صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
المبادرة الوطنية الفلسطينية: الحركة التي سبقت زمنها

المبادرة الوطنية الفلسطينية: الحركة التي سبقت زمنها

بقلم: المهندس غسان جابر - القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.

في السياسة الفلسطينية، اعتدنا أن نقيس نجاح الحركات بعدد المقاعد التي حصلت عليها، أو بالمواقع التي شغلتها في السلطة، أو بحجم نفوذها التنظيمي والإعلامي. لكن هناك معياراً آخر أكثر أهمية، وإن كان أقل حضوراً في النقاش العام: هل استطاعت الحركة أن ترى المستقبل قبل الآخرين؟

في ذكرى انطلاقة حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية الرابعة والعشرين، يبدو هذا السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

فعندما أعلن عن تأسيس الحركة في السابع عشر من حزيران عام 2002، كانت فلسطين تعيش واحدة من أكثر مراحلها دموية وتعقيداً. كانت انتفاضة الأقصى في ذروتها، وكانت الدبابات الإسرائيلية تجتاح المدن الفلسطينية، فيما كانت الحياة السياسية الفلسطينية تتأرجح بين الإحباط والانقسام وتراجع الثقة بالقدرة على إنتاج مشروع وطني جامع.

في تلك اللحظة لم تأتِ المبادرة الوطنية الفلسطينية لتكون نسخة إضافية من القوى القائمة، بل جاءت حاملة رؤية مختلفة، صاغها رجال لم يجمعهم السعي إلى المناصب بقدر ما جمعهم الإيمان بفلسطين.

كان الدكتور حيدر عبد الشافي يمثل الضمير الوطني الفلسطيني؛ الرجل الذي أثبت أن النزاهة ليست قيمة أخلاقية فحسب، بل قوة سياسية أيضاً. وكان البروفيسور إدوارد سعيد يرى فلسطين بعين المفكر الذي أدرك مبكراً أن معركة الرواية لا تقل أهمية عن معركة الأرض. أما المهندس إبراهيم الدقاق فكان يؤمن بأن بناء المجتمع وصموده جزء أصيل من مشروع التحرر الوطني. وجاء الدكتور مصطفى البرغوثي ليحوّل هذه الرؤية إلى برنامج عمل سياسي ومجتمعي وميداني متكامل.

لكن ما يلفت النظر اليوم ليس فقط أسماء المؤسسين، بل الأفكار التي حملوها في ذلك الوقت.

قبل أن تصبح المقاومة الشعبية عنواناً رئيسياً للنضال الفلسطيني، كانت المبادرة الوطنية تدعو إليها وتمارسها على الأرض. وقبل أن تتحول حركة المقاطعة الدولية إلى ظاهرة عالمية مؤثرة، كانت المبادرة من أوائل الأصوات الفلسطينية التي دعت إلى عزل الاحتلال ومحاسبته دولياً. وقبل أن يصبح الحديث عن الوحدة الوطنية ضرورة لا خلاف عليها، كانت المبادرة تحذر من مخاطر الانقسام وتدعو إلى الشراكة السياسية والديمقراطية.

لقد راهنت الحركة على أمور بدت للبعض آنذاك مثالية أو بعيدة المنال: الناس، والوحدة، والمقاومة الشعبية، والرأي العام العالمي.

وبعد أربعة وعشرين عاماً، يبدو أن هذه الرهانات لم تكن بعيدة عن الواقع كما ظن البعض.

فالعالم الذي كان ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً سياسياً معقداً بات يشهد أوسع موجات تضامن شعبي مع الشعب الفلسطيني في تاريخه الحديث. والمقاومة الشعبية التي اعتبرها البعض هامشية أصبحت إحدى أهم أدوات الاشتباك مع الاحتلال والاستيطان. أما الوحدة الوطنية، فما زالت رغم كل الصعوبات الشرط الأساسي لأي مشروع تحرري قادر على الإنجاز.

لم تكن المبادرة الوطنية الأكبر عدداً، ولم تكن الأغنى مالاً، ولم تمتلك أجهزة سلطة أو إمكانات ضخمة، لكنها امتلكت شيئاً آخر أكثر أهمية: وضوح الفكرة.

ولهذا السبب ظلت حاضرة في معارك الدفاع عن الأرض في بلعين ونعلين والمعصرة ومسافر يطا والخان الأحمر، وفي حملات كسر الحصار عن غزة، وفي الدفاع عن الأسرى، وفي إسناد حقوق العمال والمعلمين والأطباء والمرأة والشباب، وفي كل ساحة رأت فيها أن الكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية وجهان لمعركة واحدة.

وربما هنا تكمن خصوصية تجربة المبادرة الوطنية الفلسطينية.

فهي لم تنظر إلى المواطن الفلسطيني باعتباره مجرد رقم في معادلة سياسية، بل باعتباره جوهر القضية نفسها. ولم تفصل بين مقاومة الاحتلال والدفاع عن الحقوق الديمقراطية. ولم ترَ تناقضاً بين النضال الوطني والنضال الاجتماعي، بل اعتبرت أن كليهما يشكلان معاً طريق الحرية.

وفي زمن تتغير فيه التحالفات وتتبدل المواقف وتتهاوى كثير من اليقينيات، تبقى قيمة بعض التجارب في قدرتها على الحفاظ على بوصلتها.

بعد أربعة وعشرين عاماً على انطلاقتها، يمكن للمرء أن يختلف أو يتفق مع المبادرة الوطنية الفلسطينية في بعض التفاصيل السياسية، لكن يصعب إنكار حقيقة واحدة: أن الحركة التي أسسها حيدر عبد الشافي وإدوارد سعيد وإبراهيم الدقاق ومصطفى البرغوثي لم تكن مجرد إطار سياسي جديد، بل محاولة مبكرة للإجابة عن سؤال ما زال الفلسطينيون يبحثون عن إجابته حتى اليوم:

كيف ننتصر لفلسطين دون أن نخسر الديمقراطية؟ وكيف نقاوم الاحتلال دون أن نفقد وحدتنا؟ وكيف نحافظ على عدالة قضيتنا في عالم يحاول كثيرون فيه طمس الحقيقة؟

ذلك هو السؤال الذي انطلقت من أجله المبادرة الوطنية الفلسطينية عام 2002، وما زال حاضراً بعد أربعة وعشرين عاماً، أكثر راهنية من أي وقت مضى.

عاشت فلسطين حرة أبية، والمجد لكل من جعل من النضال الوطني مشروعاً للتحرير والبناء معاً.

م. غسان جابر - الخليل

📂 الأقسام

الرئيسية اقتصاد تقارير وتحليلات تكنولوجيا ثقافة حول خبر عاجل رياضة سياسة صحة صور وفيديو عربي ودولي فنون مقالات وآراء منوعات