقوق الفلسطينية، ويعرفون أن الأردن كان وسيبقى السند الأقرب للشعب الفلسطيني.
ولذلك فإن هذه الكلمات ليست شكوى من الأردن، وإنما ثقة بالأردن.
ثقة بأنكم لن تقبلوا أن يبقى هذا الجسر، الذي يحمل قيمة تاريخية ورمزية كبيرة، عنواناً لمعاناة مئات الآلاف من الفلسطينيين كل عام.
إننا نأمل أن يحظى هذا الملف باهتمام مباشر من جلالتكم، وأن يتم إطلاق خطة تطوير شاملة لمعبر الكرامة، تستند إلى المتابعة الميدانية، والاستماع إلى المواطنين، ومكافحة السوق السوداء، وتنظيم حركة المسافرين، وتوفير مسارات إنسانية لكبار السن والمرضى وذوي الإعاقة، وتطوير أنظمة الحجز والخدمات، بما يليق بصورة الأردن ومكانته.
وفي الوقت نفسه، أتوجه إلى نائب رئيس دولة فلسطين السيد حسين الشيخ.
سيادة النائب...
لقد مضى أكثر من ثلاثين عاماً على قيام السلطة الوطنية الفلسطينية.
وقد لا يكون إنهاء الاحتلال بيدها وحدها، لكن الدفاع عن كرامة المواطن الفلسطيني في تفاصيل حياته اليومية مسؤولية وطنية لا تحتمل التأجيل.
إن المواطن الفلسطيني لا ينتظر معجزة.
ولا يطلب امتيازاً.
ولا يبحث عن معاملة خاصة.
إنه يريد فقط أن يشعر أن هناك من يحمل هذا الملف باعتباره قضية سيادية وإنسانية، لا مجرد ملف إداري يتكرر كل موسم.
ومن هنا، فإنني أقترح إنشاء مجلس تنسيق أردني فلسطيني دائم لمعبر الكرامة، يضم الجهات المختصة من الجانبين، ويجتمع بصورة دورية، ويملك صلاحيات تنفيذية واضحة لمعالجة الاختناقات، والقضاء على مظاهر الابتزاز، وتطوير الخدمات، ومتابعة العراقيل التي يفرضها الاحتلال، حتى يصبح المعبر نموذجاً للتعاون، لا عنواناً للمعاناة.
إن كرامة الفلسطيني لا تبدأ عند بوابة المعبر، لكنها قد تُجرح عندها.
ولا تنتهي عند ختم جواز السفر، لكنها قد تُرهق قبله.
ولذلك فإن تحسين واقع هذا الجسر ليس خدمة تقدم للمواطن، بل استثمار في الثقة بين الدولة ومواطنيها، وفي العلاقة الأخوية بين الأردن وفلسطين.
وأختم بنداء من القلب...
يا جلالة الملك...
يا سيادة نائب الرئيس...
قد لا نستطيع اليوم إنهاء الاحتلال، لكننا نستطيع أن نخفف عن الإنسان بعضاً من أعبائه.
وقد لا نستطيع إزالة كل الحواجز السياسية، لكننا نستطيع إزالة كثير من الحواجز الإدارية والتنظيمية التي تزيد معاناة الناس.
إن التاريخ لا يتذكر فقط من وقّع الاتفاقيات، ولا من ألقى الخطب، ولا من جلس إلى طاولات المفاوضات.
التاريخ يتذكر أيضاً من أنهى معاناة الناس.
وبعد أكثر من ثلاثين عاماً...
لم يعد الفلسطيني يطلب معجزة سياسية.
بل يطلب شيئاً أكثر تواضعاً، وأكثر إنسانية...
أن يعود إلى وطنه، دون أن يشعر، في كل مرة، أن الجسر الذي يقوده إلى فلسطين... قد هزمه من جديد.
م. غسان جابر - القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.
الجسر الذي هزم الجميع رسالة إلى جلالة الملك عبدالله الثاني ونائب رئيس دولة فلسطين
2026-06-19
898 مشاهدة
مقالات وآراء