بقلم/ محمد قاروط أبو رحمة
لا ينبع النقد البنّاء من رغبة في الهدم، بل من إيمان عميق بحرية التفكير، وحسن التعبير، وضرورة تطوير الواقع من خلال تحفيز الفاعلين فيه على التعلم والتحسين المستمر.
فالنقد الحقيقي ليس غايةً في ذاته، ولا ممارسةً لإثبات التفوق المعرفي، بل هو شراكة فكرية تهدف إلى بناء الإنسان وتطوير المؤسسات وتحسين الأداء.
غير أن النقد يواجه مأزقًا حقيقيًا عندما يسقط في فخ الأستاذية؛ تلك النبرة الاستعلائية التي يتخندق فيها الناقد داخل برجٍ عاجي، ليمارس دور الوصي الأخلاقي أو المعرفي على الآخرين، وكأنه يملك الحقيقة المطلقة بينما يقف الآخرون في موقع التلميذ القاصر.
وعند هذه اللحظة، يفقد النقد وظيفته الإصلاحية، ويتحول إلى أداةٍ للهدم والإحباط بدلًا من أن يكون وسيلةً للتطوير والبناء.
أولًا: طبيعة النقد وأثره في الواقع
النقد لا يغير الواقع بصورة مادية مباشرة، بل يغير وعي وقناعات الفاعلين فيه. فالإنسان هو الذي يصنع التغيير، والنقد لا يفعل أكثر من مساعدته على رؤية مواطن القوة والخلل في أدائه.
ومن هنا، فإن المحرك الأساسي للتطوير ليس النقد ذاته، بل اقتناع الإنسان بوجود فرصة للتحسين تدفعه إلى مراجعة نفسه وتطوير منهجه وأفعاله.
ولهذا، فإن وظيفة النقد ليست السيطرة على الآخرين، بل مساعدتهم على رؤية الواقع بصورة أوضح.
ثانيًا: أخطار الأستاذية في النقد
تتجلى أخطار الأستاذية في عدة أبعاد رئيسية:
قتل دافعية التغيير
يفقد النقد أثره عندما يشعر المنقود بأنه يتعرض لهجوم شخصي أو تجريح مباشر، فيلجأ إلى بناء جدران دفاعية بدلًا من مراجعة الذات وتطوير الأداء.
تدمير الجسر الأخلاقي
تتنافى الأستاذية مع شرط حسن القول، فتحل النبرة الفوقية والتهكم محل الإنصاف والموضوعية، ويتحول النقد من نصيحة تبتغي المصلحة العامة إلى رغبة مستترة في الانتصار للنفس وإحراج الآخر.
مصادرة حرية الاختيار
المنقود ليس ملزمًا بالنقد، بل يمتلك الحرية الكاملة في قبوله أو رفضه. أما الأستاذية فتحاول إسقاط هذا الحق، وتتعامل مع الرأي المختلف باعتباره خطأً يستوجب المحاكمة لا وجهة نظر تحتمل الصواب والخطأ.
إغلاق باب الحوار
يقوم النقد الفوقي على علاقة غير متكافئة بين أستاذ يملك الحقيقة المطلقة وتلميذ قاصر، مما يؤدي إلى إنهاء التفاعل الفكري والقضاء على التنوع الذي يثري المجتمع.
ثالثًا: شرعية الاجتهاد وأخلاق التعامل مع الخطأ
في هذا السياق، يمكن الاستئناس بقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر».
ورغم أن الحديث ورد في سياق القضاء والاجتهاد، فإن دلالته المنهجية تؤسس لثقافة إنسانية قائمة على شرعية الاجتهاد المسؤول، وتشجع على المبادرة والعمل وعدم الخوف من الوقوع في الخطأ.
فالرسالة الأساسية التي يحملها الحديث ليست تمجيد الخطأ، بل ترسيخ قيمة الاجتهاد.
فالأجر مرتبط أولًا بالمبادرة، وبذل الجهد، وتحمل المسؤولية، ثم تأتي نتيجة الاجتهاد بعد ذلك، إصابةً كانت أم خطأً.
وهذا يحرر الإنسان من شلل التردد والخوف من الفشل، ويدفعه إلى التعلم والتجريب والمراجعة المستمرة.
رابعًا: مسؤولية الناقد
تقع على عاتق الناقد مسؤولية كبيرة؛ لأن النقد لا يقتصر على تشخيص الخطأ، بل يمتد أثره إلى مستقبل الفاعل نفسه.
فالناقد قد يكون سببًا في تثبيط الإنسان عن الفعل والمبادرة، وقد يكون سببًا في تشجيعه على الاستمرار والتطور وتحسين أدائه.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات والمؤسسات ليس كثرة الأخطاء، بل انتشار الخوف من الخطأ؛ لأن الخوف من الخطأ يؤدي إلى التردد، والتردد يؤدي إلى السكون، والسكون يؤدي إلى تعطيل الفعل وإضعاف القدرة على التعلم والتطور.
ومن هنا، فإن النقد الحقيقي لا يعاقب على الاجتهاد، بل يساعد على ترشيده، ولا يثبط الفاعل عن العمل، بل يدفعه إلى الاستمرار بصورة أفضل.
خامسًا: كيف نحمي النقد من منزلق الأستاذية؟
يتطلب ذلك الالتزام بعدة مبادئ أساسية:
أسلوب الساندوتش
البدء بذكر الإيجابيات ونقاط القوة لبناء الثقة، ثم الإشارة إلى السلبيات ومواطن الخلل بوضوح ودون تهويل، ثم تقديم مقترحات عملية للتحسين.
تقديم البدائل
النقد الحقيقي لا يكتفي بالرصد، بل يقدم حلولًا قابلة للتطبيق.
الالتزام بالإطار الأخلاقي
التجرد، والموضوعية، والأمانة العلمية، واحترام الإنسان وحقه في الاختيار.
حماية حرية التفكير
السماح برؤية الأمور من زوايا غير تقليدية، وكسر القوالب الجامدة، وتقبل الاختلاف بوصفه مصدرًا للإثراء لا تهديدًا.
حسن التعبير
صياغة النقد بلغة راقية وواضحة، والابتعاد عن التجريح والتهكم والنبرة الأستاذية.
الخلاصة
إن النقد ليس محكمةً لتوزيع صكوك الغفران الفكرية، وليس وسيلةً لإثبات التفوق الفردي، بل هو شراكة إنسانية تهدف إلى تطوير الواقع وبناء الإنسان.
فالمجتمعات التي تعاقب المبادرة تخسر طاقاتها، أما المجتمعات التي تتعلم من الخطأ فإنها تبني خبراتها بصورة تراكمية ومستدامة.
فالتقدم لا يصنعه الامتناع عن الفعل، بل يصنعه الفعل الواعي، ثم المراجعة، ثم التعلم، ثم إعادة المحاولة بصورة أفضل.
ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يحكم النقد ليس: من أخطأ؟
بل: كيف نحول الخطأ إلى معرفة، والمعرفة إلى خبرة، والخبرة إلى قدرة على بناء مستقبل أفضل؟
أخطار الأستاذية في النقد: حين يتحول الحوار إلى صكوك غفران فكرية
2026-06-19
79 مشاهدة
مقالات وآراء