شعار صوت القضية
صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
الإذاعية المقدسية فاطمة موسى البديري (1923 - 2009م) رائدة الإعلام النسائي في فلسطين وأولى المذيعات العربيات

الإذاعية المقدسية فاطمة موسى البديري (1923 - 2009م) رائدة الإعلام النسائي في فلسطين وأولى المذيعات العربيات

تقرير/ أوس داوود يعقوب.

تعدّ المذيعة المقدسية فاطمة موسى البديري من أوائل الإعلاميات في الوطن العربي، بعد أن قُبلت في إذاعة فلسطين الأولى «هنا القدس» التي اُفتتحت في شهر آذار (مارس) عام 1936م، لتكون ثاني إذاعة عربية ولتصبح قبلة لكل الفنانين العرب ومنارة لنشر الثقافة ومعملاً لصنع الكفاءات الإعلامية التي ساهمت فيما بعد في صناعة الإعلام الإذاعي والتلفزيوني في العديد من الأقطار العربية كالأردن وسوريا ولبنان ومصر والعراق.

وهي «أول مذيعة عربية ينقل الأثير صوتها، وأول سيدة تجلس وراء الميكروفون لتقدم لمستمعيها نشرة الأخبار، التي ظلت حتى ذلك الوقت حكرًا على الأصوات الذكورية. وجدت نفسها وحيدة في مواجهة عاصفة لم تهدأ، إلا عند وقوع النكبة التي ضاع فيها نصف الوطن».

تقول الدكتورة فيحاء عبد الهادي:

«حين يُذكر اسم الإذاعية المقدسية العريقة، فاطمة موسى البديري، يذكر بارتباطه بالريادة في مجال العمل الإذاعي المهني، حين بدأت المرأة تقرأ نشرة الأخبار، بعد أن اقتصرت قراءاتها قبل ذلك على المقالات المتنوعة المتفرقة، مما جعلها أول مذيعة أخبار في «إذاعة فلسطين». كما يرتبط اسمها بالريادة الاجتماعية، حيث تمردت على العادات والتقاليد التي تمنع النساء من العمل في مجالات لم يألفها المجتمع، مثل العمل الإذاعي».



وفي كتابه «قالت لنا القدس» يذكر الأديب المقدسي محمود شقير جوانب حياة المقدسيين، فيتحدث عن أشخاص كان لهم أثر كبير في ذاكرة المدينة، وعن بنات المدينة، فيذكر دورهن في النضال من أجل النهضة والحرية، أمثال:

شهندا الدزدار، رئيسة جمعية النساء العربيات في القدس، وزليخة الشهابي، التي أصبحت فيما بعد رئيسة الاتحاد النسائي في القدس، وسلطانة عبده، زوجة خليل السكاكيني، وفاطمة البديري، أول مذيعة ومعدة برامج، والشهيدة رجاء أبو عماشة، وحياة المحتسب.



ويشير الأستاذ شقير إلى أنه:

«لربما كانت بنات القدس أقل حظًا من بنات المدن العربية الأخرى في التطرّق لهن والاعتراف بما لهن من فضل في العلم والأدب والفن، وفي النضال من أجل النهضة والتنوير والتحرّر من الاحتلال. وربما كانت المقدسية فاطمة البديري من أجرأ بنات المدينة في ثلاثينيات القرن العشرين وما أعقبها من سنوات، حينما التحقت بالإذاعة الفلسطينية في القدس، واشتغلت مذيعة ومعدة للبرامج. كان ذلك يعتبر اقتحامًا غير عاديّ لميدان غير عاديّ آنذاك، حينما تعمل امرأة في وسط أغلب العاملين فيه من الرجال، وحينما ينطلق صوتها الأنثوي عبر الأثير مخاطبًا أناسًا كثيرين في أماكن شتّى».



وفي كتابها «القدس والبنت الشلبية» تحدثت الكاتبة عايدة النجار عن فاطمة البديري فتقول:

«برزت فاطمة موسى البديري في أواخر الأربعينات كمذيعة للأخبار السياسية لتكون الرائدة بين النساء، وفي هذا العمل ولتعمل مع الرجال في عمل غير تقليدي، إلى جانب عصام حمّاد الذي سيصبح زوجها، وليعملا معًا في هذه المهنة بعد النكبة في دمشق، حيث أسس إذاعة الشام ثم في ألمانيا. وقد ظل اسمها مرتبطًا بصدى صوتها وهي تقول: "هنا القدس" في مدينتها التي حملتها في قلبها في الشتات والعربة. وكانت فاطمة البديري قد اشتركت أيضًا في برنامج المرأة والبرامج الأدبية وبرنامج الأطفال».



وعبر رحلة طويلة قدمت فاطمة وزوجها الأديب والشاعر والإذاعي الفلسطيني الراحل عصام حمّاد (1925 - 2006م) نشرات إخبارية وشعرًا وأدبًا وافتتاحيات قومية، وبرامج متنوعة في إذاعة القدس حتى لحظة إغلاقها، لينتقلوا بعد ذلك إلى مرحلة الإسهام في إنشاء إذاعات عربية أخرى كالإذاعة الأردنية ثم السورية فاللبنانية ثم الإذاعة العربية من برلين الشرقية.

الميلاد والنشأة:

ولدت فاطمة موسى البديري (أم مهدي) عام 1923م في مدينة القدس، ويعود نسبها إلى عائلة مقدسية عريقة، وهي ابنة الشيخ الأزهري موسى البديري.

أكملت فاطمة دراستها في دار المعلمات في القدس، وتخرجت منها عام 1941م، لتدخل ميدان الوظيفة مبكرًا، فدرّست في مدينة بيت لحم ثم في دار المعلمات الريفية برام الله، لتلتحق بعدها بإذاعة «هنا القدس» في أوائل عام 1946م بصفة مذيعة ومنتجة. وعند انتقال الإذاعة إلى مدينة رام الله، واصلت الإذاعية الفلسطينية الأولى رسالتها، وهي التي أتقنت اللغة العربية وامتلكت جمال الصوت وقدرة على الإقناع.

لم تكن وظيفة فاطمة مجرد قراءة نشرة الأخبار، على أهميتها، بل تعدتها إلى إعداد البرامج والترجمة والتمثيل، فقد مثلت مع زوجها عددًا من المسرحيات والتمثيليات الإذاعية، وهي خطوة لم تلقَ قبولًا في أوساط العائلة.

ورغم أن والدها أزهري، إلا أنه لم يعترض حين رأى ابنته تغادر وظيفتها في المدرسة لتلتحق بالإذاعة، رغم حجم الضغوط الاجتماعية التي واجهتها. وفي الإذاعة لم يكن الطريق الذي اختارته المذيعة الشابة سهلاً، فقد بدأت ملامح المؤامرة البريطانية الصهيونية تتضح على فلسطين، وكان معها في ذلك الوقت مجموعة من أبرز المثقفين والإعلاميين الذين أخذوا على أنفسهم إدارة المعركة.

وقد «كان للمرأة الفلسطينية حضورها البارز في إذاعة «هنا القدس» من خلال الغناء والتمثيل والإعداد والتقديم ومضامين البرامج، فبرزت المطربة ماري عكاوي، ومقدمة برامج الأطفال هنرييت سكسك فراج المعروفة باسم (الآنسة سعاد)، والأستاذة ماري صروف شحادة، والكاتبة الروائية نجوى عارف قعوار، والسيدة قدسية خورشيد، والكاتبة والمترجمة أسمى طوبي، إضافة إلى الرائدة في الإعلام النسائي والمذيعة المتألقة فاطمة البديري، والتي عملت مع زوجها الشاعر والإذاعي القدير عصام حمّاد في إذاعة القدس حتى لحظة إغلاقها، لينتقلوا بعد ذلك إلى مرحلة الإسهام في إنشاء إذاعات عربية أخرى كالإذاعة الأردنية ثم السورية فاللبنانية ثم الإذاعة العربية من برلين الشرقية».

وتذكر الباحثة الفلسطينية بيناز البطراوي أن «إنشاء إذاعة «هنا القدس» في عام 1936م كان له دور مهم في دعم ثورة عام 1936م، وقد عمل في هذه الإذاعة عدد من النساء الفلسطينيات مثل فاطمة البديري وغيرها».

وتشير البطراوي إلى أن «دور المرأة الفلسطينية الإعلامي المهني لم يكن بالدور البارز، ويعود ذلك إلى صعوبات وقيود اجتماعية لم تسمح للمرأة الفلسطينية بممارسة العمل الإعلامي بشكل واسع، بل اقتصر على عدد محدود من النساء الفلسطينيات اللواتي مارسن هذا العمل بتشجيع من أزواجهن الذين عملوا في الحقل الإعلامي، أمثال: منامة الصيداوي قرينة الصحافي عادل جبر محرر صحيفة «الترقي»، وساذج نصّار زوجة الصحافي نجيب نصّار، والتي كانت تساعد زوجها في تحرير صحيفة «الكرمل»، وماري بولس عقيلة الصحافي بولس شحادة صاحب جريدة «مرآة الشرق»، إضافة إلى أسمى طوبى وسميرة عزّام».

وتتحدَّث فاطمة موسى البديري ضمن مشروع التأريخ الشفوي للمساهمة السياسية للمرأة الفلسطينية منذ الثلاثينيات عن أثر النظرة المجتمعية عليها بعد أن احترفت العمل في الإذاعة:

«ردة الفعل كانت فظيعة، حطّموا لي أعصابي. الناس تركوا القنبلة الذرية شيت اليابان، وصاروا يحكوا عليّ: "هي كيف؟ وبعدين لأنه أبوي قاضي، كان قاضي شرع وشيخ ويدرس في الجامع"، فاستكبروها كثيرًا، إنه كيف أذهب وكيف أقعد مع الرجال وأشتغل في الأخبار وأصبح مذيعة مع المذيعين! كلهم مذيعين كانوا، من جملتهم زوجي. هو كان مذيع وأنا كنت مساعدته».



وفي هذه الشهادة تعطينا فاطمة صورة واضحة لعمل المرأة الإذاعي المهني في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات:
«ما كان فيه مذيعات أخبار. فأنا كنت أسمع مذيعات مصر، كانت تماضر توفيق، وواحدة اسمها صفية المهندس، هؤلاء بدأوا ربما قبلي بشهر أو شيء، فسمعت الإعلان. كانت الإذاعة الفلسطينية من الإذاعات المشهورة وقتها، الحقيقة، بعد مصر بشوية، حتى أحيانًا كانت تفوق مصر. فقدّمت أنا قدمت على ورقة شيء، يعني لم أكن متأملة فيها، فاستدعوني وقدمت امتحان».
نجحت رأسًا، يعني نجحت ودخلت الإذاعة الفلسطينية، التي كانت تتكون من ثلاثة أقسام: قسم عربي، قسم إنجليزي، وقسم عبري. كنا كلنا مستقلين في قسمنا، لكل شخص رئيس القسم وموظفوه، منفصلين عن الأقسام الأخرى؛ فدخلت وأصبحت أقرأ الأخبار.
وتتحدث الرائدة من خلال شهادتها عن بعض النساء اللواتي عملن في الإذاعة الفلسطينية بشكل غير منتظم، وتصدر حكمها على نوعية عملهن بأنهن لسن مذيعات بالمعنى المتخصص الذي تفهمه المذيعة المحترفة؛ الأمر الذي يؤرخ لبداية الوعي بأهمية العمل المهني:
«مش مذيعات بالمعنى الصحيح، كنّ يقدمن فترة. كانت نزهة الخالدي، وفيه واحدة للأطفال كانت اسمها هنرييت سكسك، تقدم للأطفال، وناس يشتركوا في برامج المرأة، نسيت شو اسمهم! كانوا يكتبون، وكان هناك عدد من الناس يشترك من بعيد لبعيد».
وقد أتى الفنان والإعلامي المقدسي نصري الجوزي على ذكرها في كتابه «تاريخ الإذاعة الفلسطينية «هنا القدس» 1936 – 1948م»، فقال:
«هي زوجة الأستاذ الأديب عصام حمّاد من كرام العائلات المقدسية المعروفة، كانت تشرف على قسم برامج المرأة والأطفال، إضافة إلى أنها كانت تشارك زوجها عصام في تقديم البرامج الثقافية الخاصة والعامة. وبمزيد من الاعتزاز والفخر أذكر أنها بالإضافة إلى المذيعتين المصريتين صفية المهندس وتماضر توفيق كنّ، معًا، أوائل المذيعات اللائي خضن ميدان العمل الإذاعي الحرفي الرسمي، وفي وقت واحد تقريبًا في العالم العربي كله.
كان صوتها الحنون الهادئ الرزين يحبب نفسه إلى الأطفال والكبار معًا، لغتها العربية سليمة ومعلوماتها الثقافية ممتازة، وبقيت تقدم برامجها الطريفة حتى نهاية الانتداب البريطاني وحلول النكبة الفلسطينية عام 1948م.
زاملت زوجها في الإذاعة السورية (1950 – 1952م)، وفي الإذاعة الأردنية (1952 – 1957م)، وفي الإذاعة الألمانية الديمقراطية (1958 – 1965م). بعد ذلك عملت مدرسة للغة العربية، ثم أمينة للمكتبة في دار المعلمات بوكالة الغوث برام الله ثم بوكالة عمّان (1965 – 1971م)، ثم في قسم التصنيف بمكتبة الجامعة الأردنية في عمّان (1978 – 1983م).
واستأنفت فاطمة نشاطها في الدار الأردنية للثقافة والإعلام في عمّان.
رفيق الدرب… عصام حمّاد (1925 – 2006م):
وُلد الشاعر والأديب والإعلامي عصام حسني حمّاد في 12 أيار (مايو) عام 1925م في جرش بالأردن، لأب فلسطيني من نابلس وأم شركسية هي السيدة عائشة زكريا تجبسم.
درس عصام في مدرسة النجاح الوطنية بنابلس، واستشهد والده برصاص الاحتلال الإنجليزي عام 1936م. أكمل دراسته الثانوية في المدرسة الرشيدية بالقدس، واجتاز امتحان التعليم العالي الفلسطيني عام 1942م.
حصل على مؤهل الحقوق من القدس (إنترميديات)، وعمل أول الأمر في ضريبة الدخل. وفي كانون الأول (ديسمبر) عام 1944م عمل مذيعًا في القسم العربي في إذاعة فلسطين الأولى «هنا القدس»، ووصل إلى درجة مساعد مراقب البرامج بالقدس. نقل هو ورفاقه أجهزة الإذاعة من القدس إلى رام الله وواصلوا البث في أعقاب انتهاء الاحتلال البريطاني ودخول وحدات عسكرية عربية إلى فلسطين في 15/5/1948م.
تزوج عصام عام 1949م من المنتجة والمذيعة الفلسطينية فاطمة موسى البديري، وهو نفس العام الذي التحق فيه بالعمل في إذاعة دمشق كمراقب في «شعبة المذيعين» لحوالي ثلاث سنوات. عاد إلى رام الله ليعمل مراقبًا للبرامج في الإذاعة الأردنية، ثم توجه مرة أخرى إلى دمشق ليعمل مستشارًا ومديرًا عامًا في دار الإذاعة السورية، ومنها إلى ألمانيا ليصبح مسؤول القسم العربي في الإذاعة الألمانية، واستمر في عمله حتى عام 1965م، حيث تخصص خلال هذه الفترة في العمل التلفزيوني كتابة وإخراجًا، وبدأ في إعداد رسالة لنيل درجة الدكتوراه بعنوان «أثر أجهزة الإعلام في تطوير الأدب العربي الحديث»، لكن عودته إلى الأردن حالت دون مناقشتها.
بعد صدور قانون العفو العام سنة 1965م في الأردن، عاد عصام وأشرف على البرنامج الذي كانت منظمة التحرير الفلسطينية تقدمه من دار الإذاعة الأردنية.
وذكره (الجوزي) أيضًا في كتابه المشار إليه أعلاه، فقال:
«يقول الأستاذ عصام في رسالة بعث بها إلي بتاريخ 15/2/1984م ما يلي: «انضممت إلى أسرة الإذاعة الفلسطينية كمذيع ومنتج في الأول من كانون الأول (ديسمبر) سنة 1944م، وبقيت كذلك حتى 15/7/1948م، حيث كنت قد أسهمت مع بعض زملائي في مواصلة إذاعة ندائها «هنا القدس» من رام الله بعد زوال الانتداب البريطاني، ثم أتيح لي بعد ذلك أن أكون مديرًا لبرامجها لعدة سنوات، بعد أن كان قد تغيّر اسمها إلى (دار الإذاعة الأردنية في القدس)».
ويقول في مكان آخر من رسالته:
«لا أستطيع هنا تعداد عشرات بل مئات البرامج المتفرقة التي أعددتها أو أخرجتها أو قدمتها خلال سنوات عملي في الإذاعة الفلسطينية، بيد أن من الممكن القول إن معظم البرامج الخاصة، ذات الطابع الثقافي العام، التي كانت تُقدَّم أسبوعيًا من الإذاعة بين الأعوام (1945 – 1948م)، هي إما من إعدادي أو بإشرافي أو بمشاركتي، لا سيما وأنني كنت في البداية معاونًا للمرحوم محمد أديب العامري والأخ العزيز سعيد العيسى في الإشراف على القسم الأدبي، ثم مشرفًا رئيسيًا على ذلك القسم بعد ذلك».
ويذكر الأخ عصام في رسالته بعضًا من عناوين هذه البرامج:
«ابن زيدون، عمر الخيام، مدام كوري، جبران خليل جبران، على سفوح القوقاز، مواكب المجد…»
كانت القراءات الشعرية من اختصاصه على وجه العموم، كذلك كانت برامج المناسبات الوطنية والتاريخية، وعصام شاعر مطبوع وأديب لامع وله صولات في فنون الأدب والشعر.
وجوابًا على سؤال طُلب إليه أن يحدثني عن ذكرياته بخصوص الإذاعة الفلسطينية أثناء عمله بين (كانون الأول/ديسمبر 1944م و15 أيار/مايو 1948م) أجاب:
«ليس لدي الآن ما أقوله بهذا الشأن سوى أن الأوضاع التي كانت سائدة في الإذاعة خلال الفترة التي رأسها المرحوم عزمي النشاشيبي، وهي الفترة التي عاصرتها من بدايتها تقريبًا وحتى نهايتها، كانت الأوضاع الملائمة جدًا لأن تبرز الإذاعة الفلسطينية وجه الحياة الثقافية في فلسطين على أروع ما يكون، لا سيما وأن الإذاعة في ذلك الوقت كانت هي المرآة العريضة الوحيدة للحياة الثقافية العامة في البلاد».
وقال عنه (العودات) في كتابه «من أعلام الفكر والأدب في فلسطين»:
«المتعمق في درس عصام من الناحيتين النفسية والفكرية يخرج بالملامح التالية:
(إنسان) من طراز رفيع يعتز بإنسانيته وبالمثل العليا التي طالما بشر بها الأنبياء والمصلحون وقادة الفكر الإنساني منذ فجر التاريخ».
وهذه الملامح العريضة لتفكير (عصام) هي نتيجة لمشاعره النفسانية، وقراءاته المنوعة، وتجاربه طيلة عراك عنيف مع الأيام.
و(عصام) تأثر في ميوله واتجاهاته العامة بالمرحوم والده، الذي لقي وجه ربه شهيدًا برصاص الجند البريطاني في ثورة عام 1936م. وكان الوالد في حياته ومصرعه درسًا خالدًا لشاعر مقت الاستعمار في أي لون من الألوان، وفي مناجزة البغي وكبت الحريات في كل زمان ومكان».
توفّي (عصام) في عمّان عام 2006م.
وقد كان – رحمه الله – عضوًا في رابطة الكتاب الأردنيين، وانتخب لعضوية أكثر من هيئة إدارية فيها. وهو عضو اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، وعضو عدد من جمعيات الصداقة مع الدول الأجنبية.
من آثاره القلمية:
أنتج الراحل عددًا من الكتب في الشعر والقصة والثقافة والإعلام وتاريخ المسرح، والترجمة من الألمانية والإنكليزية إلى العربية، وبالعكس:.
1- الإذاعة للجميع (دراسات في الكتابة والإخراج الإذاعيين)، دار الشرق، دمشق، 1952م.
2- ديان بيان فو (ملحمة شعرية - من الشعر الحر)، دار الفكر الجديد، بيروت - 1954م، طبعة ثانية: رام الله – 1957م.
3- رسالة إلى ولدي (مطولة شعرية - من الشعر الحر، يخاطب بها مهدي أكبر أنجاله)، المكتبة العلمية، رام الله - 1957م.
4- دراسة مقارنة في الفن العربي والألماني، 1959م.
5- متفرقات منثورة من الشعر والأبحاث والقصص، برلين - 1962م.
6- حرب تشرين… أحداثها ونتائجها، دمشق - 1974م.
7- رسائل وصور من بعيد… من الأدب السياسي والثقافي والرحلات، الدار الأردنية للثقافة والإعلام، عمّان - 1986م.
8- نحو ثقافة وطنية معاصرة - نحو مفهوم إعلامي صحيح، الدار الأردنية للثقافة والإعلام، عمّان.
9- تهويد القدس، (ترجمة الإنجليزية)، تأليف روحي الخطيب.
ويذكر العودات أنه «بعد أن وقعت رام الله ذليلة في قبضة (إسرائيل) في 7/6/1967، ترك (عصام) في منزله مجموعتين من الشعر وملحمتين، ومجموعة من القصص المؤلفة وقصة مطولة، وثلاث مجموعات من القصص المترجمة، ومجموعة عن الحركة الوطنية في فلسطين والأردن، بالإضافة إلى دراسات أدبية وموضوعات سياسية واجتماعية منوعة، ومجموعات من البرامج الإذاعية المختلفة».
و(حمّاد)، فضلاً عن كونه رائدًا من رواد الفن الإذاعي في الوطن العربي، هو شاعر موهوب، و«شعره وطني إنساني، يتناول القضية الفلسطينية وقضايا التحرر العالمية. مارس الشعر بنمطيه العامودي والحر، وهو من أوائل رواد الشعر الحر في الأردن، لكن الدارسين والنقاد تجاهلوا دوره لضعف اطلاعهم على مسيرة الشعر في انطلاقاتها الأولى بالأردن، ولغيابه الطويل في الخارج».
رحلة إذاعية مشتركة:
عملت (فاطمة) بعد انتقالها رفقة زوجها إلى دمشق عام 1949م في الإذاعة السورية لمدة ثلاث سنوات كمذيعة للأخبار، حيث انطلق صوتها مجددًا من الإذاعة السورية ليقول هذه المرة: «هنا دمشق». وقد كان لهما دور مميز في الإذاعة السورية، حيث عملا جنبًا إلى جنب مع الأساتذة يحيى الشهابي، وصباح قباني، وتوفيق حسن، وخلدون المالح، وفؤاد شحادة، وعبد الهادي مبارك، وسهيل الصغير، وسامي جانو، وسعدي بصوص، وعبلة الخوري (أول صوت نسائي في الإذاعة السورية)، وعواطف الحفار وغيرهم.
ويذكر الإعلامي والأديب الأستاذ نصر الدين البحرة أن (فاطمة) وزوجها ينتميان للفوج الثاني من رواد العمل الإذاعي في إذاعة دمشق، فيقول: «تألف الفوج الثاني من المذيعين من السيدة عبلة الخوري التي انتقلت إلى لندن فيما بعد، وعصام حمّاد الشاعر صاحب الصوت الرخيم، والذي انتقل بعد ذلك إلى الأردن وزوجته السيدة فاطمة البديري، وتوفيق حسن، ولم يكن هؤلاء يكتفون بتقديم الأخبار وراء المايكروفون، فكانوا يقدمون برامج متميزة مثل «ركن الطلبة» الذي كان الأستاذ حمّاد يقدمه مساء كل يوم اثنين الساعة السابعة، وكان لي شرف المشاركة في عدد من حلقاته».
ويذكر الأديب والصحفي السوري الراحل الأستاذ عادل أبو شنب، أنه: «عندما بدأت الإذاعة الوطنية، كانت الأصوات التي تُسمع منها قليلة، ومن هذه الأصوات صوتان، واحد لرجل، وآخر لامرأة، وهما زوجان: الأول عصام حمّاد الذي توفّاه الله هذا العام (2006م)، والثاني صوت فاطمة البديري زوجته. وهما فلسطينيان، يقيمان في الأردن ومتعاقدان مع الإذاعة السورية. كان لهما صوتان جميلان مؤثران يحببان نشرات الأخبار إلى المستمعين، وكنت أتابعها صغيرًا، وعرفتهما عندما شببت وصارت لي علاقة بالإذاعة».
عصام حمّاد، هذا الإذاعي الشهير الذي كان له صوت رائع، وإلى زوجته السيدة فاطمة البديري التي كانت تماثله في جمال الصوت، لأقول إن المذيع في الإذاعة يجب أن يتمتع بجمال الصوت ودقة اللغة وإتقانها ليصبح مذيعًا حقيقيًا.
إن اللغة العربية هي عنوان أمتنا، فيجب أن تكون سليمة وتُؤدى كما يجب، بإتقان ودون خطأ، كما كان أوائل المذيعين يؤدونها، كعصام حمّاد وزوجته فاطمة البديري.
بعد ثلاثة أعوام من الإقامة في دمشق، عادت (فاطمة) رفقة زوجها (عصام) إلى مدينة رام الله، تقول عن هذه الفترة:
«قعدنا ثلاث سنين في الشام. بعدين رجعنا على رام الله. رجع هو على الإذاعة، أنا ما رجعتش على الإذاعة. أنا رجعت على التربية والتعليم؛ لأنه أنا أصلاً مهنتي تربية وتعليم. بعدين الإذاعة طلبتني، قالت: تقرئي أخبار مرة واحدة في النهار، يعني مش موظفة إذاعة. فكنت أروح أقرأ نشرة الأخبار. لحدّ سنة 1957، ضلينا على هالحال».
بعد إقالة حكومة سليمان النابلسي عام 1956م، طُوّرد زوجها الإذاعي البارز عصام حمّاد بسبب مواقفه السياسية، فلجأ مثل كثيرين إلى دمشق لتلتحق به زوجته الإذاعية، دون أن يتاح لهما العمل بعد أن أصبحا لاجئين. لكن تلك الإقامة لم تستمر طويلًا، إذ سافرت بعد عام مع زوجها إلى برلين، التي كانت عاصمة ألمانيا الشرقية في ذلك الوقت، لتبدأ مسيرة أخرى في حياتهما المهنية تحت عنوان «هنا برلين». فعملا في الإذاعة مدة سبع سنوات، حيث استمر عملهما في قراءة الأخبار وكتابة التعليقات.
وبعد صدور عفو سياسي عام من القيادة السياسية في الأردن عن المحكومين، وكان (عصام) واحدًا منهم، غادرت (فاطمة) وأسرتها برلين، متوجهين إلى مدينة رام الله عام 1965م، وبعد عامين غادرا إلى عمّان حيث استقرا هناك.
وفي عمّان عملت (فاطمة) في سلك التعليم في وكالة الغوث بين عامي 1965 – 1971م، ثم في قسم التصنيف بمكتبة الجامعة الأردنية بعمّان بين 1978 – 1983م.
وأثناء فترة إقامتها في عمّان، شاركت (فاطمة) في عدد كبير من المؤتمرات العربية والدولية، وكانت تجربتها المهنية مادة لكثير من الدراسات والأبحاث التي تناولت الإعلام ودور المرأة العربية فيه.
وعن أيام رفيقي الدرب (عصام وفاطمة) في عمان، يحدثنا الأستاذ عودة عودة فيقول:
«في جبل عمان في الثمانينات، كنت أواكب أسبوعيًا، وكل يوم ثلاثاء، زيارة أستاذنا المرحوم عصام حمّاد (أبو مهدي) القومي واليساري حتى النخاع، والكاتب والإذاعي المعروف، وزوجته المرحومة فاطمة البديري، الإذاعية المعروفة في الدار الأردنية للنشر التي يملكها أبو مهدي. وكان اللقاء طويلًا، وعلى مدار أكثر من ساعتين كنا نستمع معًا لموسيقى وصوت هامس لأكثر من أغنية للسيدة أم كلثوم، ولم يوقف صوتها العذب الرخيم لحظة الحديث عن الأيام الماضية، بينما كان يعمل مع أم مهدي في إذاعة القدس قبل 1948م، وكنا نحتسي معًا قهوة زوجته اللذيذة الطيبة».
وفي موضع آخر يقول الأستاذ عودة عودة:
«آخر مرة التقيت بالمرحومة السيدة المقدسية فاطمة البديري (أم مهدي)، التي غادرتنا قبل أيام، كان قبل حوالي عام في منزلها بجبل عمان، حيث كنت مع أحفادي وزوجتي في زيارة «سوق جارا» القريب من منزلها الذي يشبه تحفة معمارية، وفي موقع تاريخي ومعروف بجبل عمان، مطل على قاع ووسط المدينة: شارع الملك طلال، وشارع الملك حسين، وشارع الهاشمي، وفي مواجهة جبل القلعة وجبلي الشرفية والجوفة.
أتذكر في هذا اللقاء الودود والطيب والقصير، والذي جاء بالصدفة وبلا موعد مع (أم مهدي)، وبعد أكثر من عام من رحيل زوجها وأستاذنا المرحوم عصام حمّاد (أبو مهدي)… أصرت هذه السيدة المقدسية الرائعة على دخولنا منزلها».
وقصة معرفتي بالأستاذ عصام حمّاد والسيدة فاطمة البديري كانت قبل 25 عامًا. لقد توالت لقاءاتي فيما بعد مع الأستاذ أبو مهدي والسيدة أم مهدي، وكان الحديث يطول ويحلو عندما كانا يتحدثان عن عملهما في إذاعات القدس وعمان ودمشق وبرلين وذكريات حارة الياسمين بنابلس، وقد تعلمت منهما الكثير والكثير.
توفيت السيدة فاطمة موسى البديري في أوائل حزيران (يونيو) عام 2009م في عمّان، بعد ثلاث سنوات من رحيل زوجها، بعد أن سجلت اسمها في قائمة الرائدات العربيات في الإذاعة، وقد حازت على تكريم مركز الإعلاميات العربيات، ويمتلئ أرشيفها بالمواقف التي تستحق البحث والدراسة والتقدير.
والمؤسف أن حلمها بأن تُدفن في القدس لم يتحقق، فدفنت في عمّان.
ختامًا، نشير إلى أنه ضمن سلسلة «هؤلاء أسلافي» التي ينتجها (تلفزيون فلسطين – رام الله)، تم إنتاج حلقة خاصة بالإعلامية المقدسية الراحلة فاطمة البديري على موقع يوتيوب.
كذلك تم إنتاج حلقة خاصة بزوجها الشاعر والأديب والإعلامي الراحل عصام حمّاد.
كما يمكنكم تحميل نص برنامج «زيارة خاصة مع السيدة فاطمة البديري (أم مهدي)»، الذي أعده وقدم الإعلامي اللبناني سامي كليب، إنتاج (قناة الجزيرة الفضائية).
أهم المصادر والمراجع:.
1- أحمد عمر شاهين، موسوعة كتاب فلسطين في القرن العشرين، دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية ـ طبعة أولى: 1992م.
2- راضي صدوق، شعراء فلسطين في القرن العشرين ـ توثيق أنطولوجي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت - 2000م.
3- د/ عايدة النجار، القدس والبنت الشلبية، دار السلوى للدراسات والنشر، عمّان – 2011م.
4- د/ نزار أباظة.