بقلم الأستاذ/ علي أو عمو – كاتب من المغرب
تواجه القضية الفلسطينية اليوم واحدة من أخطر مراحلها منذ عقود. فلم يعد الأمر يتعلق فقط باستمرار الاحتلال أو التوسع الاستيطاني أو إدارة الصراع من مرحلة إلى أخرى، بل يبدو أن هناك اتجاهًا متصاعدًا نحو فرض واقع جديد على الأرض، تكون نتيجته إفراغ فكرة الدولة الفلسطينية من مضمونها، وتحويل حل الدولتين إلى مجرد شعار سياسي بلا مقومات جغرافية أو ديموغرافية.
ومن هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يمكن للقوة العسكرية والاستيطان والتهجير وفرض الأمر الواقع أن تنجح في طيّ القضية الفلسطينية وإخراجها نهائيًا من التاريخ؟
الاستيطان كأداة لإعادة رسم الخريطة.
على مدى عقود، لم يكن الاستيطان مجرد توسع عمراني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل أصبح إحدى أهم الأدوات لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للضفة الغربية.
فكلما توسعت المستوطنات والبؤر الاستيطانية، تراجعت المساحات المتاحة أمام قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا وقابلة للحياة. ومع استمرار شق الطرق وتوسيع المستوطنات ومصادرة الأراضي، تحولت أجزاء واسعة من الضفة إلى مناطق متقطعة، تتخللها تجمعات استيطانية وشبكة طرق ومناطق عسكرية، الأمر الذي يزيد صعوبة إقامة كيان فلسطيني ذي سيادة فعلية.
وهكذا، لا يعود السؤال فقط: كم تبلغ مساحة الأرض الفلسطينية المتبقية؟ بل يصبح السؤال الأهم: هل ما تبقى منها يمكن أن يشكل دولة متصلة وقادرة على الحياة؟
الهيمنة الأمريكية... حين يصبح الدعم حماية سياسية واستراتيجية..
ولا يمكن قراءة استمرار هذا المسار بمعزل عن الدور الأمريكي في النظام الدولي. فالولايات المتحدة لا تكتفي بعلاقة تحالف تقليدية مع إسرائيل، وإنما توفر لها دعمًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا يجعلها قادرة على مواصلة سياساتها رغم حجم الاعتراض الدولي عليها.
وقد ظهر ذلك بوضوح في مجلس الأمن، حيث حالت الولايات المتحدة في مناسبات عديدة دون صدور قرارات ضد إسرائيل، كما واصلت تقديم الدعم العسكري والسياسي لها.
وهنا تتجاوز المسألة حدود العلاقة الثنائية بين واشنطن وتل أبيب، لتطرح سؤالًا أكبر يتعلق بطبيعة النظام الدولي نفسه: هل يستطيع المجتمع الدولي اتخاذ موقف مستقل عندما تتعارض إرادته مع المصالح الاستراتيجية للقوة الدولية الأكثر نفوذًا؟..
فالهيمنة الأمريكية على مفاصل أساسية من النظام الدولي تمنح واشنطن قدرة كبيرة على التأثير في مسارات الأزمات الدولية، وفي الحالة الفلسطينية تحديدًا، سمحت هذه الهيمنة لإسرائيل بهامش واسع من الحركة، حتى عندما تتزايد الانتقادات الدولية لسلوكها تجاه الفلسطينيين.
والأكثر إثارة للجدل هو أن الاعتبارات الأخلاقية وحقوق الإنسان، التي تشكل جزءًا أساسيًا من الخطاب السياسي الغربي، تبدو وكأنها تتراجع عندما يتعلق الأمر بإسرائيل والفلسطينيين. فبينما تُرفع شعارات حماية المدنيين ورفض استهداف السكان في أزمات أخرى، يجد المجتمع الدولي نفسه عاجزًا عن ترجمة المبادئ نفسها إلى إجراءات ملموسة عندما يتعلق الأمر بغزة والضفة الغربية.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بالسؤال عن موقف الولايات المتحدة من إسرائيل، بل عن تأثير هذا الموقف في قدرة المجتمع الدولي بأكمله على تطبيق قواعد يفترض أنها واحدة على الجميع.
عجز النظام الدولي..
في المقابل، بدا النظام الدولي عاجزًا عن تحويل القرارات والمواقف الدولية إلى إجراءات قادرة على وقف الاستيطان أو حماية المدنيين أو فرض احترام القانون الدولي.
وهنا تكمن إحدى أكبر مشكلات القضية الفلسطينية: ليس في غياب القرارات الدولية، وإنما في غياب القدرة على تنفيذها.
فحين تبقى القرارات بلا آليات تنفيذ، يصبح القانون الدولي عاجزًا عن حماية الطرف الأضعف، ويصبح ميزان القوة هو العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد الوقائع على الأرض.
ومن هذه الزاوية، يصبح الدعم الأمريكي لإسرائيل جزءًا من معادلة أوسع: إسرائيل تفرض الوقائع على الأرض، والولايات المتحدة توفر لها، سياسيًا واستراتيجيًا، مساحة واسعة للاستمرار، بينما يكتفي المجتمع الدولي في كثير من الأحيان بإصدار بيانات الإدانة والدعوة إلى ضبط النفس.
غزة... حين يصبح البقاء نفسه معركة..
وفي قطاع غزة، اتخذ الصراع شكلًا أكثر مأساوية. فالحرب لم تقتصر على العمليات العسكرية، بل خلّفت دمارًا واسعًا وأزمة إنسانية عميقة، وسط نقص حاد في الغذاء والدواء والمياه والخدمات الأساسية.
وبينما تتواصل الجهود الدولية لإيصال المساعدات والتوصل إلى ترتيبات لوقف الحرب، يبقى المدنيون الفلسطينيون في مواجهة آثار كارثية لا يمكن اختزالها في الأرقام.
إن تحويل المساعدات الإنسانية إلى جزء من المعادلة السياسية والعسكرية يطرح سؤالًا أخلاقيًا بالغ الخطورة: إلى أي حد يستطيع المجتمع الدولي أن يقبل باستمرار معاناة المدنيين، بينما يكتفي بإصدار البيانات والدعوات إلى ضبط النفس؟
أين يقف العرب؟..
ربما تكون المسألة الأكثر إيلامًا في المشهد الفلسطيني هي محدودية القدرة العربية على التأثير في مسار الأحداث.
فالدول العربية تمتلك أوراقًا سياسية واقتصادية ودبلوماسية مختلفة، لكنها لم تستطع، حتى الآن، تحويل هذه الأوراق إلى موقف إقليمي قادر على فرض تغيير ملموس في مسار الحرب أو حماية الفلسطينيين أو الدفع نحو حل سياسي جدي.
وبين البيانات الصادرة عن القمم العربية، والتحركات الدبلوماسية المتفرقة، والاتصالات الدولية، يبقى الفارق كبيرًا بين الموقف السياسي وبين القدرة على التأثير في الوقائع.
هل يستطيع «الأمر الواقع» هزيمة التاريخ؟..
قد يبدو المشهد، وفق موازين القوة الحالية، وكأن مشروع فرض الأمر الواقع يقترب من تحقيق أهدافه. لكن التاريخ لا يُكتب بالقوة العسكرية وحدها.
فالشعب الفلسطيني، رغم الحروب والتهجير والاستيطان والاحتلال، ما زال موجودًا على أرضه، وما زالت القضية الفلسطينية حاضرة في الوعي الفلسطيني والعربي والدولي.
وقد تستطيع القوة أن تغيّر الوقائع الميدانية، وأن تهدم المنازل، وأن تصادر الأراضي، وأن تدفع الناس إلى النزوح، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تمحو الهوية أو أن تلغي الذاكرة الجماعية أو أن تمنح الاحتلال شرعية لمجرد أنه نجح في فرض واقع جديد.
إن أخطر وهم يمكن أن يقع فيه أي مشروع سياسي هو الاعتقاد بأن مرور الزمن كفيل بإلغاء حقوق الشعوب.
فالقضية الفلسطينية قد تمر بمراحل من الضعف والتراجع، وقد تتعرض لخسائر قاسية، وقد يبدو في لحظات معينة أن ميزان القوة حسم مستقبلها. لكن بين «فرض الأمر الواقع» و«إنهاء القضية» مسافة لا تستطيع الجيوش وحدها اختصارها.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع العالم أن يسمح بأن يصبح الأمر الواقع بديلًا عن القانون والتاريخ وحقوق الشعوب، أم أن القضية الفلسطينية ستظل، رغم كل محاولات طيّها، شاهدة على أن ما يُفرض بالقوة لا يتحول بالضرورة إلى حقيقة تاريخية؟..
القضية الفلسطينية ومخطط الحسم: هل ينجح «الأمر الواقع» في طيّ التاريخ؟
2026-10-04
315 مشاهدة
مقالات وآراء