بقلم: المهندس غسان جابر
في لحظة لم تتجاوز ثوانٍ معدودة، قالت سيدة فلسطينية من مدينة الخليل ما عجزت عن قوله عشرات التقارير الاقتصادية والخطب السياسية والبيانات الرسمية.
قالت ببساطة إنها جائعة.
بدت الجملة عابرة للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة لم تكن مجرد شكوى فردية، ولم تكن صرخة إنسانية تبحث عن التعاطف، بل كانت تعبيراً مكثفاً عن حالة تتسع بصمت في المجتمع الفلسطيني.
لقد انتهى المشهد سريعاً على شاشة التلفزيون، لكنه فتح باباً واسعاً أمام سؤال أكبر بكثير من قصة امرأة جائعة.
ماذا يحدث عندما يصبح الجوع أكثر قدرة على التعبير عن الناس من السياسة نفسها؟
لقد اعتدنا طوال عقود أن يتحدث السياسيون باسم الشعب، وأن تتحدث المؤسسات باسم المواطنين، وأن تتحدث الفصائل باسم الشارع.
لكن ما حدث في تلك اللحظة كان مختلفاً.
فالجوع نفسه هو الذي تحدث.
والأخطر أن آلاف الفلسطينيين شعروا أن تلك السيدة كانت تتحدث باسمهم.
وهنا تكمن الرسالة الحقيقية.
فالمشكلة ليست في امرأة قالت إنها جائعة.
المشكلة أن هذا العدد الكبير من الناس لم يجد في كلامها مبالغة.
بل وجد فيه وصفاً دقيقاً لما يعيشه أو يراه أو يخشاه.
إن أخطر ما يواجه الفلسطيني اليوم ليس الفقر بحد ذاته.
بل الاعتياد على الفقر.
وليس الجوع بحد ذاته.
بل الاعتياد على الجوع.
فالمجتمعات لا تنهار عندما تمر بأزمة اقتصادية، وإنما عندما تتحول الأزمة إلى واقع دائم، وعندما يصبح الألم جزءاً من المشهد اليومي الذي لا يثير الدهشة.
عندما يصبح التاجر الذي يغلق متجره دون بيع خبراً عادياً.
وعندما يصبح الموظف الذي ينتظر راتبه خبراً عادياً.
وعندما تصبح الأسرة التي تعجز عن تلبية احتياجاتها الأساسية خبراً عادياً.
عندها لا نخسر المال فقط.
بل نخسر حساسيتنا الوطنية تجاه معاناة الناس.
ومن موقعي بين التجار وأصحاب الأعمال في أسواق الخليل، أرى يومياً كيف تحولت الأزمة الاقتصادية من أرقام وإحصائيات إلى قصص بشرية حقيقية.
أرى محالاً تجارية كانت تعج بالحركة فأصبحت تكافح من أجل الاستمرار.
وأرى عائلات تعيد ترتيب أولوياتها كل شهر لتتمكن من الصمود.
وأرى شباباً يحملون الشهادات والمهارات لكنهم لا يجدون فرصة تمنحهم أملاً بالمستقبل.
هذه ليست حالات فردية.
بل مؤشرات على واقع اقتصادي واجتماعي يزداد صعوبة وتعقيداً.
ولا يمكن فهم هذا الواقع بعيداً عن الحقيقة الأساسية المتمثلة باستمرار الاحتلال الإسرائيلي وسيطرته على الأرض والمعابر والموارد والأموال الفلسطينية، وما يفرضه ذلك من قيود هائلة على الاقتصاد الوطني.
لكن الحقيقة الأخرى التي لا يجوز تجاهلها هي أن مواجهة هذا الواقع لا تكون بالشعارات وحدها.
فالصمود ليس خطاباً سياسياً.
الصمود مشروع اقتصادي.
الصمود فرصة عمل.
الصمود دعم للإنتاج الوطني.
الصمود حماية للتاجر والمزارع والعامل والموظف.
الصمود بناء اقتصاد يمنح الإنسان القدرة على التمسك بأرضه وكرامته ومستقبله.
لقد نجح الفلسطيني عبر عقود طويلة في حماية هويته الوطنية رغم الاحتلال والحصار والقمع.
لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول المواطن من الانشغال بمستقبل وطنه إلى الانشغال فقط بكيفية النجاة حتى نهاية الشهر.
فالقضية الوطنية لا تضعف فقط عندما تُصادر الأرض.
بل تضعف أيضاً عندما يُستنزف الإنسان الذي يحمل هذه القضية ويؤمن بها ويدافع عنها.
وحين يصبح همّ المواطن الأول تأمين الخبز والدواء والكهرباء وأقساط التعليم، فإن المجتمع كله يدخل مرحلة استنزاف خطيرة، لأن الطاقة التي كان يفترض أن تُستثمر في البناء والإنتاج والأمل تصبح مكرسة لمواجهة الضرورات اليومية.
لهذا فإن المشهد الذي شاهدناه من الخليل لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره قصة مؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
إنه جرس إنذار.
فالمرأة التي تحدثت أمام الكاميرا لم تكن تمثل نفسها فقط.
كانت تمثل آلاف الأصوات التي لا تصل إلى الشاشات.
وكانت تعبر عن قلق يتسلل إلى البيوت والأسواق ومواقع العمل في مختلف أنحاء الوطن.
لقد نجحت معدة فارغة في أن تفرض نفسها على المشهد العام أكثر مما فعلت مئات التصريحات والخطب.
وهذا بحد ذاته رسالة يجب التوقف أمامها طويلاً.
لأن الأوطان لا تُقاس فقط بقدرتها على الدفاع عن حدودها وحقوقها السياسية.
بل أيضاً بقدرتها على حماية كرامة مواطنيها وصون حقهم في حياة كريمة.
أما السؤال الذي يجب أن يشغلنا جميعاً اليوم فليس لماذا قالت تلك السيدة إنها جائعة.
السؤال الحقيقي هو:
كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الجوع متحدثاً رسمياً باسم الفلسطينيين؟
وعندما نجد الإجابة الصادقة عن هذا السؤال، نكون قد بدأنا الطريق نحو معالجة المشكلة الحقيقية، لا الاكتفاء بالتعاطف مع أحد تجلياتها.
م. غسان جابر - قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.
حين أصبح الجوع متحدثاً رسمياً باسم الفلسطينيين
2026-06-05
137 مشاهدة
مقالات وآراء