بقلم/ محمد قاروط أبو رحمة
ليست كل البدايات مرئية، ولا كل التحولات تُولد في العلن.
فكما أن البذور لا تنبت في الضوء، كذلك السرديات القادرة على إحداث التغيير لا تتشكل على عجل، ولا تُبنى تحت وهج اللحظة. إنها تنمو في العمق، في التأمل، في إعادة الصياغة، في البحث عن المعنى قبل البحث عن الانتشار.
في فلسطين، حيث تتزاحم الوقائع اليومية وتفيض التفاصيل، قد يبدو أن نقل الصورة كما هي كافٍ.
لكن الحقيقة أن الواقع، مهما كان قاسيًا، لا يتحدث عن نفسه دائمًا.
إنه يحتاج إلى بنية سردية تحمله، تُنظّمه، وتمنحه القدرة على الوصول والتأثير.
ليست المشكلة في نقص الحكايات، بل في طريقة روايتها.
كم من قصة تُروى ولا تُسمع؟
وكم من واقع يُوثَّق، لكنه لا يتحول إلى وعي؟
هنا تأتي أهمية البنية السردية
ليس باعتبارها شكلاً أدبيًا، بل أداة استراتيجية.
فالسرد الجيد لا يكتفي بعرض الحدث،
بل:
يضعه في سياق
يمنحه تسلسلًا
يربط بين الخاص والعام
ويُخرج الإنسان من الهامش إلى مركز الحكاية
في مواجهة الاحتلال والفصل العنصري، لا يكفي أن نقول "ماذا يحدث"،
بل يجب أن نُجيب أيضًا على:
كيف يُعاش هذا الواقع؟ ولماذا يجب أن يعني الآخرين؟
وهذا لا يتحقق إلا عبر بنية سردية واعية،
تُدرك أن التأثير لا يأتي من كثرة المعلومات، بل من ترتيبها ومعناها.
الضوء مهم للنشر،
لكن قبل الضوء، هناك مرحلة لا تقل أهمية:
مرحلة البناء.
فيها تُطرح الأسئلة الصعبة:
ما الفكرة المركزية؟
من هو بطل الحكاية؟
أين نقطة التحول؟
ما الشعور الذي نريد أن يصل؟
بدون هذه الأسئلة، يتحول النص إلى تراكم معلومات،
لا إلى قصة قادرة على العبور.
إن التسرع في نشر الرواية يشبه تعريض البذرة للضوء قبل أن تتجذر.
قد تُرى، لكنها لن تنمو.
ولهذا، فإن العمل السردي الفعّال يحتاج إلى:
زمن للتفكير
مسافة لإعادة النظر
حساسية لالتقاط التفاصيل الإنسانية
وانضباط في اختيار ما يُقال وما يُترك
في الخطاب العالمي، لا تتنافس الروايات فقط على الحقيقة،
بل على القدرة على الوصول والاستمرار.
والسرديات الضعيفة لا تفشل لأنها خاطئة،
بل لأنها لا تُبنى بشكل يمكّنها من الحياة خارج سياقها.
أما السرديات القوية،
فهي تلك التي:
يمكن إعادة روايتها
يمكن تبنيها من آخرين
ويمكن أن تتحول إلى وعي جمعي
وهنا تتقاطع المسؤولية بين الأكاديمي والكاتب والناشط:
ليس فقط في إنتاج المعرفة،
بل في صياغتها ضمن بنية سردية قادرة على التأثير.
بنية:
تحافظ على الدقة
دون أن تفقد الإنسان
وتوازن بين التحليل والشعور
دون أن تنزلق إلى التبسيط أو التهويل
في النهاية،
المعركة ضد الاحتلال والفصل العنصري ليست فقط معركة وقائع،
بل معركة كيف تُروى هذه الوقائع.
فما لا يُبنى جيدًا، لا يصل.
وما لا يصل، لا يُحدث أثرًا.
البذور لا تنبت في الضوء،
لكنها، حين تنمو جيدًا في الخفاء…
تخرج إلى النور قادرة على تغيير المشهد بأكمله.
البذور لا تنبت في الضوء في أهمية البنية السردية في مواجهة الاحتلال والفصل العنصري
2026-05-23
104 مشاهدة
مقالات وآراء