بقلم: علي أو عمو – كاتب من المغرب
لم يعد ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة مجرد استمرار للصراع أو تدبير أمني لاحتواء المقاومة، بل بات يكشف عن مسار متكامل لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية والتحكم في توزيع السكان، بما يجعل قيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة أكثر صعوبة. فمن قطاع غزة المحاصر والمُدمَّر إلى الضفة الغربية التي تتسع فيها المستوطنات والبؤر الاستيطانية، تتقدم سياسة فرض الأمر الواقع على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية، في ظل عجز دولي عن وقفها.
غزة والضفة: جبهتان لمشروع واحد.
في قطاع غزة، لم يُؤدِّ إعلان التهدئة إلى إنهاء معاناة السكان أو ضمان أمنهم وحقهم في الحياة. فاستمرار العمليات العسكرية، وتدمير المساكن والبنية التحتية، وتقييد دخول المساعدات الإنسانية، فضلًا عن فرض مناطق عازلة وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية، كلها عوامل تدفع السكان إلى العيش في مساحة تضيق باستمرار، وسط ظروف إنسانية بالغة القسوة.
ولا تقتصر خطورة هذا الواقع على الدمار المباشر، بل تمتد إلى مستقبل القطاع نفسه. فحين يُحرم السكان من المأوى والخدمات الأساسية، وتُعطَّل مقومات إعادة بناء الحياة، يصبح بقاؤهم في أرضهم أكثر صعوبة، ويتحول النزوح المتكرر إلى تهديد إضافي لاستقرارهم وارتباطهم بأرضهم. وهنا تبرز خطورة تحويل الكارثة الإنسانية إلى واقع دائم، بدلًا من العمل على إنهائها وضمان عودة الحياة الطبيعية إلى القطاع.
أما في الضفة الغربية، فتتخذ عملية تغيير الواقع الجغرافي شكلًا آخر، عبر توسيع المستوطنات، وإقامة البؤر الاستيطانية، والاستيلاء على الأراضي، وتكثيف الحواجز والطرق التي تفصل التجمعات الفلسطينية بعضها عن بعض. ولا تقتصر نتائج هذه السياسة على مصادرة الأرض، بل تشمل تقطيع أوصال المدن والبلدات، وإضعاف التواصل الجغرافي والاقتصادي بينها، وتقويض قدرة الفلسطينيين على إدارة شؤونهم ضمن كيان سياسي موحّد.
وهكذا، يبدو المشهد مختلفًا في أدواته، لكنه متقارب في نتائجه: قطاع غزة يواجه التدمير والحصار وتضييق المجال المتاح للحياة، فيما تواجه الضفة الغربية التوسع الاستيطاني والتفتيت الجغرافي. وفي الحالتين، يدفع الفلسطينيون ثمن سياسة تجعل الأرض التي يُفترض أن تقوم عليها دولتهم أقل اتصالًا وأكثر خضوعًا للسيطرة الإسرائيلية.
من تغيير الجغرافيا إلى تصفية الحل السياسي.
إن خطورة ما يجري لا تكمن في الوقائع الميدانية منفردة، بل في تراكمها وتحولها إلى معطيات يصعب تجاوزها مستقبلًا. فالدولة لا تقوم بمجرد إعلان سياسي أو اعتراف دبلوماسي، وإنما تحتاج إلى أرض متصلة، وسكان قادرين على الحركة والعمل، وموارد تسمح باستمرار الحياة، وسيادة فعلية على الحدود والمقدرات.
لكن كيف يمكن الحديث عن دولة فلسطينية قابلة للحياة، بينما تتعرض أراضيها للتجزئة، وتتوسع المستوطنات على حسابها، وتُحاصر التجمعات السكانية، ويظل التحكم في حركة الفلسطينيين ومواردهم خاضعًا لسلطات الاحتلال؟
إن تحويل الضفة الغربية إلى جيوب متفرقة، وإبقاء قطاع غزة في دائرة الحصار والدمار وعدم الاستقرار، يفرغان حل الدولتين من مضمونه العملي، حتى إن استمر ترديده في التصريحات والبيانات الدولية. فالمشكلة لم تعد في غياب الصيغ الدبلوماسية، بل في اتساع الفجوة بين ما يعلنه المجتمع الدولي وما تسمح به الوقائع التي تفرضها إسرائيل على الأرض.
الاستيطان ليس تفصيلًا أمنيًا.
تحاول إسرائيل، في كثير من الأحيان، تقديم سياساتها الميدانية باعتبارها استجابة لاعتبارات أمنية. غير أن التوسع الاستيطاني المستمر، ومصادرة الأراضي، وتكريس السيطرة على أجزاء متزايدة من الضفة الغربية، لا يمكن تفسيرها كلها بمنطق الأمن وحده؛ إذ ترتبط أيضًا بصراع على الأرض والسيادة ومستقبل الشعب الفلسطيني.
والأخطر أن بعض هذه السياسات يحظى بغطاء سياسي من قوى داخل الحكومة الإسرائيلية والكنيست تدفع نحو توسيع الاستيطان وضم الأراضي، بصورة مباشرة أو تدريجية. وبذلك لا يعود تغيير الواقع الجغرافي مجرد نتيجة جانبية للصراع، بل يصبح عاملًا مؤثرًا في تحديد مآلاته السياسية، من خلال فرض وقائع جديدة قبل أي تسوية محتملة.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن الاعتداءات التي يتعرض لها الفلسطينيون في الضفة الغربية، بما فيها عنف المستوطنين وتخريب الممتلكات والاعتداء على المزارعين. فحين يصبح الوصول إلى الأرض أو زراعتها أو جني محاصيلها محفوفًا بالخطر، تتجاوز المسألة حدود الاعتداء الفردي لتطرح سؤالًا عن قدرة السكان على الصمود في أراضيهم، وعن مسؤولية سلطات الاحتلال في حمايتهم من العنف ومحاسبة المعتدين.
واشنطن ومسؤولية المجتمع الدولي.
لا تستطيع إسرائيل المضي في سياساتها بمعزل عن البيئة الدولية التي تتحرك فيها. فالولايات المتحدة، بما تمتلكه من نفوذ سياسي وعسكري ودبلوماسي، تتحمل مسؤولية خاصة عن استخدام هذا النفوذ للضغط من أجل وقف الاستيطان، وحماية المدنيين، وضمان دخول المساعدات الإنسانية، ومنع ضم الأراضي بالقوة.
لكن استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل، من دون اشتراط احترام الحقوق الفلسطينية والقانون الدولي، يضعف فاعلية الدعوات إلى التسوية ويبعث برسالة مفادها أن الوقائع المفروضة بالقوة قد تحظى في النهاية بفرصة للتحول إلى أمر واقع مقبول.
كما أن الاكتفاء ببيانات القلق والإدانة، من دون إجراءات سياسية واقتصادية ودبلوماسية مؤثرة، يترك الفلسطينيين أمام اختلال هائل في موازين القوة. ولا يقل عن ذلك خطورة ضعف الفعل العربي المشترك، وعجز الحكومات العربية عن تحويل مواقفها المعلنة بشأن فلسطين إلى ضغط ملموس قادر على التأثير في حسابات إسرائيل وحلفائها.
إن الدفاع عن الدولة الفلسطينية لا يتحقق بتكرار التمسك بحل الدولتين، بينما تتواصل السياسات التي تقوّض إمكان تحقيقه. فالمطلوب هو الانتقال من المواقف اللفظية إلى خطوات عملية، تشمل حماية المدنيين، وضمان المساعدات، ومواجهة الاستيطان، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ورفض أي محاولة لفرض التهجير أو ضم الأراضي بالقوة.
من يوقف هندسة الانقضاض؟
إن ما يجري في غزة والضفة الغربية يطرح سؤالًا يتجاوز حدود الأحداث اليومية: هل لا يزال المجتمع الدولي مستعدًا للدفاع عن قيام دولة فلسطينية مستقلة، أم أنه يكتفي بإدارة تراجع فرصها فيما تتغير الجغرافيا على الأرض؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه القضية الفلسطينية ليس إعلانًا رسميًا واحدًا عن إلغاء حل الدولتين، بل تفريغه تدريجيًا من مضمونه، إلى أن يصبح مستحيلًا عمليًا، من دون أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية قرار معلن بهذا الشأن.
فحين تُدمَّر مقومات الحياة في غزة، وتُجزّأ الضفة الغربية بفعل الاستيطان ومصادرة الأراضي، يصبح الصمت الدولي أكثر من مجرد تقاعس؛ إذ يتيح للوقائع التي تفرضها القوة أن تتقدم على الحقوق التي يُفترض أن يحميها القانون.
إن فلسطين لا تحتاج إلى مزيد من البيانات التي تؤكد حق شعبها في دولة مستقلة، بقدر ما تحتاج إلى إرادة دولية توقف المسار الذي يقوّض هذا الحق. فإما أن يتحول التمسك بالدولة الفلسطينية إلى سياسة فعلية تفرض احترام القانون والحقوق، وإما أن تستمر إسرائيل في إعادة رسم الخريطة بما يخدم مشروعها، بينما يكتفي العالم بمراقبة تراجع فرص السلام.
هندسة الانقضاض: كيف تصفّي إسرائيل جغرافيا الدولة الفلسطينية؟
2026-10-12
307 مشاهدة
مقالات وآراء