صوت القضية
صحفيون من أجل فلسطين
غزة إذ تغيّر صورة فلسطين في الوعي الغربي

غزة إذ تغيّر صورة فلسطين في الوعي الغربي

بقلم/ حلمي الأسمر

ثمة اعترافات تأتي من الخصم فتكون أبلغ من آلاف الخطب التي يلقيها أنصار القضية. وحين تنشر مجلة «نيوزويك» الأمريكية، في السابع من أكتوبر 2026، مقالاً بعنوان «كيف انتصر الغرب: انتصار حماس في الحرب الثقافية»، بقلم جورج تشيسترتون، فإن أهمية المقال لا تكمن فقط في موقف كاتبه، بل في الظاهرة التي يحاول تفسيرها: كيف انتقلت فلسطين من قضية سياسية يتابعها العالم إلى عنوان لصراع ثقافي وأخلاقي يهز المجتمعات الغربية من داخلها؟

يتوقف المقال عند عبارة المغنية البريطانية بالوما فيث: «أقول فلسطين حرة لأولادي كل ليلة»، ويرى فيها دلالة على تغلغل القضية الفلسطينية في الثقافة الشعبية، وتجاوزها حدود المظاهرات والجامعات إلى الفن والموسيقى والوعي اليومي للأجيال الجديدة. ويتحدث عن تحول الموقف من سياسات الكيان الصهيوني إلى ما يشبه اختباراً أخلاقياً في أوساط ثقافية غربية، بحيث لم يعد الصمت موقفاً محايداً بالضرورة، بل صار موضع مساءلة متزايدة.

هذا التشخيص، حتى وإن صيغ بلغة قلقة من جانب الكاتب، يكشف حقيقة أكبر من الأحكام التي يريد فرضها عليها: فلسطين لم تعد قضية يستطيع الغرب إبقاءها خارج ضميره، ولم يعد ممكناً احتكار تعريفها أو التحكم في صورتها كما كان يحدث لعقود. لقد خرجت من حدود الجغرافيا إلى قلب الثقافة، ومن نشرات الأخبار إلى الأغاني، ومن بيانات السياسيين إلى غرف الأطفال.

أما الحديث عن «انتصار حماس الثقافي»، فهو في حد ذاته اعتراف بحدود القوة العسكرية والإعلامية. فالمعركة التي بدأت في غزة لم تبقَ محصورة في الميدان؛ امتدت إلى الجامعات والشوارع والمسارح والنقابات وصناديق الاقتراع، وأطلقت مراجعة واسعة للرواية الصهيونية التي طالما حظيت بحماية سياسية وإعلامية استثنائية. وما يقلق قطاعات من النخب الغربية ليس مجرد انتشار شعار، بل أن أجيالاً جديدة باتت تنظر إلى فلسطين من زاوية الاحتلال والاقتلاع والحقوق المسلوبة، لا من خلال الرواية الجاهزة التي صاغتها الحكومات ومراكز النفوذ.

إن عبارة «فلسطين حرة» ليست لغزاً يحتاج إلى كل هذا الالتفاف. إنها تختصر مطلب شعب يريد أرضه وحريته وحقه في تقرير مصيره، ويرفض أن يبقى أسير الاحتلال والحصار والتهجير. وحين ترددها أم بريطانية على مسامع أطفالها كل ليلة، فإنها تنقل فلسطين من هامش السياسة إلى صميم الوعي الإنساني، وتؤكد أن القضية التي راهن كثيرون على محوها من الذاكرة أصبحت جزءاً من ذاكرة جيل جديد.

هنا تكمن المفارقة التاريخية: أراد الكيان الصهيوني أن يجعل من القوة وسيلة لإخضاع الفلسطينيين ومحو قضيتهم، فإذا بالمأساة الفلسطينية نفسها تعيد القضية إلى واجهة العالم، وتفتح أبواباً واسعة لمساءلة الرواية التي حمت الاحتلال طويلاً. وكلما اتسعت الفجوة بين الوقائع الموثقة والخطاب الرسمي، ازدادت صعوبة إعادة عقارب الوعي إلى الوراء.

قد يختلف الكاتب الأمريكي مع هذا التحول، وقد يصفه بانتصار ثقافي لحماس، لكن الوقائع التي يستشهد بها تطرح سؤالاً لا يستطيع تجاهله: لماذا أصبحت فلسطين حاضرة إلى هذا الحد في ضمير الغرب؟ ولماذا باتت عبارة «فلسطين حرة» تثير كل هذا القلق في أوساط سياسية وإعلامية اعتادت أن تتعامل مع القضية باعتبارها ملفاً يمكن إدارته وتأجيله؟

إن أهمية مقال «نيوزويك» أنه يرصد، من داخل الثقافة الغربية نفسها، انتقال فلسطين إلى موقع مؤثر في تشكيل الوعي والصراع على المعنى. وهذا لا يعني أن المعركة حُسمت، أو أن التحول الثقافي أصبح سياسة رسمية، لكنه يعني أن احتكار الرواية لم يعد مضموناً، وأن جيلاً جديداً يرفض أن يرث الصمت والتبرير بوصفهما حقائق نهائية.

«أقول فلسطين حرة لأولادي كل ليلة»؛ ليست العبارة مجرد تضامن عابر، بل شهادة على أن فلسطين تعبر الحدود وتدخل البيوت وتستقر في ذاكرة الأطفال. قد تنتهي الحروب، وتتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، لكن الشعوب التي تدخل الوعي الإنساني لا يمكن محوها ببيان رسمي أو حملة دعائية.

لقد أرادوا أن تصبح فلسطين قضية منسية، فإذا بها تصبح قضية جيل. وأرادوا أن يحتكروا الرواية، فإذا بالعالم يعيد كتابة أسئلته. أما فلسطين، التي لم تغب يوماً عن ذاكرة أهلها، فتعود اليوم لتحتل مكانها في ذاكرة العالم: لا بوصفها مأساة تنتظر الشفقة، بل قضية حرية تنتظر العدالة.

📂 الأقسام

الرئيسية اقتصاد تقارير وتحليلات تكنولوجيا ثقافة حول خبر عاجل رياضة سياسة صحة صور وفيديو عربي ودولي فنون مقالات وآراء منوعات