بقلم: نجيب الكمالي
في خطوة تعكس تحولاً في فلسفة العمل الإداري، أدرك معالي وزير الخدمة المدنية والتأمينات، الأستاذ سالم ثابت أبوبكر العولقي، أن غياب التخطيط المبني على المعرفة ظل لعقود أحد أبرز مكامن الخلل في المؤسسة الحكومية. فلم يعد مقبولاً أن تظل الوزارة مجرد جهة تنفيذية تدير الرواتب ، بل هي اليوم أمام اختبار حقيقي لإعادة تعريف دورها باعتبارها المهندس الأساسي لكفاءة الأداء الحكومي برمته.
في وطن تعصف به أزمات متراكمة، وتتفاقم فيه معاناة الموظفين والمتقاعدين تحت ثقل أوضاع معيشية قاسية، باتت الحلول الإنشائية والمؤقتة عاجزة عن معالجة تشوهات بنيوية ترسخت لعقود. والحرب التي مزقت النسيج الوطني، والانقسام الذي شرذم المؤسسات، لم يزيدا الوضع إلا هشاشة، مما جعل الانتقال من ثقافة "إدارة الأزمات" إلى ثقافة "صناعة المستقبل" ضرورة وجودية وليس خياراً إدارياً.
ومن هنا، يأتي قرار تعيين الأستاذ هيثم قاسم حسين جواس وكيلاً لقطاع البحوث وتصميم السياسات ليحمل في طياته أكثر من مجرد تغيير في الهيكل التنظيمي؛ إنه إعلان ضمني بأن الإصلاح الجذري يبدأ من إصلاح أدوات التفكير، وأن القرار الرشيد لا يمكن أن يقوم إلا على أسس من التحليل والاستشراف والبحث المتجرد.
لكن السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه في بلد مرهق بالأزمات: هل ستكون هذه القطاعات البحثية مجرد واجهات شكلية، أم أنها ستمثل قاطرة حقيقية للتغيير؟ الإجابة لن تتحدد بالنوايا الحسنة، بل بما ستسفر عنه الممارسة اليومية وهل ستتمكن هذه المراكز من فرض تأثيرها الفعلي في مسار القرار الحكومي.
إن اختيار شخصية أكاديمية رصينة بحجم الأستاذ هيثم جواس، ذي الخلفية البحثية في الميادين المالية والإدارية، يمثل مدخلاً واعداً. لكن التحدي لا يكمن في الأوراق الرسمية والشهادات، بل في القدرة على تحويل المعرفة النظرية إلى سياسات عملية، تجيب عن تساؤلات الناس وقبل أن تجيب عن استفسارات المستشارين، وتترجم الاحتياجات اليومية إلى برامج إجرائية.
والحقيقة أن نجاح هذه التجربة لن يتوقف على الرجل وحده، مهما كانت كفاءته؛ بل يتوقف على توفير بيئة مؤسسية تتبنى ثقافة البحث، وتفسح المجال للتجريب والمراجعة، وتتعامل مع الفشل كجزء من عملية التعلم المؤسسي، لا كوصمة تُلحق بصانع القرار.
ما تشهده اليوم وزارة الخدمة المدنية والتأمينات يمكن اعتباره مخاضاً لإعادة الاعتبار للعقلانية والعلم في صياغة مستقبل الإدارة العامة. وإن كتب النجاح لهذه التجربة، فلن يقتصر أثرها على جدران الوزارة، بل سيمتد ليشكل نموذجاً قد يُحتذى به في بقية المؤسسات الحكومية، التي باتت بأمس الحاجة إلى عقل مؤسسي مخطط، لا يدير وقته فقط، بل يستبق الأحداث ويقيس قبل أن يخطو.
في الاخير لا قيمة لمنصب لا يُحدث فرقاً، ولا ثقة بمسؤول لا يترك أثراً. وإن المعيار الحقيقي للإصلاح يظل مرتبطاً بقدرة المعرفة على تحويل السياسات إلى خدمات ملموسة، والخدمات إلى حياة أفضل للناس. حينها فقط نستطيع القول بأن الإصلاح قد تجاوز مرحلة الشعارات، وأن المواقع أصبحت أدوات بناء، لا نهايات مطلوبة لذاتها.
ثقة تُبنى بالمعرفة لا بالمناصب
2026-06-18
86 مشاهدة
مقالات وآراء