صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
عبد ربه منصور هادي.. سيرة حياة الرئيس الثاني لليمن الموحد

عبد ربه منصور هادي.. سيرة حياة الرئيس الثاني لليمن الموحد

صوت القضية/ تقرير – خاص

توفي اليوم الخميس الرئيس اليمني السابق المشير عبد ربه منصور هادي عن عمر يناهز 81 عاماً، بعد سنوات من العطاء والنضال، تاركاً خلفه إرثاً سياسياً حافلاً وتجربةً قيادية في واحدة من أخطر مراحل تاريخ اليمن المعاصر. يصدر المركز الوطني للإعلام هذه السيرة الذاتية الكاملة تخليداً لذكراه:

المولد والنشأة

ولد عبد ربه منصور هادي في الأول من سبتمبر عام 1945، في قرية "ذكين" التابعة لمديرية "الوضيع" بمحافظة أبين جنوب اليمن. ينتمي إلى قبيلة المراشدة من الفضلي, وهي أصول تعود إلى منطقة أبين التي كانت جزءاً من محمية عدن البريطانية آنذاك.

التعليم العسكري والتكوين المبكر

التحق هادي بمدرسة "جيش محمية عدن" العسكرية خلال فترة الاستعمار البريطاني للجنوب العربي، وتخرج منها عام 1964. تميزت هذه المدرسة بتأهيل وتدريب أبناء ضباط الجيش الاتحادي للجنوب العربي. واصل تعليمه في بريطانيا حيث درس في أكاديمية "ساند هيرست" العسكرية الملكية الشهيرة وتخرج منها عام 1966، وهي الأكاديمية التي تخرج فيها العديد من القادة العسكريين حول العالم.

المناصب العسكرية الأولى

بدأ هادي مسيرته العملية ضابطاً في جيش الجنوب العربي عام 1966. وبعد استقلال جنوب اليمن في 27 نوفمبر 1967، عُيّن قائداً لسرية مدرعات في "قاعدة العند" الإستراتيجية التي تعتبر من أهم القواعد العسكرية في المحور الغربي لجنوب اليمن. تدرج في المناصب العسكرية حيث شغل منصب مدير لمدرسة المدرعات، ثم أركان حرب سلاح المدرعات، وأركان حرب الكلية الحربية، ثم مديراً لدائرة تدريب القوات المسلحة.

انتقل عام 1972 إلى محور الضالع، وعُيّن نائباً لقائد محور كرش ثم قائداً له في منطقة التوترات مع الشمال. كانت له مشاركات بارزة كعضو في لجنة وقف إطلاق النار، ورئيس للجنة العسكرية في المباحثات الثنائية التي تلت الحروب مع الجمهورية العربية اليمنية (الشمال).

التحق هادي بكلية القيادة والأركان، وتخرج منها عام 1975، ثم أكمل دورة القادة في أكاديمية "ناصر" العسكرية العليا عام 1986، وهي الأكاديمية التي كانت تعد كبار القادة العسكريين.

استقر به المقام في مدينة عدن مديراً لإدارة التدريب في الجيش، ومساعداً إدارياً لرئيس الأركان العامة، ثم أصبح رئيساً لدائرة الإمداد والتموين العسكري. رُقي إلى رتبة نائب لرئيس الأركان لشؤون الإمداد والإدارة، متخصصاً في التنظيم وبناء الإدارة في الجيش بداية من عام 1983. كان رئيساً للجنة التفاوض في صفقات التسليح مع الاتحاد السوفيتي، مما منحه خبرة واسعة في مجالات التسليح والتجهيز.

خلال فترة الانقسام الذي شهدته القيادة في اليمن الجنوبي في أحداث يناير 1986 (التي عُرفت بأحداث 13 يناير الدامية)، كان هادي من بين العسكريين الذين نزحوا إلى الشمال. عمل مع زملائه على لملمة شمل الألوية العسكرية التي نزحت معهم إلى شمال اليمن، مما ساهم في الحفاظ على التماسك العسكري والعودة إلى توحيد الصف.

ما بعد الوحدة اليمنية 1990 ودوره في حرب صيف 1994

مع تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990 بين شطري اليمن (الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية)، واصل هادي مسيرته في الدولة الجديدة.

لعب هادي دوراً محورياً خلال "حرب صيف 1994" أو "حرب الانفصال اليمنية". كان من بين القيادات العسكرية الجنوبية التي وقفت بجانب الرئيس الراحل علي عبد الله صالح ورفضت دعوات الانفصال التي أعلنتها قيادات الحزب الاشتراكي آنذاك. على عكس علي ناصر محمد (الذي كان خصماً لعلي عبد الله صالح), لم يتردد هادي في خوض القتال إلى جانب صالح في حرب صيف 1994. هذه المواقف الحاسمة أكسبته ثقة النظام آنذاك وأسهمت في تعزيز مكانته.

نائباً للرئيس ووزيراً للدفاع

كوفئ هادي على مواقفه الوطنية خلال فترة حرب 1994 بتعيينه وزيراً للدفاع. في عام 1994، تم تعيينه أيضاً نائباً لرئيس الجمهورية، وهو المنصب الذي ظل فيه لما يقارب سبعة عشر عاماً (1994 - 2011). خلال هذه الفترة، عُرف هادي بهدوئه الشخصي وقلّة ظهوره الإعلامي، بعيداً نسبياً عن الصراعات السياسية العلنية.

حافظ على درجة عالية من الاحترافية في الملفات العسكرية والأمنية. حصل على رتبة فريق عام 1997، ثم رُقي إلى رتبة مشير في سنوات لاحقة.

المبادرة الخليجية وتولي الرئاسة 2012

مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في اليمن عام 2011 ضد حكم الرئيس علي عبد الله صالح، أصبحت البلاد على شفا حرب أهلية. تقدمت دول مجلس التعاون الخليجي بمبادرة سياسية لحل الأزمة تضمنت نقل السلطة.

بعد إصابة الرئيس صالح في تفجير مسجد دار الرئاسة (الذي استهدف المسجد الملحق بالقصر الرئاسي في صنعاء) ونقله إلى المملكة العربية السعودية لتلقي العلاج، تولى هادي مهام الرئيس بالإنابة. أصبح هادي الشخصية الرئيسية في عملية نقل السلطة التي قادتها المبادرة الخليجية بدعم إقليمي ودولي.

في 21 فبراير 2012، تمت انتخابات رئاسية بمرشح وحيد (هادي)، وذلك ضمن التسوية السياسية التي هدفت إلى إنهاء الأزمة التي أعقبت الاحتجاجات. بدأت مرحلة انتقالية كان من المفترض أن تقود البلاد نحو صياغة دستور جديد وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

فترة حكم مليئة بالتحديات (2012 - 2022)

خلال فترة رئاسته، واجه هادي تحديات جساماً تتمثل في إعادة هيكلة القوات المسلحة وتقليص نفوذ مراكز القوى المرتبطة بالرئيس السابق علي عبد الله صالح. أطلق "مؤتمر الحوار الوطني الشامل" الذي ضم معظم القوى السياسية والاجتماعية اليمنية. أسفر المؤتمر عن وثيقة دستورية اعتُبرت آنذاك محاولة لرسم ملامح الدولة اليمنية الحديثة.

"مشروع الدولة الاتحادية" الذي قسّم اليمن إلى ستة أقاليم، والذي اعتبر من أبرز مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، كان موضع اعتراض من قبل جماعة الحوثي وبعض القوى الجنوبية التي رأت أن التقسيم لا يحقق توازناً عادلاً في توزيع السلطة والثروة.

مع رفض الحوثيين لمخرجات الحوار واتساع رقعة احتجاجاتهم المسلحة، تمكنت الجماعة في سبتمبر 2014 من السيطرة على العاصمة صنعاء. وجد هادي نفسه تحت إقامة جبرية في منزله، لكنه تمكن من الفرار بطريقة دراماتيكية في فبراير 2015 إلى مدينة عدن الساحلية التي أعلنها عاصمة مؤقتة للبلاد. في خطوة اعتبرت إيذانا بالتصعيد، أعاد هادي تشكيل حكومته هناك في محاولة لاستعادة زمام المبادرة.

مع تقدم الحوثيين وقوات صالح نحو عدن في مارس 2015، تفاقمت الأزمة. في 26 مارس 2015، أعلنت المملكة العربية السعودية "تحالف دعم الشرعية" بقيادتها لشن عمليات عسكرية ضد الحوثيين. وصل هادي وحكومته إلى الرياض التي تحولت إلى مقر دائم للسلطة الشرعية المعترف بها دولياً طيلة السنوات التالية.

الخلافات مع دولة الإمارات والمجلس الانتقالي الجنوبي

برزت تشققات عميقة داخل التحالف العربي نفسه. تطور نزاع مرير بين هادي ودولة الإمارات العربية المتحدة. اتهم هادي الإمارات بدعم "المجلس الانتقالي الجنوبي" الذي يتزعمه عيدروس الزبيدي، الساعي لاستعادة دولة الجنوب. اعتبر هادي هذا الدعم "انقلاباً" على الشرعية ومحاولة لتمزيق وحدة البلاد.

في صيف 2019، اندلعت مواجهات عنيفة بين القوات الحكومية والمجلس الانتقالي في عدن. في كلمة متلفزة، حمل هادي الإمارات مسؤولية "التخطيط والتمويل" والانقلاب. طالبت الحكومة بمقاضاة الإمارات. لجأت الرياض في النهاية لاحتواء الأزمة عبر رعاية "اتفاق الرياض" في نوفمبر 2019 بين هادي والمجلس الانتقالي، الذي نظم تشكيل حكومة جديدة تتقاسم السلطة في عدن والمحافظات الجنوبية، لكن الاشتباكات المتقطعة استمرت على خلفية التنافس على النفوذ.

عزلة متزايدة وتنحي 2022

خلال سنوات المنفى في الرياض، عانى هادي من عزلة متزايدة، حيث أصبح الدبلوماسيون والمسؤولون السعوديون هم حلقة الوصل الرئيسية مع مختلف الأطراف اليمنية. وصفته صحف عربية بأنه "رئيس يحكم من البعد" مع تراجع شبه كامل في قدرته على التأثير المباشر على الأرض.

مع فشل مساعي السلام وغياب حكومة فعالة على الأرض، تزايدت الضغوط السعودية والإقليمية من أجل إفساح المجال أمام قيادة جديدة قادرة على توحيد الصف المناهض للحوثيين. في 7 أبريل 2022، أصدر هادي قراراً بنقل كامل صلاحياته إلى "مجلس القيادة الرئاسي" المؤلف من ثمانية أعضاء برئاسة رشاد العليمي. نص القرار على أن يتولى المجلس التفاوض مع الحوثيين وتمثيل اليمن خارجياً. رحبت السعودية على الفور وأعلنت عن حزمة مساعدات اقتصادية بقيمة 3 مليارات دولار.

الوفاة والمراسم الجنائزية

انتقل الرئيس السابق بعد تنحيه للعيش هادئاً في الرياض متجنباً الأضواء. وافاه الأجل اليوم، الخميس 28 مايو 2026، عن عمر يناهز 81 عاماً.

سيُقام جثمان الفقيد بعد الصلاة عليه في جامع الراجحي بالرياض، تمهيداً لنقله إلى مسقط رأسه في اليمن.

صدر عن رئاسة مجلس الوزراء بيان نعي رسمي جاء فيه: "ببالغ الحزن والأسى تنعى حكومة اليمن فقيد اليمن والمرحلة الرئيس الأسبق عبد ربه منصور هادي". وأعلنت الحداد الرسمي وتعطيل الدوائر الرسمية لمدة ثلاثة أيام.

وصل جثمان الرئيس الأسبق إلى مطار عدن الدولي قادماً من الرياض حيث أستقبلت طائرته الرئاسية. وكان في مقدمة مستقبليه نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي العميد الركن عيدروس الزبيدي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي وقادة عسكريين ووزراء في حكومة المناصفة، في أول صلاة غائب في تاريخ اليمن الحديث تجمع فيها كبار المسؤولين من مختلف مناطق النفوذ.

دُفن الجثمان بعد صلاة ظهر الخميس بمقبرة الرئيس الراحل بمديرية الوضيع في منطقة "ذكين" بجوار أسرته ورفاقه من القادة الجنوبيين.

الإرث السياسي

يُعتبر عبد ربه منصور هادي الشخصية الأكثر إثارة للجدل في تاريخ اليمن الحديث:

· مزايا: رجل دولة محنك، حافظ على تماسك القوات المسلحة ومنع انهيار الدولة تماماً خلال الحرب الأهلية، أشرف على مرحلة انتقالية رسمت دستوراً جديداً للبلاد (وإن لم يُنفذ).
· انتقادات: اتهم بالضعف في مواجهة نفوذ صالح والحوثيين، وفي الفشل في بناء مؤسسات الدولة الجديدة. الوضع المأساوي الراهن (حرب غزة، انقسام البلاد، كارثة إنسانية) فتح ملفات حول مسؤوليته الإدارية عن الفشل الأمني وتفشي الفساد.

رحل عبد ربه منصور هادي تاركاً خلفه إرثاً معقداً: لعب دوراً محورياً في إدارة البلاد خلال أكثر فتراتها اضطراباً منذ الوحدة، ومع ذلك انتهت فترة حكمه بترك اليمن ممزقاً بين حرب أهلية شاملة وتحديات إنسانية غير مسبوقة.

الأقسام

الرئيسية اقتصاد تقارير وتحليلات تكنولوجيا ثقافة حول خبر عاجل رياضة سياسة صحة صور وفيديو عربي ودولي فنون مقالات وآراء منوعات