تصعيد أفغاني ـ باكستاني متجدد.. هجمات متبادلة على الحدود ومخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع
وأكد المتحدث العسكري في المنطقة الشرقية لأفغانستان، وحيد الله محمدي، أن قوات الحدود الأفغانية بدأت "هجمات مكثفة" استهدفت مواقع عسكرية باكستانية، مشيراً إلى أن العمليات جاءت رداً على القصف الجوي الذي طال ولايتي ننغرهار وباكتيكا وأسفر عن سقوط عشرات الضحايا، بينهم مدنيون.
تطورات ميدانية متسارعة
ووفق مصادر عسكرية أفغانية، شملت العمليات هجمات عبر عدة محاور حدودية، وأسفرت عن سقوط قتلى في صفوف القوات الباكستانية والسيطرة على عدد من النقاط العسكرية على طول الشريط الحدودي.
في المقابل، أعلنت باكستان أن قواتها ردّت على ما وصفته بـ"إطلاق نار غير مبرر" من الجانب الأفغاني، مؤكدة تنفيذ رد عسكري فوري أدى إلى تدمير مواقع ومعدات عسكرية، خصوصاً في مناطق إقليم خيبر بختونخوا المحاذي لأفغانستان.
ويأتي هذا التصعيد بعد أيام من غارات جوية باكستانية قالت إسلام آباد إنها استهدفت سبعة معسكرات ومخابئ تابعة لحركة طالبان الباكستانية، وذلك عقب سلسلة هجمات أمنية داخل أراضيها، من بينها هجوم استهدف مسجداً في العاصمة إسلام آباد مطلع فبراير الجاري.
روايتان متناقضتان
تؤكد الحكومة الباكستانية أن عملياتها العسكرية تستهدف جماعات مسلحة تستخدم الأراضي الأفغانية منطلقاً لتنفيذ هجمات داخل باكستان، بينما تتهم حكومة طالبان إسلام آباد باستهداف مناطق مدنية والتسبب بسقوط قتلى وجرحى من السكان.
وقال المتحدث باسم الحكومة الأفغانية ذبيح الله مجاهد إن الضربات الباكستانية أصابت مواطنين مدنيين، معتبراً أن تبريرات باكستان تعكس إخفاقات أمنية داخلية.
جذور أزمة ممتدة منذ عقود
التوتر الحالي ليس حدثاً معزولاً، إذ تعود جذور الخلاف بين البلدين إلى عقود طويلة، وتحديداً إلى النزاع حول خط ديورند، وهو خط الحدود الذي رسمته بريطانيا عام 1893 خلال الحقبة الاستعمارية.
وتعترف باكستان بالممر كحدود دولية رسمية، في حين ترفض الحكومات الأفغانية المتعاقبة الاعتراف النهائي به، كونه يقسم مناطق قبائل البشتون بين الدولتين، ما يجعل الحدود واحدة من أكثر المناطق هشاشة أمنياً في آسيا.
ومنذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في كابل عام 2021، تصاعدت الاتهامات المتبادلة، حيث تقول باكستان إن جماعات مسلحة، أبرزها طالبان الباكستانية، تنشط انطلاقاً من الأراضي الأفغانية، بينما تنفي كابل ذلك بشكل متكرر.
اشتباكات متكررة وتداعيات اقتصادية
شهدت الأشهر الماضية عدة مواجهات دامية بين الطرفين، أبرزها اشتباكات أكتوبر الماضي التي خلفت أكثر من 70 قتيلاً قبل التوصل إلى وقف إطلاق نار بوساطة إقليمية.
كما أدى إغلاق المعابر الحدودية سابقاً إلى خسائر اقتصادية كبيرة وتعطل حركة التجارة وتكدس آلاف الشاحنات، إضافة إلى منع عبور آلاف المدنيين الذين يعتمدون على التنقل اليومي بين البلدين.
وتشير تقارير أممية إلى سقوط عشرات المدنيين خلال الأشهر الأخيرة نتيجة أعمال عسكرية على الحدود، ما يزيد من المخاوف الإنسانية في المناطق المتأثرة بالنزاع.
أبعاد إقليمية ودولية
يرى محللون أن التصعيد الحالي يتجاوز الخلافات الحدودية التقليدية، ويرتبط بتوازنات أمنية أوسع تشمل أمن الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني، والتنافس الإقليمي في جنوب آسيا، إضافة إلى تداعيات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وغياب آلية أمنية مشتركة فعالة بين البلدين.
كما يحذر خبراء من أن استمرار العمليات العسكرية المتبادلة قد يقوض جهود بناء الثقة ويفتح الباب أمام مواجهة أوسع، خاصة في ظل انعدام التنسيق الأمني وتزايد الضغوط الداخلية على حكومتي كابل وإسلام آباد.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
في ظل التصعيد المتواصل، تبرز احتمالات عدة، أبرزها استمرار الاشتباكات المحدودة على الحدود، أو عودة الوساطات الإقليمية التي سبق أن قادتها دول مثل قطر وتركيا لاحتواء الأزمة.
غير أن مراقبين يؤكدون أن غياب حل جذري لقضية الحدود وملف الجماعات المسلحة سيبقي العلاقات الأفغانية ـ الباكستانية عرضة لدورات متكررة من التصعيد، ما يجعل الاستقرار في المنطقة رهناً بإرادة سياسية وتفاهمات أمنية طويلة المدى.
وبين العمليات العسكرية المتبادلة وتضارب الروايات الرسمية، تبقى الحدود بين البلدين واحدة من أخطر بؤر التوتر في آسيا، وسط مخاوف متزايدة من تحول التصعيد الحالي إلى أزمة إقليمية أوسع.