واشنطن/بغداد – كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، في تحقيق استقصائي نُشر يوم الأحد، عن أن إسرائيل قامت بتجهيز وإدارة قاعدتين عسكريتين سريتين داخل الأراضي العراقية منذ أواخر عام 2024. وأفاد التقرير، الذي استند إلى شهادات مسؤولين عراقيين وإقليميين كبار وقادة عسكريين وشهود محليين وأقارب الضحايا، بأن هاتين القاعدتين كانتا بمثابة نقطة انطلاق حاسمة لدعم العمليات الجوية والاستخباراتية الإسرائيلية خلال الحرب على إيران، وخاصة في حرب الأيام الـ12 في يونيو/حزيران 2025. كما أشار التقرير إلى أن هذه القواعد كانت معروفة لواشنطن، التي يُعتقد أنها أخفت حقيقة وجود قوات إسرائيلية على الأراضي العراقية، وأجبرت بغداد خلال الحرب على إغلاق راداراتها بحجة حماية الطائرات الأمريكية.
الكشف الأولي.. راع عراقي يكتشف سراً عسكرياً إسرائيلياً ثم يُقتل في ظروف غامضة
بدأت تفاصيل القصة في الثالث من مارس/آذار 2026، عندما خرج الراعي العراقي عواد الشمري (29 عاماً) في رحلة اعتيادية من مخيمه البدوي في صحراء غرب العراق متجهاً إلى بلدة النخيب لشراء حاجياته. وهناك، صادف الشمري بالصدفة موقعاً عسكرياً متكاملاً يضم جنوداً يرتدون زياً عسكرياً، ومروحيات، وخياماً، ومدرج هبوط للطائرات.
قام الشمري على الفور بإبلاغ القيادة العسكرية العراقية بما شاهده. لكن عودته إلى مخيمه لم تكن طبيعية. وفقاً لثلاثة شهود من البدو، تعرضت شاحنته لمطاردة جوية من مروحية أطلقت عليها النار مراراً حتى اشتعلت فيها النيران بالكامل وسط الصحراء. وقالت عائلته إنه "اكتشف بالصدفة سراً عسكرياً إسرائيلياً"، وهي تعتقد أن ذلك أدى إلى مقتله. وبعد يومين من البحث، عثر أقاربه على جثته متفحمة بجوار مركبته المدمرة، حيث لم يجرؤ سكان المنطقة على الاقتراب من موقع الهجوم خوفاً من تعرضهم لاستهداف مماثل.
تأكيد القاعدتين.. قاعدة أولى وموقع سري ثان
أكد مسؤولون عراقيون وإقليميون رفيعو المستوى لصحيفة "نيويورك تايمز" أن القاعدة التي اكتشفها الشمري تعود إلى ما قبل الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وقد استُخدمت خلال حرب الأيام الـ12 ضد إيران في يونيو/حزيران 2025، وأثبتت خلالها فائدتها الكبيرة في دعم العمليات العسكرية. وأضاف مسؤولون عراقيون أن هناك قاعدة ثانية غير معلنة أيضاً في صحراء العراق الغربية، لتكون بذلك إسرائيل قد أدارت قاعدتين عسكريتين سريتين داخل الأراضي العراقية لأكثر من عام.
وكانت صحيفة "وول ستريت جورنال" قد نشرت تقريراً الأسبوع الماضي، نقلاً عن مسؤولين أميركيين مطلعين، أكدت فيه أن إسرائيل أنشأت موقعاً عسكرياً سرياً في الصحراء العراقية، واستخدمته منصة متقدمة لدعم حملتها الجوية ضد إيران، بل وشنت غارات جوية على قوات عراقية كانت على وشك اكتشاف الموقع في وقت مبكر من الحرب.
تحقيق برلماني وصراع أدوار في بغداد
أثارت هذه التقارير غضباً واسعاً داخل الأوساط السياسية والشعبية في العراق. ففي البرلمان، قال مسؤول عراقي لصحيفة "العربي الجديد"، إن البرلمان قرر استدعاء وزيري الدفاع والداخلية للتحقيق في حقيقة وجود قواعد إسرائيلية سرية في الصحراء العراقية، وما إذا كانت هناك أي خروقات للسيادة الوطنية.
في غضون ذلك، بدا التضارب واضحاً في تصريحات المسؤولين الرسميين. فمن جهة، نفت خلية الإعلام الأمني العراقية، برئاسة اللواء سعد معن، وجود إنزال جوي جديد في صحراء كربلاء، في محاولة لتفادي ما ورد في التقارير الغربية. لكن معن اعترف، في الوقت نفسه، بوقوع "حادث بتاريخ 5 مارس 2026، حيث اشتبكت القوات الأمنية العراقية مع مفارز وقوى مجهولة غير مرخصة، ما أدى إلى استشهاد أحد منتسبي القوات الأمنية وإصابة اثنين آخرين". وقال قائد قوات غرب الفرات في الجيش العراقي، اللواء علي الحمداني، إن الجيش كان يشتبه بوجود إسرائيلي في الصحراء لأكثر من شهر قبل اكتشاف الراعي. وأضاف أن "الحكومة التزمت الصمت حيال هذا الأمر".
الدور الأمريكي.. إخفاء النشاط الإسرائيلي وإغلاق الرادارات
على المستوى الدولي، نقل مسؤولون عراقيون وأمنيون عن قناعتهم بأن الولايات المتحدة لعبت دوراً محورياً في إخفاء النشاط العسكري الإسرائيلي. وأشاروا إلى أن واشنطن إما أخفت النشاط الإسرائيلي تماماً عن بغداد، أو أبلغت القيادة العراقية العليا بالعمليات وأبقتها سرية. والأكثر خطورة، بحسب مسؤولين أمنيين عراقيين، هو أن واشنطن أجبرت العراق خلال الحرب الأخيرة على إيقاف تشغيل راداراته بحجة حماية الطائرات الأمريكية، مما جعل بغداد أكثر اعتماداً على القوات الأمريكية في رصد أي نشاط معادٍ، وفقدت قدرتها على اكتشاف الطائرات الإسرائيلية التي كانت تنطلق من قواعد داخل أراضيها.
تضارب الرواية.. الحكومة العراقية بين النفي والاعتراف
في أول تعليق رسمي على الحادثة، قال رئيس خلية الإعلام الأمني، سعد معن، لقناة "العربية" إن "الأمر يتعلق بحادث بتاريخ 5 مارس 2026، حيث اشتبكت القوات الأمنية مع قوة غير مرخصة. واعترف بأن القوات العراقية وجدت بالفعل واشتبكت مع "قوى مجهولة"، لكنه قال إن "عمليات التفتيش في الشهر الماضي والحالي لم تعثر على أي وجود لهذه القوة، أو غيرها من القوى غير المرخصة". وأضاف أنها "شوهدت قبل أكثر من شهرين في مكان واحد ولمدة زمنية محددة ثم اختفت".
إيران تتدخل.. تحذير من "التمركز الصهيوني" والتهديد بطرح الملف مع بغداد
في طهران، اعتبرت وزارة الخارجية الإيرانية هذه التقارير على محمل الجد، مؤكدة أنها لن تستبعد أي احتمال يتعلق بأعمال "الكيان الصهيوني" في المنطقة. وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، الاثنين: "نحن لا نستبعد أي احتمال يتعلق بأعمال الكيان الصهيوني في المنطقة، فكل شيء يجب أن يؤخذ على محمل الجد". وأضاف: "هذه قضية مهمة وسيتم بالتأكيد طرحها على الجانب العراقي". وأكدت طهران أنها تعتبر المنطقة الغربية للعراق بمثابة "منطقة أمنها القومي"، خاصة أن أي تمركز إسرائيلي هناك يشكل تهديداً مباشراً للأمن الإيراني.
نيويورك تايمز: إسرائيل أنشأت قاعدتين سريتين في صحراء العراق الغربية لدعم الحرب على إيران
2026-05-17
102 مشاهدة
تقارير وتحليلات