انشغال العالم بالحرب مع إيران يثير مخاوف فلسطينية من تسريع الضم الإسرائيلي في الضفة الغربية
ويرى مسؤولون ومحللون فلسطينيون أن الضفة الغربية تشهد في الأسابيع الأخيرة تصعيداً متواصلاً على مستويات متعددة، في وقت يتراجع فيه الاهتمام الدولي بما يجري في الأراضي الفلسطينية نتيجة تركيز المجتمع الدولي ووسائل الإعلام على الحرب الدائرة في المنطقة.
ميدانياً، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مقتل ثلاثة فلسطينيين في هجوم نفذه مستوطنون إسرائيليون على قرية أبو فلاح شمال شرقي رام الله. وأفادت مصادر محلية بأن القتلى هم ثائر فاروق حمايل (24 عاماً)، وفارع جودات حمايل (57 عاماً)، ومحمد حسن مرة (55 عاماً)، مشيرة إلى أن اثنين منهم أصيبا برصاص في الرأس. وجاءت هذه الحادثة بعد أقل من 24 ساعة على مقتل شاب فلسطيني (27 عاماً) وإصابة شقيقه بجروح خطيرة في قرية وادي الرخيم جنوب الخليل، عقب هجوم نفذه مستوطنون على منزل في المنطقة وسط وجود قوات الجيش الإسرائيلي.
وتشير هذه الحوادث، بحسب مؤسسات حقوقية فلسطينية، إلى تصاعد واضح في وتيرة العنف الذي يمارسه المستوطنون ضد الفلسطينيين، وهو ما يترافق غالباً مع إجراءات عسكرية إسرائيلية على الأرض. وفي هذا السياق، قالت منظمة "البيدر" الحقوقية إن الاعتداءات المتكررة للمستوطنين أجبرت نحو 11 عائلة فلسطينية تضم قرابة 60 شخصاً في خربة يرزا شرق طوباس على الشروع في تفكيك مساكنها تمهيداً لمغادرة المنطقة بعد أن أصبحت حياتهم غير آمنة نتيجة الاعتداءات المستمرة.
ووفق بيانات المنظمة، ارتفعت هجمات المستوطنين بنحو 25% منذ اندلاع الحرب الإقليمية الأخيرة في 28 فبراير/شباط الماضي، مع تركيز خاص على المناطق المصنفة "ج" والتجمعات البدوية التي تعتبر الأكثر عرضة لخطر التهجير القسري.
بالتوازي مع ذلك، شهدت الضفة الغربية موجة واسعة من عمليات الدهم والاعتقال التي نفذها الجيش الإسرائيلي في عدد من المدن والبلدات الفلسطينية. وذكرت مصادر محلية أن القوات الإسرائيلية اعتقلت ما لا يقل عن 14 فلسطينياً خلال مداهمات في نابلس وقلقيلية وبيت لحم والخليل ورام الله، في إطار حملات اعتقال متواصلة.
كما أفادت تقارير محلية بأن القوات الإسرائيلية فجرت في مدينة طولكرم مغارة أثرية تعود إلى ما قبل عام 1967 داخل حديقة منزل في وسط المدينة، ما تسبب بأضرار واسعة في الممتلكات المجاورة. وفي القدس الشرقية نصبت قوات الاحتلال حواجز عسكرية جديدة في عدد من الأحياء، بينها الشيخ جراح وسلوان، الأمر الذي أدى إلى تشديد القيود على حركة المواطنين وتكثيف عمليات التفتيش.
وتشير بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية بلغت مستويات مرتفعة خلال الأشهر الأخيرة. ووفق الهيئة، نفذ الجيش الإسرائيلي والمستوطنون نحو 1965 اعتداء خلال شهر فبراير/شباط الماضي وحده، بينها هدم 122 منشأة فلسطينية والإخطار بهدم 49 أخرى. كما سجلت 511 اعتداء نفذها مستوطنون شملت الاعتداء الجسدي على المواطنين، واقتلاع الأشجار، وحرق الأراضي الزراعية، والاستيلاء على ممتلكات.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات لا يمكن فصلها عن السياق السياسي الأوسع، إذ تشير تقارير دولية إلى أن إسرائيل تمضي تدريجياً في فرض وقائع جديدة على الأرض في الضفة الغربية. وفي هذا السياق، حذر تقرير صادر عن مركز "Responsible Statecraft" الأمريكي من أن إسرائيل تمضي قدماً في ما وصفه بـ"الضم الهادئ للضفة الغربية"، مستفيدة من انشغال المجتمع الدولي بالحرب في غزة والتصعيد العسكري مع إيران.
ويشير التقرير إلى أن الحكومة الإسرائيلية تعمل على تمرير إجراءات تشريعية في الكنيست تهدف إلى تسهيل شراء الأراضي في الضفة الغربية من قبل المستوطنين، إضافة إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية على مواقع دينية وتاريخية، في خطوة يرى مراقبون أنها تعزز السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية.
وقال أمير داوود، مدير وحدة التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، إن ما يجري حالياً في الضفة الغربية يعكس تصعيداً منظماً يستغل انشغال المجتمع الدولي بالأزمات الإقليمية. وأضاف أن التجمعات البدوية في مناطق عدة، خصوصاً في منطقة "E1" شرق القدس، تواجه تهديدات متزايدة بالتهجير، في ظل خطط إسرائيلية لإقامة مشاريع استيطانية كبيرة في تلك المنطقة.
ويرى محللون سياسيون أن الإدارة الأمريكية الحالية، المنشغلة بمتابعة التطورات العسكرية في المنطقة، توفر غطاءً سياسياً غير مباشر لبعض الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية. ففي خطوة أثارت جدلاً واسعاً، أعلنت السفارة الأمريكية في فبراير/شباط الماضي تقديم خدمات جوازات السفر والمواطنة لمواطنين أمريكيين داخل مستوطنة "إفرات" جنوب بيت لحم، في سابقة منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967.
واعتبرت جهات فلسطينية أن هذه الخطوة تمثل اعترافاً عملياً بالاستيطان وتمنحه شرعية سياسية، في حين قالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إن تقديم خدمات قنصلية داخل مستوطنة مقامة على أراضٍ فلسطينية مصادرة يشكل مخالفة واضحة لمبادئ القانون الدولي.
وفي المقابل، أعربت دول عربية وإسلامية عدة عن قلقها من السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية. فقد حذر وزراء خارجية ثماني دول هي قطر والسعودية ومصر والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا في بيان مشترك من استمرار السياسات التوسعية الإسرائيلية، مؤكدين أن هذه الإجراءات "باطلة ولاغية" وتشكل انتهاكاً واضحاً لقرارات مجلس الأمن الدولي.
ومع استمرار الحرب الإقليمية وتراجع الاهتمام الدولي بما يجري في الأراضي الفلسطينية، يحذر مسؤولون فلسطينيون من أن الضفة الغربية قد تشهد خلال الفترة المقبلة خطوات متسارعة لتكريس واقع جديد على الأرض. ويؤكد هؤلاء أن انشغال العالم بالحرب في المنطقة يمنح إسرائيل فرصة لتوسيع الاستيطان وفرض وقائع جغرافية وسياسية قد تقوض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة في المستقبل.
وفي ظل هذه التطورات، يدعو الفلسطينيون المجتمع الدولي إلى عدم الاكتفاء بمتابعة التصعيد العسكري في المنطقة، والتنبه أيضاً لما يجري في الضفة الغربية، حيث يؤكدون أن ما يحدث هناك يمثل تحولاً خطيراً قد يعيد رسم معالم الصراع في المنطقة لسنوات طويلة قادمة.